من طهران إلى بكين.. تفاصيل أكبر حزمة عقوبات على إيران منذ 2018

كتب: ربيع السعدني 

في خطوة هي الأقوى من نوعها خلال السنوات السبع الماضية، كشفت الولايات المتحدة النقاب عن حزمة عقوبات اقتصادية ضخمة تستهدف قلب إمبراطورية النفط الإيرانية، مُسلطةً الضوء على شبكة معقدة يديرها محمد حسين شمخاني، نجل مستشار المرشد الإيراني علي خامنئي. 

هذه العقوبات، التي وُصفت بأنها “زلزال اقتصادي”، تضع أكثر من 50 فردا وكيانا وأسطولا بحريا ضخما تحت طائلة القيود الأمريكية، في إطار حملة “الضغط الأقصى” التي تُكثفها إدارة الرئيس دونالد ترامب ضد طهران..  فما القصة وراء هذه الشبكة الغامضة؟ وكيف تُشكل تهديدا عالميا؟

في إعلان هزّ الأوساط الاقتصادية والسياسية، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية، الأربعاء 30 يوليو/تموز 2025، فرض عقوبات شاملة تستهدف شبكة تجارية عالمية يقودها محمد حسين شمخاني، نجل علي شمخاني، أحد أبرز المقربين من خامنئي.

وتُعد هذه الحزمة، التي شملت 115 فردا وكيانا و52 سفينة تنتمي إلى 17 دولة، الأضخم منذ 2018، وتأتي في سياق تصعيد أمريكي غير مسبوق ضد إيران.

وأضافت المؤسسة الاقتصادية الأمريكية: “في أكبر إجراء متعلق بإيران منذ عام 2018، فرض مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على أكثر من 50 فردا وكيانا، واستهدف أكثر من 50 سفينة تشكل جزءا من شبكة شحن واسعة يسيطر عليها محمد حسين شمخاني (حسين)”.

وزعم بيان وزارة الخزانة الأمريكية أيضا، أن “شبكة نقل النفط والبضائع الإيرانية المملوكة لمحمد حسين شمخاني، والتي تضم أسطولا واسعا من السفن وشركات إدارة السفن والشركات الوهمية، بعضها يعمل كشركات خدمات مالية مشروعة، تغسل مليارات الدولارات من الأرباح من المبيعات العالمية للنفط الخام الإيراني والروسي ومنتجات البترول الأخرى، في المقام الأول للمشترين الصينيين”.

كما زعمت وزارة الخزانة الأمريكية أن حسين شمخاني استخدم أسماء مستعارة مثل “H” و”هيكتور” و”هوغو حايك” (اسم مستعار في جواز سفره الدومينيكي) في جميع معاملاته. 

ويسعى أسطول الشبكة من ناقلات النفط وسفن الحاويات إلى إخفاء المسؤولية النهائية لكل سفينة وعدم إمكانية تعقُّبها من خلال تغيير مديريها ومشغليها باستمرار، ويحظى هذا الأسطول أحيانا بأولوية التحميل والتفريغ في الموانئ الإيرانية على السفن الأخرى.

شبكة معقدة للتهرب من العقوبات

بحسب بيان وزارة الخزانة، تدير عائلة شمخاني أسطولا هائلا من ناقلات النفط وسفن الحاويات التي تنقل النفط الإيراني والروسي إلى الأسواق العالمية، مُحققة أرباحا تُقدر بمليارات الدولارات.. هذه الأموال، وفقا لواشنطن، تُستخدم لتمويل أنشطة النظام الإيراني، وضمن ذلك برامج عسكرية وأنشطة مزعزعة للاستقرار في المنطقة.. الشبكة، التي يُشرف عليها محمد حسين شمخاني، تعتمد على حيل معقدة للتهرب من العقوبات:

• شركات وهمية: استخدام شبكة من الشركات الوهمية في دول مختلفة لإخفاء هوية الشحنات.

• تزوير الوثائق: تزوير وثائق الشحن لإخفاء مصدر النفط الإيراني.

• إيقاف أنظمة التتبع: إغلاق أنظمة التتبع البحري (AIS) في أثناء تحميل النفط بالموانئ الإيرانية؛ لتجنب الرصد.

وفي هذا الصدد؛ قال وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت: “إمبراطورية شمخاني للشحن ليست مجرد شبكة تجارية، بل هي آلة اقتصادية تُغذي أنشطة إيران المزعزعة للاستقرار، ونحن مصممون على تفكيكها.”

الارتباط الروسي

لم تقتصر اتهامات واشنطن على تهريب النفط، بل امتدت إلى تورط الشبكة في نقل أسلحة إلى روسيا، وفقا للتحقيقات الأمريكية، استخدمت سفن تابعة لشمخاني لنقل صواريخ ومكونات طائرات مسيرة من إيران إلى روسيا.

مقابل شحنات نفط روسية تُباع لاحقا في الأسواق الدولية، خاصة في الصين هذا التعاون، بحسب الوزارة، يُعزز العلاقات غير القانونية بين طهران وموسكو، مما يُهدد الأمن العالمي.

ضربة موجعة أم تحدٍّ جديد؟

تستهدف العقوبات 15 شركة شحن و53 كيانا في دول مثل الصين وهونغ كونغ ودول أخرى، إلى جانب 12 فردا يُعتبرون وسطاء رئيسيين في الشبكة. 

وأكد مسؤول أمريكي لـ”رويترز”، أن هذه الإجراءات صُممت بعناية لتجنُّب التأثير على استقرار أسواق النفط العالمية، مع التركيز على تعطيل قدرة إيران على تصدير نفطها.

وقالت تامي بروس، المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية: “هذه العقوبات رسالة واضحة: أي شخص أو كيان يتعامل مع النفط الإيراني يُعرض نفسه لعواقب وخيمة، لن نسمح لطهران بتمويل أنشطتها المدمرة عبر هذه الشبكات”.

كما زعم جون ك. هيرلي، وكيل وزارة الخزانة الأمريكية لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية، أن “إيران تواصل سعيها لتطوير قدراتها في مجال الأسلحة غير المتكافئة، وضمن ذلك الطائرات المسيرة، لشن هجمات على الولايات المتحدة وقواتنا المسلحة وشركائنا وحلفائنا في المنطقة، سنواصل إعطاء الأولوية لأمريكا من خلال عرقلة قدرة طهران على تنفيذ أجندتها المزعزعة للاستقرار التي تقوض الاستقرار الإقليمي وتهدد أمن الشعب الأمريكي”.

رد طهران: إدانة وتحدٍّ

في المقابل، أصدرت وزارة الخارجية الإيرانية بيانا يُدين العقوبات الأمريكية، واصفة إياها بـ”العدوان الاقتصادي” الذي يهدف إلى “خنق الشعب الإيراني”.

وأكدت طهران أنها ستواصل تصدير نفطها وتطوير اقتصادها رغم القيود، مشيرة إلى أن العقوبات “لن تُثني إيران عن حماية مصالحها الوطنية”.

في إطار مساعي الولايات المتحدة لتكثيف الضغوط على إيران وحلفائها، خاصة في قطاعي الطاقة والنقل البحري، فرضت واشنطن عقوبات جديدة تهدف إلى تقويض الاقتصاد الإيراني، وفي رد حاسم، ندد إسماعيل بقائي، المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، بهذه الإجراءات، واصفا إياها بأنها تجسيد للعداء الأمريكي العميق تجاه الشعب الإيراني. 

وأشار إلى العدوان العسكري الأخير للولايات المتحدة و”الكيان الصهيوني” على سيادة إيران، مؤكدا أن هذه العقوبات الخبيثة تسعى لخنق التنمية الإيرانية وانتهاك حقوق مواطنيها.

وأضاف بقائي أن إدمان واشنطن فرض عقوبات أحادية غير شرعية يكشف ازدراءها للقانون الدولي وحقوق الإنسان، مهددا أسس النظام العالمي، بما في ذلك حرية التجارة وسيادة الدول، ووصف العقوبات على تجارة النفط الإيرانية بأنها عمل إجرامي ينتهك مبادئ القانون الدولي، معتبرا إياها جريمة ضد الإنسانية تستوجب المحاسبة، واستذكر بقائي تاريخ الولايات المتحدة من التدخلات العدائية ضد إيران، من انقلابات وتخريب إلى إرهاب اقتصادي، وأكد أن هذه السياسات لن تكسر إرادة الشعب الإيراني في الدفاع عن كرامته وسيادته، وسيواصل سعيه لبناء مستقبل مزدهر رغم التحديات.

تأتي هذه العقوبات في أعقاب غارات أمريكية استهدفت مواقع نووية إيرانية رئيسية في يونيو/حزيران 2025، والتي قالت واشنطن إنها دمرت برنامجا نوويا يُزعم أنه يهدف إلى تطوير أسلحة نووية، ونفت إيران هذه الاتهامات، مؤكدة أن برنامجها النووي سلمي.

في تصريح للرئيس ترامب يوم الاثنين 28 يوليو/تموز 2025، حذر من أي محاولات إيرانية لإعادة تشغيل مواقعها النووية، مهددا برد عسكري “ساحق”، وقال: “إيران ترسل إشارات سيئة، وأي خطوة نحو إعادة برنامجها النووي ستُواجه بقوة غير مسبوقة”.

تجدر الإشارة إلى أن واشنطن أجرت خمس جولات من المحادثات مع طهران قبل الغارات، لكن الدبلوماسية بقيت في طريق مسدود، مما دفع الإدارة الأمريكية إلى تكثيف سياسة “الضغط الأقصى”.

ما الجديد في هذه العقوبات؟

تُعد هذه الحزمة فريدة من نوعها لعدة أسباب:

• الحجم غير المسبوق: استهداف 115 فردا وكيانا وسفينة يجعلها الأكبر منذ 2018.

• التركيز على شبكة شمخاني: ربط العقوبات بشخصية بارزة مثل محمد حسين شمخاني، الذي يُعتبر رأس الحربة في تجارة النفط غير القانونية.

• التعاون الروسي-الإيراني: كشف النقاب عن تورط الشبكة في نقل أسلحة إلى روسيا، مما يُضيف بُعدا جيوسياسيا جديدا.

هل ستنجح العقوبات؟

يشكك بعض الخبراء في قدرة العقوبات على إيقاف تصدير النفط الإيراني بالكامل، نظرا لخبرة طهران في تطوير شبكات تهريب متطورة.

ومع ذلك، فإن الضغط الاقتصادي المتصاعد، إلى جانب التوترات العسكرية، قد يُجبر إيران على إعادة تقييم استراتيجياتها.

في الوقت ذاته، يرى آخرون أن العقوبات قد تُفاقم التوترات في المنطقة، خاصة مع استمرار الخلاف حول البرنامج النووي، ومع ضعف احتمالات الدبلوماسية بين واشنطن وطهران، يبقى السؤال: هل ستُشعل هذه العقوبات فتيل مواجهة أوسع، أم ستُجبر طهران على التفاوض؟

تواجه إيران مفترق طرق في تصدير نفطها: إما تقديم خصومات مغرية أو خسارة أسواقها، انخفاض أسعار النفط الروسي يهدد بانقضاض عملاء إيران، مما يضطرها لخفض الأسعار أو مواجهة تراجع تدريجي في حصتها السوقية.

بعض الخبراء يرون أن محدودية إنتاج روسيا لن تجعلها منافسا دائما، لكن التحدي الراهن قائم، كلا الخيارين – الخصومات أو خسارة العملاء – ينذران بانخفاض الإيرادات، تهديدا لميزان إيران الاقتصادي واستقرار عائداتها الأجنبية.

تُمثل هذه العقوبات فصلا جديدا في الصراع الممتد بين الولايات المتحدة وإيران، حيث تُحاول واشنطن خنق طهران اقتصاديا، بينما تُصر الأخيرة على الصمود. 

مع تصاعد التوترات، يبقى العالم يترقب الخطوة التالية في هذا النزاع المعقد.

كلمات مفتاحية: