- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 968 Views
تشهد العلاقة بين طهران وواشنطن مرحلة شديدة الحساسية، مع عودة الجدل حول شكل المفاوضات وحدودها، ففي الوقت الذي تكشف فيه تصريحات أحد الدبلوماسيين المخضرمين في إيران عن تفاصيل الاتصالات الأولى خلال إدارة ترامب ومحاولات التفاوض غير المباشر، تؤكد طهران تمسكها بصيغة تفاوض قائمة على الندية وضمانات واضحة تحمي مصالحها النووية والأمنية، وبين تشدد إيران ومطالب واشنطن، يبقى مستقبل الحوار بين الجانبين مفتوحا على احتمالات متباينة، تعكس استمرار أزمة الثقة التي ترافق العلاقات بين الطرفين منذ عقود.
كواليس دبلوماسية أيام ترامب الأولى
صرح مجيد تخت روانجي، نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون السياسية، الإثنين 27 أكتوبر/تشرين الأول 2025 خلال مشاركته في المؤتمر الدولي الرابع لدراسات إيران المعاصرة، والذي جاء تحت عنوان “إيران والعالم بعد الحرب التي استمرت 12 يوما”، قائلا: “عندما تولّت إدارة ترامب الحكم، بعثت برسالة إلى قائد الثورة قدمت فيها مقترحات، وبغض النظر عن لهجة الرسالة والرد عليها بالمثل، فقد تضمنت اقتراحا ببدء المفاوضات مع التهديد بأنه إذا لم نصل إلى نتيجة فستكون هناك حرب، وقد قبلنا حينها بالمفاوضات غير المباشرة، في حين أنهم أرادوا مفاوضات مباشرة، وعدم قبولنا بالمباشرة كانت له أسبابه الخاصة”.

وأضاف تخت روانجي: “لو كان الطرفان في موقع متكافئ واتفقا على المضي قدما في أجواء هادئة، لكانت المفاوضات المباشرة أفضل وأسرع، لكن مع أمريكا لم يكن الأمر كذلك، فمن نص الرسالة ومن سلوك مسؤوليها، كان واضحا أنهم شعروا بأن العالم بحاجة إلى ترامب، وأنه هو من يجب أن يفرض شروطه على الجميع، ولذلك قررنا الرد، ولكن عبر مفاوضات غير مباشرة”.
كما أوضح نائب وزير الخارجية أنه “لقد أرسلت الولايات المتحدة رسالتها عبر الإمارات، أما نحن فاخترنا الرد عبر سلطنة عمان، بدأت المفاوضات وعقدنا خمس جولات، وقبل يومين من الجولة السادسة اندلعت الحرب، يقصد حرب 12 يونيو/حزيران، ما أثار دهشة الجميع في المجتمع الدولي وحتى الإعلام الأمريكي، لقد أبدا الأمريكيون في البداية استعدادهم للتعاون، لكنهم كانوا يناورون بالكلمات معتقدين أنهم سيحققون أهدافهم بهذه الطريقة”.
وبين تخت روانجي خلال كلمته “استخدم الجانب الأمريكي شتى الأساليب، فطالب أولا بتصفير التخصيب، وحين رفضنا طرح مطالب أخرى، وكان يتصرف بمكر، حتى وصلوا إلى قناعة بأنهم لن يحققوا أهدافهم عبر التفاوض فلجؤوا إلى القوة”، مضيفا: “نحن لم نكن نتوقع نتائج سريعة، فالمفاوضات الدولية مليئة بالصعود والهبوط، وكنا نعتقد أنه رغم كل التعقيدات يمكن عبر الدبلوماسية الوصول إلى نتيجة”.
القوة بدلا من التفاوض.. متى غيرت أمريكا موقفها؟
أكد تخت روانجي أنه حين ييأس الطرف الأمريكي من فرض آرائه بدأ في شن الحرب، مشددا على أن “إيران كانت دائما تؤمن بالدبلوماسية، ولكن بالدبلوماسية القائمة على الندية وعدم الإملاء، فحين تكون المفاوضات على قدم المساواة لا يسعى أحد إلى الحرب، لأن الجميع يفضل الحوار لحل الخلافات بشرط ألا يحاول أحد فرض رأيه”.
وأشار إلى أن أحد أسباب الحرب كان عجز الأمريكيين عن تحقيق أهدافهم غير المشروعة، فبعد أن فشلوا في سياسة الترغيب والتهديد لجؤوا إلى القوة، مضيفا أن “هناك سؤالا يطرح نفسه، هل كانت نيتهم الحرب منذ البداية وكانوا يهيئون لذلك ليقولوا لاحقا إنهم حاولوا وفشلوا؟ أم أنهم غيروا المسار في منتصف الطريق؟ وما هو دور الكيان الصهيوني في ذلك؟ هل كان شريكا منذ البداية أم تم توزيع الأدوار بينهما؟”.

وتابع قائلا: “الولايات المتحدة كانت تسعى إلى تعطيل كامل للبرنامج النووي الإيراني، لقد حاولوا أولا إغراءنا بامتيازات للتخلي عنه، ثم لجؤوا إلى التهديدات، لكن من الطبيعي أننا، بعد كل هذه الاستثمارات الضخمة والتضحيات التي قدمها علماؤنا، لا يمكننا أن نتخلى عن برنامجنا العلمي الوطني فقط لأن ترامب أراد ذلك أو لأن دولة ما طلبت منا”.
وأضاف: “لقد قدمنا شهداء في سبيل هذا المسار، سواء من العاملين في البرنامج النووي أو من الذين تصدوا للتخريب، هذا البرنامج ثمرة علمية وطنية نمت من داخل البلاد ووصلت إلى المستوى العالمي، فإذا جاءوا ليقولوا أوقفوه وسنمنحكم امتيازات، أو إن لم توقفوه سنتخذ إجراءات ضدكم، فهنا تغيب اللغة المشتركة ولا يمكن التفاهم، عندما تدخل المفاوضات، يجب أولا أن تجد لغة مشتركة مع الطرف الآخر، لأن غياب هذا الفهم المتبادل يجعل النتيجة مستحيلة ويغيّر مسار الأمور”.
ويتكوف في نيويورك كان يسعى إلى مفاوضات بنتيجة محددة مسبقا
وعن فشل المفاوضات بين الجانبين الأمريكي والإيراني في الأمم المتحدة، وقبل عدة أيام من تفعيل آلية العقوبات مرة أخر، قال تخت روانجي: “عندما يدخل طرفان في حوار، فإذا شعر أحدهما منذ البداية أنه في موقع تفوق، وأنه يستطيع أن يملي آراءه، فإن مثل هذا المسار يجعل الحوار عديم الفائدة، وقد كان هذا بالضبط السبب في عدم إجراء أي حوار مع السيد ويتكوف في نيويورك ، إذ إن الطرف المقابل أراد أن تكون نتيجة المفاوضات محددة سلفا، بمعنى آخر، كان يريد أن يقول أرغب في التحدث معكم، لكن فقط إذا كانت في نهاية المفاوضات إجراءات محددة تتخذ لمصلحتي، هذه العقلية، التي غالبا ما يتبناها الطرف الأمريكي، تظهر أنه يظن نفسه صاحب اليد العليا، ويعتقد أنه يستطيع أن يملي شروطه، المفاوضات في مثل هذه الظروف عمليا لا جدوى منها”.

ما هي نسخة إيران المقبولة من المفاوضات؟
لم تختلف تصريحات تخت روانجي عن تلك التي أطلقها المرشد الأعلى الإيراني، على خامنئي، في سبتمبر/أيلول 2025، والتي أكد فيها أن الولايات المتحدة لا تريد تفاوض عادلا، بل تريد إخضاع إيران لشروطها المجحفة، وإذ لم ترض الأخيرة فسيتم قصفها، معتبرا أن المفاوضات مع الولايات المتحدة الأمريكية في ذلك الوقت أمرا غير مجد ولن يفيد إيران، وأن تلك النسخة من المفاوضات التي تسعى لها واشنطن لن تنفع أبدا مع الشعب الإيراني الأبي، ولكن ما هي النسخة المقبولة لدى المفاوض الإيراني؟
وفقا لتصريحات المسؤولين الإيرانيين، فإن النسخة المقبولة من المفاوضات لدى إيران تقوم على مجموعة من الشروط السياسية والضمانات العملية، أبرزها ثلاثة محاور رئيسية تكررت في الخطاب الرسمي خلال الأشهر الأخيرة، أولها ما يتعلق ببناء الثقة المسبقة، فتؤكد طهران أن الولايات المتحدة مطالَبة بإثبات نيتها في التفاهم من خلال إجراءات ملموسة، بعد سنوات من انسحاب واشنطن الأحادي من الاتفاق النووي عام 2018 وفرضها عقوبات اقتصادية واسعة، وترى القيادة الإيرانية أن أي تفاوض من دون هذه الخطوات سيكون بلا جدوى، لأن الثقة، وفق تعبيرها لا تبنى بالوعود.
المحور الثاني يرتبط بضمانات أمنية واضحة، وتشترط إيران أن تتعهد الولايات المتحدة بعدم تكرار الهجمات التي استهدفت مواقع نووية داخل البلاد، وأن تقدم تفسيرا وتعويضا عن الأضرار الناتجة عنها، ويرى الداخل الإيراني بمختلف تياراته أن إدراج هذا البند شرط أساسي لاستئناف أي مفاوضات مستقبلية، مؤكدين أن التفاوض لا يمكن أن يجري تحت القصف أو التهديد.
أما المحور الثالث فيتعلق بالاعتراف بحق إيران في التخصيب السلمي لليورانيوم في إطار معاهدة حظر الانتشار النووي، فيما تصف طهران هذا الحق بأنه خط أحمر، وتعتبر المساس به انتهاكا للقانون الدولي، ويطالب المفاوض الإيراني بأن يتضمن أي اتفاق جديد نصا صريحا يقر بهذا الحق ويمنع إعادة تفسيره أو التراجع عنه مستقبلا.

إلى جانب هذه الشروط، توضح إيران أن لديها تصورا محددا لشكل المفاوضات وآليتها، فهي ترفض المباحثات التي تحدد نتائجها مسبقا، كما دلت تصريحات تخت روانجي، وتصر على مبدأ الندية بين الطرفين، وتشير التصريحات الرسمية إلى أن طهران لا تمانع في استخدام قنوات غير مباشرة عبر وسطاء، مثل دول إقليمية أو أطراف أوروبية، بشرط أن تظل هذه الوساطات في إطار التسهيل لا الإملاء.

كما تطرح إيران تصورا لتدرج المفاوضات على مراحل، فتبدأ بتفاهمات إنسانية واقتصادية، مثل رفع العقوبات وتحرير الأرصدة المجمدة، تليها مناقشة المسائل التقنية المتعلقة بالبرنامج النووي، ثم الانتقال إلى ترتيبات أمنية أوسع، وفي المقابل، ترفض طهران إدخال برنامجها الصاروخي أو ملفها العسكري في أي من جولات التفاوض، مؤكدة أن هذه القضايا شأن دفاعي داخلي لا يخضع للتفاوض.
هل تمتلك إيران ما يلزم لدعم نسختها التفاوضية؟
رغم ما يبدو من منطقية المطالب الإيرانية، إلا أن المفاوض الأمريكي يرفض وضع قواعد للمفاوضات قبل أن تبدأ، ويرى أنه على إيران أن تظهر حسن نيتها بعدم وضع عواقب، والاستعداد عن التخلي عن بعض الأشياء للوصول للبعض الآخر، الأمر الذي يحتم على طهران وجود أوراق ضغط إذا أرادت أن تجري نسختها التفاوضية.
وبهذا الشأن، أكد المبعوث الأمريكي السابق لشؤون إيران، روبرت مالي، أن طهران تمتلك أربعة أوراق رئيسية تستخدمها كورقة ضغط على طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة، وترفض التخلي عنها، موضحا أن تجاهل هذه العناصر يجعل أي اتفاق مستدام أمرا شبه مستحيل.
الأداة الأولى التي تستند عليها إيران هي الغموض النووي، حيث اعتمدت طهران سياسة غموض محسوبة عبر توسيع برنامجها النووي بما يتجاوز قيود الاتفاق السابق، من دون إعلان رسمي، ما يربك المفاوضين الغربيين ويخلق ضغطا نفسيا متواصلاً عليهم، هذا الغموض، الذي يشمل مستويات تخصيب مرتفعة لليورانيوم مع غياب الشفافية الكاملة، يجعل الغرب عاجزاً عن تجاهل الخطر المحتمل.
أما الأداة الثانية، فتتمثل في مخزون اليورانيوم المخصب الذي تجاوز 400 كيلوجرام ووصل جزء منه إلى نسبة 60%، وهي خطوة قريبة من التخصيب العسكري، ولا يعرف مكان هذه المخزونات بدقة، ما يزيد من قلق المجتمع الدولي ويجعلها بمثابة تأمين استراتيجي لإيران تستخدمه لمواجهة الضغوط.
والأداة الثالثة فهي القدرات العسكرية الإيرانية، بما في ذلك برنامج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة وشبكات الحلفاء الإقليميين، فتعتبر طهران هذه القدرات جزءا من سيادتها الوطنية وترفض التفاوض بشأنها، ما يؤدي إلى جمود المفاوضات مع واشنطن التي تصر على إدراجها ضمن أي اتفاق.
الأداة الرابعة والأخيرة هي النفوذ الإقليمي، إذ توظف إيران حضورها في سوريا والعراق ولبنان واليمن كورقة دبلوماسية قابلة للمقايضة، مع استعداد محدود لتخفيف هذا النفوذ مقابل مكاسب اقتصادية أو نووية.

