- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 833 Views
تحقيق: ربيع السعدني
إنفوجراف: عاصم مسعد
في قلب شبكة معقدة تمتد عبر البر والبحر والجو، تواصل إيران نسج خيوط نفوذها العسكري من خلال تهريب الأسلحة إلى حزب الله في لبنان، متحدية العقوبات الدولية والضربات الإسرائيلية.
تحقيق “زاد إيران” يكشف الستار عن أخطر مسارات 2025، حيث السفن المموهة، والأنفاق السرية في جبال القلمون، والطائرات “الدبلوماسية” تتحرك في الظل لتغذية حزب الله بالصواريخ والطائرات المسيرة، إلى السفن التجارية المموهة في البحر المتوسط.
نرصد كيف تُطوّر طهران تكتيكاتها لدعم حليفها الاستراتيجي، مدعوما بخرائط تفاعلية، شهادات صادمة، وأرقام حصرية، رحلة عميقة داخل شبكة التهريب الأكثر تعقيدا في الشرق الأوسط، رغم الضربات الإسرائيلية وحملات المراقبة الدولية، تواصل إيران دعمها لحزب الله منذ تأسيسه في الثمانينات، مقدمة الأسلحة، التمويل، والتدريب لتعزيز قدراته العسكرية ضد إسرائيل وخصوم آخرين.
وتواصل تطوير شبكات تهريب معقدة لإيصال الأسلحة إلى لبنان، خاصة بعد الخسائر التي تكبدها حزب الله في مواجهات 2024-2025.

إيران تستخدم مزيجا من المسارات البرية والبحرية والجوية لنقل الأسلحة، مع تكييفها المستمر لتجنب الرصد، ويواصل مايكل نايتس المحلل البارز في معهد واشنطن، تقريره بالإشارة إلى أربعة احتمالات بارزة بين خيارات إيران المستقبلية للحفاظ على خطوط الاتصال مع حزب الله، ونرصد فيما يلي المسارات الرئيسية:
مسارات التهريب
- الطرق البرية:
• الخريطة التقليدية: تبدأ الشحنات من إيران عبر العراق، ثم سوريا، وتمر بمناطق مثل دير الزور، والبوكمال، وصولا إلى لبنان عبر معابر غير شرعية منتشرة بطول أكثر من 200 كم على الحدود السورية-اللبنانية بجبال القلمون الغربية، وصولا إلى البقاع اللبناني.
• محطات رئيسية: حمص، حماة، اللاذقية، طرطوس، القصير، النبك، ثم يعبر المهربون الحدود باستخدام التضاريس الوعرة والكهوف والأحراج لتفادي الرصد الجوي.
• تطورات جديدة (2025): بعد تشديد الحملات الأمنية السورية، باتت الشبكات الإيرانية تعتمد على سيارات مدنية صغيرة بدلا من الشاحنات، ويجري التهريب على دفعات صغيرة متتالية لتقليل فرص الاكتشاف.
- المسارات البحرية:
• التحوّل الكبير (2024–2025): بسبب كسر سلاسل التهريب البرية، لجأت إيران مؤخرا إلى تهريب الأسلحة عبر السفن التجارية، خاصة تلك التي تسلك طريق سورية (مرفأ اللاذقية)، وتُفرغ الشحنات في الميناء ليتم نقلها برا إلى لبنان.
• خداع عبر وثائق مزوّرة: تقوم السفن بتحويل وجهتها الظاهرة إلى موانئ أوروبية مثل أنتويرب (بلجيكا)، أو فالنسيا (إسبانيا)، أو رافينا (إيطاليا) لكن تتوقف أولا في اللاذقية السورية، ويتم تبديل الوثائق والحاويات في عرض البحر أو بالميناء.
• سفن جديدة مراقبة بالاسم: “دايزي”، “كاشان”، “شِيبا”، “آرزُو”، “أزارغون”، كلها بدأت تكرّر هذا المسار عدة مرات مؤخرا.
• خريطة تفاعلية حديثة: أكد تقرير لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى “واشنطن إنستيتيوت” في تقرير له قبل نهاية 2024 إمكانية تتبع أجزاء من هذه العمليات عبر خريطة تفاعلية تبقى حالات موثقة أولا بأول.
على الرغم من سقوط نظام بشار الأسد، فإن إيران، الداعم التاريخي له، لن تتخلى عن استخدام دمشق كممر لإعادة تسليح حزب الله في لبنان.
- طرق برية بديلة
• تكون عبر العراق والأردن وجنوب سوريا أو عبر العراق وتركيا وشمال سوريا.
تاريخيا، ازدهرت عمليات تهريب الأسلحة الإيرانية في بيئات الدول الضعيفة أو المنهارة، ويمكن أن تستغل إيران الفوضى في سوريا بعد الأسد لتعزيز نفوذها ومع إعادة فتح سوريا.

العراق، الذي تسيطر عليه ميليشيات موالية لإيران، يوفر بيئة مثالية للتهريب، بينما قد تستغل إيران الساحل العلوي في سوريا كممر قصير إلى لبنان.
- المسارات الجوية:
• طرق التمويل: يتم شحن الأموال بشكل نقدي حسبما أعلن الأمين العام لحزب الله اللبناني نعيم قاسم، عن صرف مبالغ مالية للأشخاص الذين تضررت منازلهم أو تشردت جراء الاعتداءات الإسرائيلية، وأوضح أن معظم هذه الأموال جاءت من إيران عبر رحلات جوية ثم تسليمها إلى مسؤولي حزب الله ضمن شبكات مموهة.
وقال: “في شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2024، تم صرف منحة مالية تتراوح قيمتها بين 300 و400 دولار لكل عائلة لبنانية نازحة جراء الاعتداءات الإسرائيلية، وسيستمر الصرف حتى تستلمه جميع العائلات النازحة”.
فعالية المسارات
• الحدود الشرقية للبنان (من الهرمل إلى عرسال) تبقى الأكثر نشاطا.
• النقاط الساخنة: نقاط قرب القصير وجنتا، معسكرات قوسايا، والطرق الزراعية الوعرة قرب الهرمل.
تحديات الإرهاب
في ظل انهيار جيش بشار الأسد في سوريا تتزايد مخاطر استيلاء تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على مخزونات الأسلحة، كما أن جماعات مثل هيئة تحرير الشام، التي تضم عناصر إرهابية، قد تسهم في تهريب الأسلحة لصالح حزب الله أو داعش، إيران، التي أظهرت مرونة في التعاون مع جماعات جهادية سنية مثل القاعدة، قد تستغل هذه الفوضى لتعزيز شبكاتها.
الأسلحة والإمدادات المهربة من إيران إلى حزب الله

1. صواريخ باليستية وأسلحة دقيقة: شحنات صواريخ “كورنِيت“، طائرات مسيرة متطورة (غالبا أجزاء مفككة ويُعاد تجميعها في لبنان).
2. معدات قتال حضري: قاذفات RPG، بنادق قنص حراري/ليلي متقدمة، ذخائر.
3. تقنيات إلكترونية وتجسسية: أجهزة رؤية ليلية، ومعدات تشويش واتصالات.
4. عدد الطرق النشطة: أُغلق جزء كبير من نقاط التهريب البرية، لكن ما زال هناك نحو 17 معبرا نشطا بين سوريا ولبنان، تحت رقابة وحدات “فرقة 4400” التابعة لحزب الله.
5. الهجمات والاعتراضات: تم تدمير 37 مخزنا رئيسيا للسلاح من قبل الجيش السوري أو خلال ضربات إسرائيلية العام الجاري في محافظات حمص، حماة، طرطوس، واللاذقية.
6. الإنتاج المحلي: باتت 55–65% من الطائرات المسيّرة التي يستخدمها الحزب تُصنّع محليا في لبنان لتقليل الاعتماد على الوارد الإيراني.
خريطة مسارات التهريب

1. الطرق البحرية الجديدة حسب تتبعات IranWire و”معهد واشنطن”، ومعهد دراسات الحرب”، اتفقت إيران وأربع دول أخرى على مسودة وثيقة لتطوير ممر الملاحة “شمال-جنوب”، وتم تقليص المسافة إلى أكثر من النصف، بدلا من ممر الملاحة في قناة السويس، مما سيقلل تكاليف النقل، وبحسب وكالة أنباء الطلبة الإيرانية “إيسنا”، فإن الممر الشمالي الجنوبي، الذي يعتبر ممرا استراتيجيا ومهما للدول الواقعة على طول الممر، وهي روسيا وإيران وأذربيجان والهند وتُحدّث العمليات الجوية ومسارات ضربات الاستهداف على معابر ومخازن الأسلحة في سورية ولبنان بشكل يومي تقريبا.
ويعتبر هذا الممر طريقا بديلا لطريق الملاحة البحرية الذي يربط أوروبا ودول الخليج والمحيط الهندي عبر قناة السويس، ويشمل ثلاثة طرق عبور دولية من الشمال إلى الجنوب عبر بحر قزوين باستخدام السكك الحديدية والموانئ، وطريقين بريين غربي وشرقي.
2. محاور المخازن الحدودية موزعة بين بلدات عرسال، القصير، الهرمل، والهرمل–القصر شمالي البقاع.
إيران اليوم انتقلت من نموذج “خط أنابيب واحد” إلى استراتيجية “الشبكة المرنة” التي تجمع بين البر والبحر والجو وتقنيات التمويه الرقمي واللوجستي.
اليوم، بات حزب الله يعتمد بشكل متزايد على الإنتاج المحلي للطائرات المسيّرة وبعض الذخائر، لتقليل آثار الانكشاف والضربات الجوية الإسرائيلية ويبقى البحر المتوسط الممر الأخطر والأكثر تطورا في الوقت الحالي، مع التصاعد في استخدامه بداية 2025 وأسماء سفن محددة ونقاط تفتيش-تزوير جديدة لم تعرف من قبل.
بالرغم من كل جهود الاعتراض، ما زالت كميات كبيرة من الأسلحة تصل إلى مخازن حزب الله، ويتم توزيعها في مخابئ وصالات سرية داخل لبنان عبر شبكة نقاط آمنة متغيرة باستمرار.
توضح التقارير أن إيران تدير شبكات عابرة لـ4 قارات، حيث تهريبها للأسلحة يمتد إلى مناطق في إفريقيا، الشرق الأوسط، وجنوب آسيا، مع أساليب متطورة للتمويه الرقمي واللوجستي لضمان إيصال السلاح إلى وجهته.
الشبكات الدولية لتهريب الأسلحة لإيران تعمل عبر عدة قارات ومسارات بحرية وبرية وجوية معقدة، وتخضع لإشراف الحرس الثوري الإيراني.
شبكات تهريب أخرى

• بحر العرب وخليج عدن والبحر الأحمر: تستخدم إيران مراكب شراعية تقليدية تنطلق من موانئ إيرانية مثل جاسك وبندر عباس لنقل صواريخ باليستية وصواريخ كروز ومعدات عسكرية أخرى إلى اليمن، حيث تصل إلى الحوثيين عبر شبكة من الدول والموانئ مثل الصومال وإريتريا وجيبوتي والسودان قبل الدخول إلى اليمن عبر ميناء الحديدة.
• الموانئ والتعاون الإقليمي: شبكة التهريب تشمل تحالفات مع قوى محلية في مناطق شرق أفريقيا مثل بونتلاند والصومال وجيبوتي، حيث تعمل هذه الدول أو فصائل داخلها كقنوات لتهريب الأسلحة، أحيانا بالتواطؤ مع جهات محلية مرتبطة بإيران.
جيبوتي مثلا أصبحت مركزا إقليميا جديدا بعد تراجع دور إريتريا في التهريب.
• طرق التهريب البرية والبحرية والجوية: تشمل استخدام القوارب الصغيرة ذات الحركة الخفية في عرض البحر، النقل عبر طرق برية معقدة، واستغلال موانئ أوروبية لتبديل الحاويات وتزوير الوثائق بهدف إخفاء وجهة الشحنات الحقيقية.
• الهدف الاستراتيجي: تمكين جماعات بالوكالة الإيرانية في اليمن (الحوثيين) وفلسطين (حماس)، وكذلك دعم الحلفاء في مناطق الصراع مثل سوريا ولبنان (حزب الله) من التسليح المتطور والمتواصل بالرغم من العقوبات الدولية والضغوط الأمنية.
التحليل الجغرافي لطرق التهريب
تكشف التطورات الأخيرة حتى منتصف 2025 عن تغيّرات جوهرية في جغرافيا مسارات التهريب التي تعتمد عليها إيران لإيصال الأسلحة والإمدادات إلى حزب الله، وذلك بسبب الضغوط العسكرية والتغيرات السياسية في سوريا ولبنان.
البر:

الطرق البرية تمرّ بمناطق ذات تضاريس معقدة، ونقاط عبور تكتيكية مخفية في الحدود السورية–اللبنانية (جرود القلمون، البقاع)، مع تعزيز البنية التحتية مثل الأنفاق المؤمنة والمخازن الجبلية.
البحر:
ازدادت أهمية خطوط البحر المتوسط، خاصة بعد خنق البر والنقل الجوي، حيث تعتمد ايران على سفن بتكتيك التمويه وتغيير المسارات، وتبديل الحاويات أو الشحنات في عرض البحر أو موانئ وسيطة.
تكيّف مستمر:
شهدت الطرق تبدلات بزمن الرحلات، وطول المسارات، وحجم الشحنات، مع ظهور أنفاق جديدة ومرافئ محميّة وخطط تغطية جغرافية لخفض معدل الاكتشاف والتتبع الدولي والأمني، ولذلك يمكن القول إن جغرافيا التهريب الإيراني باتت شبكة ديناميكية تعتمد على التغيير المستمر للممرات والاعتماد على الطبيعة الجغرافية المعقّدة في البر، والتنويع في مسارات البحر بأعلى خطوط التمويه.
تأثير العقوبات على التهريب
تؤثر العقوبات الدولية بشكل كبير على أنشطة التهريب، لكنها لا تقضي عليها بالكامل، بل تدفع السلطات والمهربين إلى تبني أساليب أكثر تعقيدا وتطورا للتهرب من الرقابة.

• تعقيد العمليات ورفع التكلفة: مع تشديد العقوبات، تزيد صعوبة نقل الأسلحة أو البضائع المهربة، ما يؤدي إلى تحول المهربين لاستخدام شبكات متعددة الطرق (برية، بحرية، جوية) مع اعتماد تكتيكات إخفاء متطورة مثل استخدام وثائق مزورة، تغيير وجهات الشحن، والشحن على دفعات صغيرة لتقليل فرص الكشف.
• تشفير ومعقدة سلاسل التهريب: العقوبات دفعت الشبكات إلى تطوير “شبكات مرنة” تعتمد على التنويع بين البر والبحر والجو مع استخدام تقنيات تمويه رقمي ولوجستي.
• العقوبات الاقتصادية تقود إلى ازدياد العقوبات القانونية والقضائية: بعض الدول تطبق عقوبات سجن وغرامات مالية عالية على عمليات التهريب، بما يشمل مصادرة المضبوطات ووسائل النقل ومضاعفة العقوبات في حالات العود، ما يشكل رادعا قانونيا لكنها لا تمنع تماما.
• تأثير محدود أحيانا: رغم العقوبات الصارمة، تستمر بعض الشبكات في النشاط بنجاح نسبي عبر استغلال ثغرات قانونية وتعقيدات جغرافية واجتماعية، كما أظهرت عقوبات مثل تلك التي فرضتها الولايات المتحدة على الحوثيين، التي رغم شدتها لم توقف بشكل كامل عمليات التهريب وغسل الأموال المرتبطة.
• تأثير على الاستجابة الإنسانية: بعض العقوبات تؤثر أحيانا سلبا على عمليات الدعم الإنساني في المناطق المتأثرة مثل سوريا، مما يزيد تعقيد المشهد الأمني والاقتصادي ويساهم في استمرار أدوار التهريب كحل بديل للوضع القائم.
باختصار، تؤدي العقوبات إلى تشديد الرقابة وتطوير الإجراءات القانونية والمالية لردع التهريب، لكنها تجعل عمليات التهريب أكثر تعقيدا وتستدعي قادة هذه الشبكات إلى الابتكار في طرق وأساليب أخرى بديلة للتمويه وتفادي العقوبات والرصد.
طرق المواجهة
يتطلب مواجهة تهريب الأسلحة الإيرانية إطارا قانونيا قويا، قرار مجلس الأمن 2249 لعام (2015) يدعم مكافحة داعش.
لكن تفويض استخدام القوة الأمريكي لعام 2001 ضيق ويحتاج إلى تحديث، ينبغي للكونجرس دراسة توسيع التفويض أو إصدار تفويض جديد في 2025 لاستهداف الجماعات الإرهابية المصنفة أمريكيا.
وضمن ذلك تلك التي تدعم إيران في إعادة تسليح حزب الله.

