من مهسا إلى اليوم.. أي قراءة تمثّل الشعب الإيراني بحق؟

كتب: مهدي سجادي

المشهد الأول: حركة مهسا أميني تغيّر وجه إيران

كان ذلك في أواخر صيف عام 2022، حين سافر كثير من الإيرانيين، خصوصا من الفئات المتدينة، إلى العراق لأداء زيارة أربعين الإمام الحسين. فجأة، انتشر خبر صادم سرعان ما عمّ أرجاء البلاد: فتاة شابة تُدعى مهسا أميني، كانت قد اعتُقلت بسبب “عدم الالتزام بالحجاب”، تُوفيت أثناء احتجازها لدى الشرطة.

وسرعان ما أُعلن أن سبب الوفاة هو تعرضها للضرب في مركز الاحتجاز، وهو ما نفته الشرطة رسميا، لكن القضية لم تكن في “التأكد من صحة الخبر”، بل فيما أعقبه من تداعيات ضخمة.

فقد اندلع فورا تيار إعلامي واسع يدين الشرطة، و”دوريات الإرشاد”، و”الحجاب الإجباري”، بل وامتد إلى انتقاد القيادة، وولاية الفقيه، وأصل النظام الإيراني نفسه. وسرعان ما انتشرت الاحتجاجات في مختلف المحافظات، وغطّتها وسائل الإعلام العالمية، بينما أبدت شخصيات دولية تضامنها مع شعار “المرأة، الحياة، الحرية، حتى إن هذا الشعار كُتب على جدران حي مسيحي وسط بيروت.

في الداخل، اجتاحت موجة من التحركات الجريئة والرافضة للثوابت المشهد العام، نُشرت رموز مسيئة لرموز النظام من قبل الشباب والمراهقين، وتعرض عناصر من الحرس الثوري والباسيج للاعتداء، كما سُحبت عمائم رجال الدين في الشوارع، وتعرّضت النساء المحجبات لمضايقات، وامتلأت الأماكن العامة بنساء بلا حجاب.

ووقعت حوادث صادمة مثل مقتل طالب ديني يُدعى آرمان علي وردي، ودهس عناصر من الشرطة بالسيارات، وغيرها من الحالات التي ركّز عليها الطرف المعارض للحركة باعتبارها مظاهر عنف.

ورغم أن بعض المراقبين رأوا أن حجم المشاركة الميدانية لم يكن أكبر من احتجاجات سابقة، فإن الزخم الإعلامي والمعنوي لهذه الحركة كان أوسع بكثير، وخلق حالة من الخوف والاضطراب العام استمرّت لفترة طويلة.

هذه الأحداث دفعت كثيرا من المحللين إلى محاولة فهم ما الذي تغيّر في الشعب الإيراني؟ إذ بدت فجوة واسعة تتعمّق بين الأجيال. جيل “زد” (Z) لم يعد يقبل كثيرا من الثوابت، فهناك شعب يرفض الحجاب القسري، ويطالب بالحرية، ويبتعد عن الدين، ويعارض النظام الإسلامي بشكل جذري، بل يرفض تماما حكم رجال الدين.

‫زن، زندگی، آزادی - برای ایران‬‎
زن زندگی آزادی

المشهد الثاني: الحرب مع إسرائيل والولايات توحّد الإيرانيين

في أواخر ربيع عام 2025، استيقظ الإيرانيون صباح يوم الجمعة الذي يسبق عيد الغدير على خبر صادم: ” الاحتلال الإسرائيلي شنّ هجوما على إيران”.

لم تقتصر الضربة على قصف قواعد صاروخية، وجوية، ونووية فحسب، بل شوهدت طائرات مسيّرة تحلّق فوق عدد من المدن، فيما تعرّضت أنظمة الدفاع الجوي للاختراق الإلكتروني، ووقعت اغتيالات متزامنة لعدد من الشخصيات النووية والعسكرية البارزة.

من بين المستهدفين: رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، وقائد مقرّ “خاتم الأنبياء” المركزي (المعني بإدارة الحرب)، والقائد العام للحرس الثوري، وقائد القوات الجوفضائية في الحرس، وعدد من العلماء النوويين.

وفي استجابة سريعة، أصدر المرشد الإيراني علي خامنئي أوامر بتعيين قادة جدد، واستُعيدت السيطرة على منظومات الدفاع الجوي، وقبل أن يحلّ المساء، وقبل أن يخلد المواطنون إلى النوم، كانت الصواريخ الإيرانية قد انطلقت نحو الأراضي الفلسطينية المحتلة.

بالتزامن مع الضربات الصاروخية، بُثّت رسالة مرئية للقائد الأعلى عبر شاشة التلفزيون الإيراني، حاملة رسائل تعبئة وتحد.

‫عملیات فریب ایران علیه اسرائیل در جنگ ۱۲ روزه | بسیاری از اهدافی که اسرائیل  زد اهداف دروغین و ماکت بودند - همشهری آنلاین‬‎

ورغم دخول البلاد في أجواء حرب، فإن احتفالات عيد الغدير، التي باتت تُنظَّم منذ سنوات على شكل مسيرات مشي جماهيرية، لم تُلغَ. فقد كان من المقرر تنظيم “المسيرة الكبرى” يوم السبت في يوم العيد، وهي الفعالية التي انطلقت فكرتها من طهران تحت اسم “حفلة العشرة كيلومترات”.
ورغم الظروف الأمنية، أُقيمت الفعالية في عدد من المحافظات، ولكن بعد تعديل طابعها لتأخذ منحى معاديا للصهيونية. وانتشر في أوساط المشاركين شعار:

أكثر غدير معاد للصهيونية في التاريخ

ردّ غير متوقَّع من الشارع الإيراني

كان المخطط من وراء هذا الهجوم، بعد اغتيال كبار القادة واستهداف البنية التحتية العسكرية والنووية، هو إشعال انتفاضة شعبية تؤدي إلى انهيار النظام من الداخل.
لكنّ ما حدث كان عكس ذلك تماما.

خلال الاثني عشر يوما من الحرب، أظهر الإيرانيون مستوى غير مسبوق من التكاتف الوطني، فاجأ المراقبين – بل وحتى الإيرانيين أنفسهم.

ففي حين تشكّلت طوابير طويلة في محطات الوقود بسبب تخفيض سقف التعبئة على بطاقات البنزين، تحوّلت تلك المحطات، في ذروة حرّ الصيف، إلى مراكز تضامن شعبي:
وزّع المواطنون الماء البارد، والعصائر، وشرائح البطيخ على المنتظرين، في مشاهد تعاونية أقرب إلى المواكب الدينية والنذور منها إلى حالة طوارئ.

‌شربت رایگان در صف پمپ بنزین - YouTube

تجلّيات وحدة الداخل في زمن القصف

في ذروة تحليق الطائرات الحربية والطائرات المسيّرة المعادية في أجواء البلاد، أُقيمت صلاة جمعة مهيبة في مدن مختلفة، رغم التهديدات الأمنية التي كانت هذه المرة واقعية للغاية.
إنني نفسي لم أتمكن من الوصول إلى موقع الصلاة بسبب الزحام المروري الشديد.

وبين الناس، تغيّر المشهد. أصبح الحرس الثوري ورجال الدين نقطة أمل وثقة بعد أن كانوا في مرمى الانتقادات. يروي بعض أصدقائي من رجال الدين أنهم لمسوا تحوّلاً واضحًا في نظرة الناس إليهم في الشوارع والأحياء، تغيّر في التعامل لم يسبق لهم ملاحظته.

وانتشرت مقاطع فيديو توثق مشاهد مساعدة متبادلة بين المواطنين خلال الحرب.
بدأت موجة من النشاطات التطوعية لخدمة العائلات المتضررة ورفع الأنقاض، خاصة في العاصمة طهران.
في إحدى هذه القصص، تقول امرأة لم تكن ترتدي الحجاب الكامل:

هؤلاء الشباب يتصرفون كأنهم داخل غرفة أختهم… ينقلون الأغراض بعناية وينظّفون المكان بكل احترام.

الهوية المزدوجة تتحد: الإسلام وإيران

وفي الأيام التي تلت الحرب، سعى البعض لإثارة ثنائية متضادة بين الإسلام والهوية الإيرانية، لكن ما حدث كان العكس. انتشرت أناشيد ومقاطع دينية تعبّر عن تلاقي الإسلام مع القومية الإيرانية كركيزتين لهوية واحدة.
بلغت هذه الحالة ذروتها خلال ليلة عاشوراء في حسينية الإمام الخميني، حيث أُدّيت أنشودة “يا  إيران”، بحضور المرشد الأعلى علي خامنئي، كرمز لوحدة الانتماءين.

حتى بعض وجوه المعارضة التقليدية للنظام الإسلامي أصدرت بيانات دعم للقوات المسلحة الإيرانية، في موقف غير مسبوق.
شخصيات كانت تُصنّف حتى وقت قريب ضمن معسكر الخصوم، أظهرت دعمها الصريح لإيران في مواجهة إسرائيل.

في أحد المقاطع المتداولة، ظهرت امرأة بلا حجاب ومن الداعمات لحركة “المرأة، الحياة، الحرية”، تعلن تأييدها للهجمات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل، وتنتقد بشدّة بعض المعارضين المنفيين الذين اصطفّوا إلى جانب الاحتلال الإسرائيلي.

هذا أم ذاك؟ أي تحليل عن الشعب الإيراني هو الصحيح؟
مع ظهور هذين المظهرين المختلفين من الشعب الإيراني خلال فترة لا تتجاوز ثلاث سنوات، يبرز هذا السؤال: ما هو التحليل والتقدير الصحيح بشأن الشعب الإيراني وعلاقته بالنظام والثورة الإسلامية؟ على أي من المظهرين يجب أن يُبنى التحليل؟ يمكن تصور تكهنات مختلفة في هذا المجال.

أولا:
يَرى أصحاب هذا الرأي أن الواقع الحقيقي للمجتمع الإيراني هو ما تجلّى في حركة “المرأة، الحياة، الحرية”. فقد كانت ممارسات القمع في الجمهورية الإسلامية تمنع بروز هذه الحقيقة، إلى أن جاءت وفاة مهسا أميني لتمنح الفرصة لظهورها. أما الفروقات بين تلك المشاهد وما يُرى اليوم، فهي انعكاسات طبيعية لحالة الحرب وظروفها الاستثنائية، لا تمثل تحوّلا دائما في المزاج الشعبي. وإذا ما زالت هذه العوامل المؤقتة، فإن ذلك الوجه الحقيقي سيعود للظهور مجددًا.

ثانيا:
في المقابل، يعتقد فريق آخر أن ما ظهر خلال احتجاجات مهسا أميني لم يكن سوى صورة إعلامية مُضخّمة، لا تعبّر بدقة عن واقع المجتمع الإيراني. فبحسب رأيهم، فإن الأغلبية الساحقة من الإيرانيين يحملون خصائص اجتماعية وثقافية تختلف عمّا ظهر في الإعلام المحلي والدولي. ويستند هؤلاء في تحليلهم إلى مقارنة بين التركيبة السكانية والاجتماعية للمتظاهرين – من حيث السن، والثقافة، ومكان التجمّع – وبين عموم السكان في المدن والقرى. كما يستشهدون بالإحصاءات الرسمية حول أعداد المعتقلين والمشاركين ميدانيا، التي جاءت منخفضة نسبيا مقارنة بحركات احتجاجية سابقة في إيران، في حين قدّمت شبكات التواصل الاجتماعي – من خلال الترندات والمشاهدات والإعجابات – صورة مغايرة وأكثر تضخيما للواقع.

ثالثا:
تحليل آخر يقدّم تفسيرا جامعا لهذين المظهرين المختلفين، ويرى أن المجتمع الإيراني في السنوات الأخيرة يسير نحو حالة من الاستقطاب المتزايد. فالاتجاه الديني الموالي للنظام يشهد حالة من التعزيز الداخلي والتماسك، وفي المقابل، الاتجاه غير الديني والمعارض للنظام يعمّق من روابطه ويزيد من ترابطه. لكنّ الهوّة بين الطرفين تتّسع يومًا بعد يوم. وبالاستناد إلى هذا التحليل، يمكن القول إن أحداث عام 2022 كانت تجلّيا لصعود أحد التيارين، في حين أن مشاهد التلاحم في الحرب الأخيرة تعبّر عن بروز التيار المقابل.
في هذا السياق، يشترك كلا المظهرين في تمثيل جزئي فقط للمجتمع الإيراني، ما يفرض ضرورة تقييم وزن كل طرف للوصول إلى حكم منصف حول اتجاه الأغلبية. غير أن هذا التحليل يواجه نقطة ضعف مهمّة، وهي ظهور دعم ملحوظ من بعض الفئات التي تُعدّ غير متديّنة – ظاهريا – لصالح النظام والثورة الإسلامية خلال الحرب الأخيرة، وهو ما قد يُفسَّر بوصفه علامة على وجود وفاق اجتماعي ونفي لحالة الاستقطاب الحاد.

رابعا:
إلى جانب التحليلات الثلاثة السابقة، هناك من يرى أن معظم المقاربات المتعلقة بتحليل المجتمع الإيراني تُغفل عناصر أساسية، لا سيما تلك التي تتجلّى بوضوح في لحظات فاصلة مثل الحرب. هؤلاء يركّزون على عنصري الإيمان والإسلام لدى عامة الإيرانيين، ويعتمدون عليهما كأساس في تحليل سلوك الناس، سواء في الحرب أو في مختلف المحطات المفصلية.
وفقا لهذا التيار، فإن الشعب الإيراني شعب مؤمن، وسلوكه في مواجهة ما يراه صراعا بين جبهة الإيمان وجبهة الكفر تحكمه قواعد إلهية وقرآنية، ويرون أن هذه القواعد تُفضي إلى نيل النصرة والمدد الإلهي، وهو ما يفسّر صمود الشعب وتضحياته، ويستشهد هؤلاء بكثير من الأمثلة التاريخية منذ انتصار الثورة عام 1979، ويضعونها ضمن هذا الإطار التفسيري اللاهوتي.

خاتمة وبداية
في جوهرها، تقوم الصراعات والنزاعات والحروب على محاولة تغيير الإرادات وتحقيق إرادة معينة يُراد فرضها، فأي تحوّل في إيران، سواء أتى من الداخل – عبر السعي إلى التقدم ضمن إطار الجمهورية الإسلامية، أو عبر المعارضة والسعي إلى إسقاط النظام – أو من الخارج، من خلال محاولات الإضعاف والتغيير والانقلاب أو حتى الحرب، إنما يهدف في النهاية إلى التأثير على إرادة الشعب الإيراني.
وهذا التأثير لا يمكن أن يتحقق من دون معرفة دقيقة بهذا الشعب، فجميع القرارات تُتّخذ بناء على حسابات، وهذه الحسابات تقوم بدورها على معرفة مسبقة.
لكنّ فهم الصورة الحقيقية للمجتمع الإيراني ليس أمرا يسيرا، ولعلّ إصرار بعض المراقبين على أن أعداء إيران لا يفهمون الإيرانيين كما ينبغي، ينبع من هذا التعقيد بالذات.
في هذه المقالة، تمّت الإشارة باقتضاب إلى بعض أوجه هذا التعقيد، لكنّ السؤال الجوهري لا يزال مطروحا بإلحاح على الطاولة: أيّ تحليل عن الشعب الإيراني هو الأقرب إلى الحقيقة؟