- زاد إيران - المحرر
- 426 Views
كتب: ربيع السعدني
في خضم التهديدات العسكرية والحروب الهجينة، بات ضمان إمدادات كهرباء آمنة ومستدامة خطا أحمر لا غنى عنه لحماية حياة المواطنين. إذا كان الهمّ الأكبر في الماضي يتمحور حول نقص الإنتاج، فإن اليوم يواجهنا خطر أشد وطأة: استهداف الشبكات الكهربائية بالتخريب والحروب، مما يهدد الشريان الحيوي لاقتصاد الأمة وأمنها، الحل يكمن في تبني استراتيجيات مبتكرة ومحلية، مرنة ومتعددة الأبعاد، لإدارة الطاقة المستدامة، لتكون الدرع الواقية أمام هذه التحديات.
لم يعد انقطاع الكهرباء مجرد إزعاج مؤقت أو تعطيل للخدمات العامة؛ ففي زمن الحروب المتطورة والهجمات السيبرانية، يُعدّ بمثابة ضربة قاصمة تعطل نبض الحياة العصرية، وتشل سلاسل الإنتاج والتوزيع، بل وتهز أركان الأمن القومي برمته.
في قلب إيران، حيث النفط والغاز هما شريان الحياة الاقتصادية، تلوح أزمة طاقة غير مسبوقة تهدد بإغراق البلاد في ظلام اقتصادي واجتماعي، مع استمرار العقوبات الدولية، وتفاقم نقص الكهرباء والغاز، وارتفاع الطلب بشكل متسارع، تتأرجح إيران بين سيناريوهات قاتمة وأمل ضئيل بالتعافي.
انقطاعات الكهرباء والغاز المتكررة في إيران دليل على سوء الإدارة وعدم كفاءة استغلال الموارد، في بلدٍ غنيٍّ بهذه الموارد، يُعدّ حدوث أزمة طاقة أمرا لا يُغتفر، إن إصلاح الهياكل الإدارية وترشيد الاستهلاك، إضافة إلى تحسين رفاهية الشعب، من شأنهما تعزيز مكانة إيران كلاعبٍ رئيسي في سوق الطاقة العالمي.

السؤال هنا: هل ستتمكن طهران من تجاوز هذا الاختبار القاسي، أم أنها تتجه نحو أيام أكثر قتامة؟
ثلاثة سيناريوهات محتملة تكشف عن مستقبل الطاقة في البلاد، حيث كل خيار يحمل تحدياته ومخاطره.
السيناريو الأول
التآكل البطيء: استمرار الأزمة بلا انفراج
في هذا السيناريو، تظل إيران عالقة في مستنقع أزمة الطاقة، حيث يتفاقم النقص تدريجيا دون صدمات كبرى، مع استمرار العقوبات الدولية، يظل إنتاج الوقود عند مستوياته الحالية، بينما يرتفع الطلب على البنزين بنسبة 5-7% سنويا، ليصل إلى 135-140 مليون لتر يوميا بحلول عام 1405 (2026)، دون زيادة في طاقة المصافي، ستلجأ الحكومة إلى استيراد كميات أكبر من البنزين أو فرض حصص صارمة، مما يعني طوابير أطول واستياء شعبي متزايد.
في قطاع الكهرباء، تبقى الفجوة بين العرض والطلب واسعة، حيث تشير تقديرات وزارة الطاقة إلى نقص يصل إلى 20,000 ميجاوات في عام 1404، وقد يتضاعف إلى 35,000 ميجاوات في صيف ذلك العام بسبب الجفاف وانخفاض إنتاج الطاقة الكهرومائية.
هذا يعني انقطاعات كهربائية يومية تمتد من 4 إلى 6 ساعات في المناطق الحضرية، مع توقف كامل للصناعات الكبرى خلال ساعات الذروة، ولذلك ستلجأ صناعات مثل الصلب والأسمنت إلى العمل في مواسم باردة أو نوبات ليلية، مما يقلل من كفاءتها ويزيد من تكاليف الإنتاج.

الزراعة لن تسلم من الضرر، حيث سيواجه المزارعون تقنينا في استهلاك الكهرباء لتشغيل الآبار، مما قد يؤدي إلى هجر أراضٍ زراعية واسعة.
اقتصاديا، ينذر هذا السيناريو بركود تضخمي: انخفاض الإنتاج، ارتفاع البطالة، وزيادة التضخم بسبب استيراد الوقود وزيادة الاقتراض الحكومي.
جودة الحياة ستتراجع تدريجيا، مع تزايد الاستياء الشعبي، دون أمل واضح بتحسن قريب.
السيناريو الثاني
الانهيار المرعب: صدمات طاقة تهدد استقرار إيران
في هذا السيناريو الكارثي، تخرج أزمة الطاقة عن السيطرة، مدفوعة بعوامل خارجية وداخلية مدمرة، توقف صادرات النفط- سواء بسبب حرب أو إغلاق مضيق هرمز- سيجرد الحكومة من عائداتها الرئيسية، مما يحد من قدرتها على استيراد الوقود أو صيانة البنية التحتية.
هجمات محتملة على منشآت الطاقة، مثل خطوط النقل أو مصافي التكرير، ستفاقم الوضع، مما يؤدي إلى انقطاعات كهربائية طويلة الأمد وتقنين صارم للبنزين والديزل، أزمة الغاز ستصبح أكثر حدة، حيث حذر خبراء من انخفاض الضغط في حقل جنوب بارس، أكبر حقل غاز في إيران. بدون ضواغط معززة، قد ينخفض إنتاج الغاز بنسبة 30-40% خلال خمس سنوات، مما يعني انقطاعات شتوية حادة في إمدادات الغاز.

السيناريو الأسوأ من استئناف حرب لا نهاية لها، وتحويلها إلى حالة استنزاف، مع وجود فاعل لدول أخرى، خاصة الولايات المتحدة وحلفائها في حلف الناتو، في هذا السيناريو، ونظرا لإمكانية استهداف البنية التحتية الاقتصادية الإيرانية، خاصة مرافق الطاقة والاتصالات، بالإضافة إلى القطاعين المدني والخدمي، سيكون الاقتصاد الإيراني بلا شك في أسوأ وضع ممكن، وسيُصاب بالشلل.
في بعض المحافظات، قد يضطر السكان إلى استخدام الوقود التقليدي، مثل الحطب، للتدفئة، بحلول عام 1410 (2031)، قد لا يغطي إنتاج الغاز سوى ثلث الطلب المحلي، مما يجبر إيران على استيراد كميات ضخمة أو إغلاق الصناعات كثيفة الاستهلاك.
اجتماعيا، ستشل هذه الأزمة الحياة اليومية، مع انقطاعات كهربائية تمتد لساعات طويلة ونقص حاد في الوقود. قد تندلع احتجاجات واسعة، وتشهد المدن هجرة جماعية للطبقة المتوسطة بحثا عن ظروف أفضل، الحكومة قد تلجأ إلى إجراءات طوارئ، مثل تخصيص الكهرباء للقطاعات الحيوية فقط، مما يزيد من التوترات السياسية والاجتماعية.
السيناريو الثالث
بصيص أمل: تعافٍ نسبي بقيادة الإصلاحات
في سيناريو متفائل، يمكن لإيران أن تتجنب الانهيار عبر تطورات إيجابية، تخفيف العقوبات أو إحياء الاتفاق النووي قد يفتح الباب أمام استثمارات أجنبية في قطاعي الكهرباء والغاز.
يعتمد هذا السيناريو الجيد أيضا على حل التحديات السياسية بين إيران والولايات المتحدة من خلال مفاوضات جوهرية وجوهرية والتوصل إلى اتفاق سلام دائم، هذا السيناريو، وهو أمر متوقع على المدى المتوسط نظرا للظروف السياسية المحلية والإقليمية والدولية، يمكن أن يضع الاقتصاد الإيراني على مسار الازدهار والاستقرار الاقتصاديين من خلال الرفع الكامل للعقوبات الاقتصادية.
شركات عالمية قد تُبدي اهتماما بتطوير حقول الغاز أو تحديث محطات الطاقة، مما يعزز الكفاءة ويقلل من خسائر الشبكة. استثمارات من شركاء غير غربيين، مثل الصين وروسيا، قد تلعب دورا حاسما، خاصة مع عقود بقيمة 15 مليار دولار لتركيب ضواغط في حقل جنوب بارس.
في قطاع الطاقة المتجددة، تمتلك إيران إمكانات هائلة بفضل 300 يوم مشمس وموارد رياح وفيرة. استثمارات في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح قد تضيف آلاف الميجاوات خلال سنوات، مما يخفف الضغط على الشبكة الكهربائية. إصلاح أسعار الطاقة، رغم حساسيته السياسية، قد يحد من الاستهلاك المفرط ويشجع القطاع الخاص على الاستثمار.
استئناف واردات الغاز من تركمانستان وتوسيع مصفاة “نجمة الخليج الفارسي” قد يعززان إمدادات البنزين والغاز، مما يقلل من حدة الأزمة.

في هذا السيناريو، تنخفض الانقطاعات الكهربائية، وتستقر الصناعات، وتتراجع طوابير الوقود، الاقتصاد يشهد نموا طفيفا، والتضخم يتباطأ، مما يعيد بعض الثقة إلى المجتمع. لكن هذا التعافي يظل هشا، إذ تتطلب التحديات الهيكلية استثمارات ضخمة (40-50 مليار دولار) وإصلاحات جذرية لمنع عودة الأزمة.
الثمن الباهظ
تتجاوز تداعيات أزمات البنية التحتية مجرد توقف عابر لساعات أو أيام، انقطاع الكهرباء يهدد حياة المرضى في المستشفيات، كما شهدت كاراج حيث تسبب في خسائر أرواح، ويفسد الأدوية والمواد الغذائية، ويعرقل عجلة الصناعة، ونقص المياه ينذر بكارثة صحية ويجفف أراضي الزراعة.
كما أن توقف الإنترنت يشل الأعمال الرقمية، ويحرم الطلاب من التعليم عن بُعد، ويقطع خطوط التواصل الحيوية، تلوث الهواء يزيد من أمراض الرئة والقلب، ويُثقل كاهل الإنتاجية.
تقارير صندوق النقد والبنك الدولي تؤكد مرارا تأثير سوء إدارة قطاع الطاقة والدعم غير الفعّال على اقتصاد إيران، بينما توثّق غرفة التجارة الخسائر الناجمة عن هذه الاضطرابات.
هذه الأزمات تُفاقم الفقر وتُعمق هوة التفاوت، إذ يتحمل أصحاب الدخل المنخفض وطأة الصدمات، عاجزين عن تحمل تكاليف الحلول البديلة كالمولدات أو المياه المعبأة وفي زمن الحروب، حين تتعطل خطوط الوقود أو تعاني محطات الطاقة العاملة بالغاز من شح الموارد، يصبح تخزين الوقود البديل – كالديزل وزيت الوقود – ضمن نطاق عمل المحطات ضرورة حيوية.
هذا الأمر يكتسي أهمية قصوى في مواسم البرد القارس، عندما تكون شبكة الغاز عرضة للانهيار، ويؤكد برويز بهمني، الباحث في إدارة أزمة الطاقة، في هذا السياق: “على كل محطة طاقة أن تمتلك خزانات وقود احتياطية تمكنها من مواصلة إنتاج الكهرباء لأيام دون الاعتماد على مصادر خارجية.
يجب أن يُحصر استخدام هذا الوقود في دعم المستشفيات ومصافي النفط والمرافق الأمنية الحيوية فقط”.
اختبار مصيري
تواجه إيران لحظة حاسمة في قطاع الطاقة، بين التدهور التدريجي، والانهيار الكارثي، وفرصة التعافي النسبي، يعتمد المستقبل على قرارات طهران وقدرتها على استغلال الفرص الدولية والمحلية، دون إصلاحات جريئة واستثمارات استراتيجية، قد تجد البلاد نفسها غارقة في ظلام اقتصادي واجتماعي.
لكن مع الإرادة السياسية والتعاون الدولي، قد تتمكن إيران من استعادة توازنها، ولو مؤقتا العالم يراقب، والساعة تدق.

