مواجهة الحصار وكسر العزلة الدولية.. دور مجموعة العمل المالي في تعزيز نفوذ إيران الاقتصادي

كتب: ربيع السعدني 

في عالم يتشابك فيه الاقتصاد مع السياسة، تبرز مجموعة العمل المالي (FATF) كمؤسسة دولية تُعنى بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، لكنها أيضا ساحة للصراعات الجيوسياسية، تواجه إيران، التي تُعاني منذ عقود من العقوبات الغربية والعداء الأمريكي-الإسرائيلي، تحديا معقدا: هل يمكن أن تكون العضوية الفعالة في هذه المؤسسة أداة لتعزيز المصالح الوطنية وكسر الحصار الاقتصادي؟ أم أنها مجرد محاولة لإرضاء أعداء لا يريدون سوى استمرار عزلتها؟ 

إيران والقائمة السوداء

لعقود طويلة، ظلت إيران في مرمى العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة وحلفاؤها، والتي هدفت إلى تقييد قدراتها المالية والتجارية ومع وجود إيران على القائمة السوداء لمجموعة العمل المالي (FATF)، واجهت البلاد تحديات جمة في تسهيل التعاملات المالية الدولية، جذب الاستثمارات الأجنبية، وحتى تعزيز العلاقات مع الدول الحليفة، هذه القائمة، التي تُصنف الدول كـ”عالية المخاطر”، ليست مجرد وسم اقتصادي، بل أداة سياسية تُستخدم لعزل الدول وتقويض مصداقيتها في النظام المالي العالمي.

في هذا السياق، يبرز السؤال: هل سعي إيران للخروج من القائمة السوداء محاولة لتحقيق المصالح الوطنية، أم استجابة لضغوط خارجية؟ يرى هادي خاني، رئيس مركز الاستخبارات المالية ومكافحة غسل الأموال، أن الجهود الإيرانية لا تستهدف إرضاء الولايات المتحدة أو إسرائيل، بل تعزيز التواصل الدولي وتأمين المصالح الاقتصادية للبلاد. 

في تصريحاته، أكد خاني أن هذه الجهود تُركز على إزالة العقبات أمام التعاملات المالية، تسهيل التجارة مع الدول الصديقة، والأهم من ذلك، منع الأعداء من بناء إجماع دولي ضد إيران من خلال استغلال غيابها عن المنصات الدولية.

إيران تواجه الحصار الدولي

وقال أمين المجلس الأعلى لمنع ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب: “إننا في صراع مستمر مع أمريكا وإسرائيل منذ أكثر من 45 عاما، ومع مناقشة مجلس الحكماء لاتفاقيتي باليرمو ومكافحة تمويل الإرهاب، كانت تهديدات الهجوم العسكري على بلادنا تُطرح يوميا، كما إن أعداءنا يسعون لعزل صوت إيران عن المنصات العالمية”.

اتفاقية باليرمو، أو “اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الحدود”، وُلدت في إيطاليا عام 2000، وأصبحت سارية بحلول 2003. تُشكل هذه الوثيقة درعا عالميا ضد الجرائم المنظمة، من الاتجار بالبشر والهجرة غير الشرعية إلى غسل الأموال والفساد وتجارة المخدرات، تدفع الدول الأعضاء نحو تعزيز الشفافية المالية، وتشديد الخناق على الجرائم عبر التعاون القضائي الدولي، وملاحقة المجرمين بلا هوادة. لإيران، قد تفتح الانضمام لهذه الاتفاقية أبواب التعاون الاقتصادي والمصرفي العالمي.

وأكد خاني أن طهران سعت لتطبيع ملفنا في مجموعة العمل المالي من أجل لتعزيز مصالحنا الوطنية والاقتصادية، وتسهيل التعاملات المالية، وجذب الاستثمار الأجنبي، وطمأنة حلفائنا، وليس لاسترضاء أمريكا أو إسرائيل، فالعدو يبقى عدوا، وأصدقاؤنا هم من يخشون بقاءنا على القائمة السوداء، للاستفادة من إمكانات مثل بريكس وشنغهاي، بغض النظر عن العقوبات الأمريكية”.

وأضاف: “في نقاشات المجلس التشخيصي، تزامنت مناقشة الاتفاقيتين مع تهديدات عسكرية، لكن هدفنا لم يكن منع عداء أمريكا أو إسرائيل، بل حماية مصالحنا ودحض التهم الباطلة بغسل الأموال وتمويل الإرهاب، أمتنا ضحية الإرهاب، ولديها نظام متطور لمكافحته، ولا تستحق وصمة الدول عالية المخاطر”، مشيرا إلى أن المناقشات أكدت عدم وجود ربط بين الخروج من القائمة السوداء والأعمال العدائية أو المفاوضات الأمريكية، وأضاف: “أمر ترامب لوزارة الخزانة يستهدف إبقاء إيران مدرجة على القائمة السوداء، لكننا نسعى لكسر هذا الحصار بتعزيز تواجدنا الدولي.

قوانين ومفاوضات في مواجهة العزلة

على مدى السنوات الأخيرة، بذلت إيران جهودا مكثفة لتطبيع وضعها في مجموعة العمل المالي، هذه الجهود شملت إقرار قوانين ولوائح جديدة، قرارات من المجلس الأعلى للأمن القومي، ومفاوضات مكثفة في المنتديات الإقليمية والدولية، على سبيل المثال، شهدت حكومة مسعود بزشكيان تقدما ملحوظا في هذا المجال، حيث أُقرت قوانين تهدف إلى تعزيز الشفافية المالية ومكافحة غسل الأموال، وهي خطوات تتماشى مع معايير مجموعة العمل المالي.

كما أُجريت مناقشات مكثفة في مجمع تشخيص مصلحة النظام حول اتفاقيتي باليرمو ومكافحة تمويل الإرهاب، هذه المناقشات لم تكن مجرد نقاشات تقنية، بل كانت محاولة لتحقيق توازن بين الالتزامات الدولية والحفاظ على السيادة الوطنية.

وفي هذا السياق، يبرز دور المجلس الأوراسي لمكافحة غسل الأموال، إحدى المجموعات الإقليمية التابعة لمجموعة العمل المالي، والذي أبدى دعمه لجهود إيران، مؤكدا أن الموافقة على مشروع قانون باليرمو هي خطوة حاسمة، وأن الخطوة التالية تتمثل في إقرار قانون مكافحة تمويل الإرهاب.

لماذا تسعى إيران إلى التطبيع؟

تسعى إيران من خلال جهودها في مجموعة العمل المالي إلى تحقيق أهداف استراتيجية متعددة:

  • تعزيز العلاقات مع الحلفاء: وجود إيران على القائمة السوداء يُثير قلق الدول الصديقة، مثل أعضاء منظمة شنغهاي أو مجموعة بريكس، التي ترى أن التعامل مع دولة مصنفة “عالية المخاطر” قد يعرضها لمخاطر اقتصادية أو سياسية. تطبيع الوضع في مجموعة العمل المالي يُسهل التعاون مع هذه الدول ويُعزز الشراكات الاقتصادية.
  • تسهيل التعاملات المالية: العقوبات الغربية جعلت التعاملات المالية الدولية مع إيران شبه مستحيلة، الخروج من القائمة السوداء سيُمكن البنوك والمؤسسات المالية الإيرانية من استعادة الثقة في النظام المالي العالمي، مما يُسهل التجارة والاستثمار.
  • مواجهة الإجماع الدولي: يرى خاني أن غياب إيران عن المنصات الدولية يُتيح لأعدائها، خاصة الولايات المتحدة وإسرائيل، فرصة بناء إجماع دولي ضدها، العضوية الفعالة في مجموعة العمل المالي تمنح إيران منصة للدفاع عن حقوقها ومواجهة الاتهامات الظالمة بتمويل الإرهاب أو غسل الأموال.
  • إزالة الوصمة: إيران، التي تُعتبر نفسها ضحية للإرهاب، تسعى لإزالة وصمة تصنيفها كدولة داعمة للإرهاب أو عالية المخاطر، وهو ما يُعزز صورتها الدولية ويُدعم دبلوماسيتها.

العداء الأمريكي-الإسرائيلي والمعايير المزدوجة

على الرغم من هذه الجهود، تواجه إيران عقبات كبيرة، أبرزها العداء المستمر من الولايات المتحدة وإسرائيل. 

يُشير خاني إلى أن الولايات المتحدة، خاصة في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، عملت بنشاط لإبقاء إيران على القائمة السوداء، وذلك من خلال تعليمات مباشرة لوزارة الخزانة الأمريكية، هذا العداء ليس جديدا، فإيران تخوض صراعا مستمرا مع الولايات المتحدة وإسرائيل منذ أكثر من 45 عاما، وهو صراع يتجاوز إطار المؤسسات المالية إلى الحروب الاقتصادية والعسكرية.

كما أن المعايير المزدوجة التي تُطبقها الدول الغربية في التعامل مع إيران تُشكل تحديا إضافيا، بينما تُطالب إيران بالامتثال لمعايير مجموعة العمل المالي، تتجاهل الولايات المتحدة وإسرائيل التزاماتهما الدولية، بما في ذلك المعاهدات التي تُدين العدوان العسكري أو العقوبات الاقتصادية غير المشروعة. 

هذا التناقض يُثير تساؤلات حول جدوى التعامل مع مؤسسات دولية تُهيمن عليها قوى معادية.

قوة المنصات الإقليمية والدولية

رغم هذه التحديات، تُراهن إيران على المنصات الإقليمية، مثل منظمة شنغهاي ومجموعة بريكس، لتعزيز نفوذها الدولي. 

هذه المنظمات تُوفر لإيران منصة للتعبير عن مظالمها والدفاع عن مصالحها، بعيدا عن الهيمنة الغربية. على سبيل المثال، دعم المجلس الأوراسي لمكافحة غسل الأموال لجهود إيران يُظهر أن هناك حلفاء إقليميين يدعمون تطبيع وضعها في مجموعة العمل المالي.

علاوة على ذلك، فإن العضوية النشطة في مجموعة العمل المالي تُتيح لإيران فرصة لتوثيق الانتهاكات المرتكبة ضدها، سواء كانت عقوبات اقتصادية أو هجمات عسكرية. كما أنها تُعزز من قدرتها على محاسبة الدول الأعضاء الأخرى، خاصة تلك التي تتجاهل التزاماتها الدولية.

جدل بين الالتزام والمقاطعة

يُثير السعي لتطبيع الوضع في مجموعة العمل المالي جدلا داخليا في إيران، هناك من يرى أن الامتثال لمعايير هذه المؤسسة قد يُضعف السيادة الوطنية، خاصة في ظل العداء الأمريكي-الإسرائيلي في المقابل، يرى آخرون، مثل خاني، أن الغياب عن هذه المنصات يُعزز عزلة إيران ويُتيح لأعدائها فرصة تشويه صورتها.

في هذا السياق، يُشدد خاني على أهمية اتخاذ قرارات عاجلة لمنع فتح جبهات جديدة ضد إيران في المؤسسات الدولية. فبدلا من مقاطعة المناقشات التقنية والقانونية، ينبغي لإيران الاستمرار في الدفاع عن حقوقها وتوثيق المعايير المزدوجة التي تواجهها.

العضوية كسلاح استراتيجي

في النهاية، تُظهر الجهود الإيرانية لتطبيع وضعها في مجموعة العمل المالي أن العضوية النشطة ليست مجرد أداة اقتصادية، بل سلاح استراتيجي في مواجهة العزلة الدولية.

إنها محاولة لتعزيز التواصل مع الحلفاء، تسهيل التعاملات المالية، ومواجهة الإجماع الدولي الذي يسعى لتقويض إيران ورغم التحديات، بما في ذلك العداء الأمريكي-الإسرائيلي والمعايير المزدوجة، فإن استمرار طهران في هذا المسار يُمكن أن يُعزز من صورتها كدولة ملتزمة بالمعايير الدولية، ويُتيح لها منصة للدفاع عن حقوقها وتوثيق مظالمها.

كلمات مفتاحية: