- زاد إيران - المحرر
- 67 Views
في قلب التحولات المتسارعة التي تشهدها منطقة الخليج، يعود مضيق هرمز إلى واجهة الأحداث بوصفه أحد أكثر الممرات البحرية حساسية وتأثيرا في العالم. فالتطورات الأخيرة لم تقتصر على البعد الأمني فحسب، بل امتدت لتشمل أبعادا اقتصادية وقانونية وجيوسياسية، تعكس إعادة صياغة محتملة لقواعد الملاحة الدولية في هذا الشريان الحيوي. وبين تصاعد التوترات وتعدد المبادرات والتصريحات المتباينة، يبرز المضيق اليوم كساحة مفتوحة لإعادة ترتيب موازين القوى، في ظل حالة من الغموض والترقب بشأن مستقبله القريب.
الحرس الثوري يعلن مسارات بديلة… إعادة هندسة المرور في المضيق
في خطوة تعكس حجم التحولات الأمنية والعسكرية التي يشهدها مضيق هرمز، أعلنت القوة البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني، الأربعاء 8 إبريل/ نيسان 2026 عن اعتماد مسارات بديلة لعبور السفن، في إجراء غير مسبوق يعكس انتقال المضيق من فضاء مفتوح نسبيا إلى منطقة تخضع لإدارة أمنية مشددة. وقد جاء هذا الإعلان في سياق ما وصفته طهران بالظروف الحربية التي شهدها الخليج العربي ومضيق هرمز خلال فترة الحرب التي استمرت حتى الساعات الأولى من الأربعاء 8 إبريل/ نيسان 2026، وهي فترة ترافقت مع مخاوف من انتشار ألغام بحرية مضادة للسفن داخل الممر الملاحي الرئيسي.

البيان الصادر عن الحرس الثوري لم يكن مجرد تحذير تقليدي، بل تضمن إعادة رسم فعلية لمسارات الملاحة داخل المضيق، إذ دعت جميع السفن الراغبة في العبور إلى التنسيق المسبق مع القوات البحرية الإيرانية، والالتزام باستخدام طرق بديلة محددة حتى إشعار آخر، وذلك لضمان السلامة البحرية وتجنب مخاطر الاصطدام بالألغام المحتملة.
ووفقا للبيان، تم تحديد مسار دخول جديد يبدأ من بحر عمان باتجاه الشمال، مرورا بجزيرة لارك، قبل مواصلة الطريق نحو الخليج العربي. أما مسار الخروج، فينطلق من الخليج العربي مرورا جنوب جزيرة لارك، ثم يتجه نحو بحر عمان. ويلاحظ أن هذه المسارات تقترب بشكل أكبر من السواحل الإيرانية مقارنة بالمسارات التقليدية التي كانت تمر في وسط المضيق، وهو ما يمنح طهران قدرة أكبر على المراقبة والتحكم في حركة السفن.

هذا التعديل في أنماط العبور لا يمكن فصله عن السياق العسكري، إذ يشير إلى انتقال إيران من سياسة التهديد بإغلاق المضيق إلى مرحلة أكثر تعقيدا تقوم على إدارة المرور بدلا من منعه بالكامل. كما أن فرض التنسيق الإجباري مع القوات البحرية الإيرانية يعكس توجها نحو تحويل المضيق إلى منطقة شبه خاضعة للسيادة التشغيلية الإيرانية، حتى وإن لم يكن ذلك معترفا به دوليا.
ترامب وطرح التعريفات… اقتصاد المضيق يدخل على خط السياسة
في المقابل، جاءت تصريحات الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، لتضيف بعدا اقتصاديا جديدا إلى الأزمة، حيث تحدث عن إمكانية فرض رسوم عبور في مضيق هرمز، بل وطرح فكرة أن يتم ذلك في إطار مشروع مشترك مع إيران أو حتى بإدارة أمريكية. هذه التصريحات، التي جاءت في سياق حديثه عن عصر ذهبي محتمل للشرق الأوسط، تكشف عن تحول في التفكير الأمريكي من التركيز على حرية الملاحة فقط إلى البحث عن آليات للاستفادة الاقتصادية من هذا الممر الحيوي.

ترامب أشار خلال خطابه إلى أن الولايات المتحدة قد تسهم في زيادة حركة الملاحة في المضيق، معتبرا أن ذلك سيؤدي إلى تحقيق أموال كثيرة ويمكن أن يساعد إيران على بدء عملية إعادة الإعمار. كما لمح إلى إمكانية تنظيم عملية العبور بطريقة تضمن الاستقرار، حتى لو تطلب ذلك ترتيبات مالية جديدة.
وفي تصريح آخر، أوضح أن فكرة فرض رسوم عبور قد تكون جزءا من مشروع مشترك، قائلا إن هذا الخيار يدرس كوسيلة لضمان التزام مختلف الأطراف بقواعد العبور. هذا الطرح يفتح الباب أمام سيناريو غير تقليدي، يتم فيه تحويل المضيق من ممر حر إلى مصدر دخل منظم، سواء لإيران أو لشراكة دولية محتملة.

على أن هذه الرؤية تصطدم بواقع قانوني وسياسي معقد. فالمضائق الدولية، وفقا لقانون البحار، لا يجوز فرض رسوم على مجرد العبور فيها، ما يجعل أي محاولة لتطبيق هذا النموذج عرضة للطعن الدولي. كما أن فكرة الإدارة المشتركة تبدو بعيدة التحقيق في ظل انعدام الثقة بين واشنطن وطهران، فضلا عن رفض العديد من الدول الإقليمية لأي ترتيبات قد تمنح إيران نفوذا إضافيا على المضيق.
مستقبل المضيق… بين فرض الرسوم، التصعيد، أو العودة إلى الوضع التقليدي
السؤال الأهم الذي يفرض نفسه اليوم هو إلى أين يتجه مضيق هرمز في المرحلة المقبلة؟ وهل ستنجح إيران في فرض واقع جديد يقوم على تحصيل رسوم عبور، أم أن الضغوط الدولية ستعيد الأمور إلى ما كانت عليه؟
تشير المعطيات الحالية إلى ثلاثة سيناريوهات رئيسية، السيناريو الأول يتمثل في نجاح إيران، جزئيا أو كليا، في فرض نظام رسوم على السفن العابرة. بعض التقديرات تشير إلى إمكانية تحقيق إيرادات ضخمة قد تصل إلى مئات المليارات من الدولارات خلال سنوات قليلة، خاصة إذا تم فرض رسوم لا تقل عن دولار واحد لكل برميل نفط. وفي هذا السياق، قد تضطر بعض الدول، خصوصا تلك التي تعتمد بشكل كامل على المضيق مثل دول الخليج والهند، إلى القبول بالأمر الواقع على المدى القصير لضمان استمرار تدفق الطاقة.

غير أن هذا السيناريو يواجه تحديات قانونية كبيرة، إذ تنص اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار على عدم جواز فرض رسوم على العبور في المضائق الدولية، باستثناء الخدمات المحددة مثل الإرشاد أو القطر، كما أن فرض رسوم بشكل أحادي قد ينظر إليه كنوع من الإكراه الاقتصادي، ما قد يدفع القوى الكبرى إلى اتخاذ إجراءات مضادة.
السيناريو الثاني يتمثل في تصعيد عسكري أو أمني يؤدي إلى إفشال أي محاولة لفرض الرسوم، بعض التحليلات تشير إلى أن استمرار إيران في إدارة نظام رسوم قد يدفع دولا إقليمية أو دولية إلى التدخل عسكريا لضمان حرية الملاحة، خاصة أن المضيق يعد شريانا حيويا يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية. وفي هذا السياق، قد نشهد عمليات عسكرية محدودة أو استهدافات متبادلة لناقلات النفط، ما يعيد المنطقة إلى دائرة التصعيد.
أما السيناريو الثالث، فيقوم على التوصل إلى تسوية سياسية تُعيد فتح المضيق بشكل كامل مع إدخال ترتيبات أمنية جديدة دون فرض رسوم مباشرة. في هذا الإطار، قد يتم الاتفاق على آليات للتنسيق الأمني أو التفتيش، أو حتى إصدار تصاريح عبور، ولكن دون تحويل ذلك إلى نظام جباية مالي. هذا السيناريو يبدو الأكثر توافقا مع القانون الدولي، لكنه يتطلب مستوى عاليًا من التفاهم بين الأطراف المتنازعة، وهو أمر لا يزال غير مضمون.

وفي جميع الأحوال، يبدو أن مضيق هرمز لن يعود إلى وضعه السابق بسهولة، فالتطورات الأخيرة، سواء من حيث فرض مسارات بديلة أو الحديث عن رسوم عبور أو حتى إعادة تعريف مفهوم المرور الحر، تشير إلى أن المضيق دخل مرحلة جديدة عنوانها إعادة التفاوض على قواعد اللعبة.
إن ما يجري اليوم في مضيق هرمز لا يقتصر على كونه أزمة إقليمية، بل يمثل اختبارا حقيقيا للنظام الدولي القائم على حرية الملاحة. وبين طموحات إيران في تعزيز نفوذها، ومحاولات الولايات المتحدة إعادة صياغة دورها في المنطقة، ومخاوف الدول المستهلكة للطاقة، يبقى مستقبل هذا الممر الحيوي مفتوحًا على جميع الاحتمالات، من التسوية إلى التصعيد، ومن التنظيم إلى الفوضى.
في ظل هذه المعطيات، فإن الأسابيع والأشهر القادمة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان مضيق هرمز سيتحول إلى نموذج جديد لإدارة الممرات الاستراتيجية، أم أنه سيظل ساحة صراع مفتوح بين القوى الإقليمية والدولية.

