هل خالف عراقجي القانون بلقائه غروسي في القاهرة؟

بقلم رئيس التحرير/ محمود شعبان

منذ اللحظات الأولى لتوقيع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اتفاقًا جديدًا في القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافايل غروسي، برعاية مصرية، شهدت إيران تصعيدًا سياسيًا غير مسبوق، يعكس الانقسامات العميقة بين مؤسسات الدولة بشأن مستقبل البرنامج النووي الإيراني.

فقد شنت شخصيات بارزة في البرلمان هجومًا حادًا على وزارة الخارجية والمجلس الأعلى للأمن القومي، معتبرة أن الاتفاقية غير قانونية وتنتهك القرار البرلماني الصادر قبل شهرين، والذي كان يقضي بتعليق التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ردًا على المواقف السلبية للوكالة التي ساهمت، بحسب نواب البرلمان، في الهجوم الإسرائيلي على منشآت إيران النووية.

البرلماني الإيراني أمير حسين ثابتي، المقرب من المرشح الرئاسي السابق سعيد جليلي، كان من أبرز الأصوات المعارضة للاتفاق. ففي بيان رسمي له وصف الاتفاق بأنه يمثل تهديدًا مباشرًا للمصالح الوطنية ويفتح الطريق أمام هجوم محتمل على البلاد، مؤكدًا أن الاتفاقية تنتهك القانون البرلماني بشكل صريح. وأوضح ثابتي أن السماح للوكالة بجمع المعلومات عن المنشآت النووية الإيرانية يخدم مصالح الوكالة فقط، ويزيد من احتمالية شن هجوم عسكري على إيران، مشيرًا إلى أن الوكالة كانت المصدر الأساسي للبيانات التي استخدمتها إسرائيل والولايات المتحدة قبل الهجوم الأول. من الناحية القانونية، رأى ثابتي أن تجاوز المجلس الأعلى للأمن القومي للقانون البرلماني يشكل تحايلاً على النصوص، محذرًا من أن المسؤولين عن الاتفاق قد يُعتبرون مجرمين إذا لم يتم احترام شروط البرلمان.

وفي سياق متصل، شن سيد محمود نبويان، برلماني آخر قريب من جليلي، هجومًا شديدًا على الاتفاق، واصفًا غروسي بـ”الجاسوس المشؤوم المسؤول عن استشهاد مئات القادة والعلماء والمواطنين الإيرانيين”. وأكد نبويان أن الاتفاقية تمنح العدو معلومات دقيقة عن المراكز النووية الإيرانية، مما يهيئ الطريق لشن حرب مستقبلية، معتبرًا أن الاتفاقية تمثل انتهاكًا صارخًا لمصالح الأمة وتجاهلاً صريحًا لقانون البرلمان. هذه الانتقادات تشير إلى انعدام الثقة البرلمانية تجاه الوكالة واعتبار أن أي تعاون معها يجب أن يتم وفق شروط صارمة وبموافقة كاملة من البرلمان.

البرلماني حميد رسائي لم يكن أقل حدة، فقد شن هجومًا مباشرًا على المجلس الأعلى للأمن القومي ووزارة الخارجية عبر منصة X، مؤكدًا أنه لا توجد معلومات متاحة للنواب حول محتوى الاتفاق، وأن الإعلان يتم عبر غروسي فقط. وأضاف رسائي أن الأمن القومي فقد القدرة على مراقبة ما بعد الحرب، وأن وزارة الخارجية تجاوزت صلاحياتها، ما يعكس حجم الاستياء من إدارة الاتفاق داخليًا. كل هذه المواقف البرلمانية تشير إلى تصاعد حدة الصراع السياسي الداخلي بين المؤسسات الإيرانية، وهو صراع يعكس اختلاف الرؤى حول التعامل مع المجتمع الدولي وإدارة الملف النووي.

بالعودة إلى الوراء قليلًا، ففي نهاية يوليو/تموز 2025، صادق الرئيس الإيراني على قرار البرلمان بتعليق التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بعد الهجمات الإسرائيلية والأمريكية على المنشآت النووية الإيرانية. وأوضح البرلمان أن القرار يأتي ردًا على انتهاك سيادة إيران واستهداف منشآتها النووية والعلمية، مؤكدًا أن أي تعاون مع الوكالة يجب أن يتم وفق ضمانات تحمي سيادة الدولة وسلامة العلماء والمراكز النووية.

ونص القانون على ضرورة الالتزام بحقوق إيران وفق المادة الرابعة من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، التي تكفل للدول الحق في استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية دون تعرضها لأي ضغط أو ابتزاز دولي. وقد صادق مجلس صيانة الدستور على القانون وأحاله للتنفيذ من قبل السلطة التنفيذية، ما منح القرار الشرعية القانونية اللازمة.

لكن بعد نحو شهرين، أعلن رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف أن المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني سمح بعودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى إيران، وهو ما دفع وزارة الخارجية للتحرك لإبرام اتفاق جديد مع الوكالة، في محاولة لإعادة رسم العلاقة مع المجتمع الدولي وإظهار مرونة إيران في الملف النووي، رغم التحفظات البرلمانية الواضحة.

وجراء الانتقادات البرلمانية للاتفاق، أكد وزير الخارجية عباس عراقجي أن استمرار الاتفاق مشروط بعدم اتخاذ أي إجراء عدائي ضد إيران، بما في ذلك ما يعرف بـ”آلية الزناد”، وهو بند يمثل ضمانة للجانب الإيراني للحفاظ على الأمن القومي والسيادة الوطنية. وأوضح عراقجي أن الاتفاق الإطاري يتوافق مع قانون مجلس الشورى الإسلامي، ويأخذ في الاعتبار المخاوف الأمنية الإيرانية وحقوق السيادة.

ونص الاتفاق على أن مفتشي الوكالة لن يصلوا إلى أي موقع نووي سوى محطة بوشهر للطاقة، حيث تستمر أعمال استبدال الوقود وفق قرار المجلس الأعلى للأمن القومي، مع تأجيل أي وصول إضافي لمفاوضات مستقبلية. هذه الإجراءات تعكس محاولة الجانب الإيراني رسم خطوط واضحة للتعاون مع الوكالة، بما يحمي المنشآت النووية ويضمن عدم تكرار التجاوزات السابقة.

وأشار عراقجي إلى أن الاتفاق الإطاري يعكس تفويض المجلس الأعلى للأمن القومي، ويعترف بالظروف الأمنية الاستثنائية لإيران، مشددًا على أن أي تعاون سيظل ضمن الإطار القانوني والتنسيق الكامل مع المجلس، دون التنازل عن السيادة أو الأمن القومي، بينما يظهر في الوقت ذاته ضبط النفس والمسؤولية من خلال استمرار التعاون ضمن حدود واضحة وآمنة. ويبدو أن الجانب الإيراني يسعى من خلال هذا الإطار إلى توجيه رسالة للداخل والخارج، مفادها أن إيران قادرة على إدارة ملفها النووي بحزم ومرونة في الوقت نفسه.

الاتفاقية الجديدة تكشف صراعًا داخليًا بين البرلمان ووزارة الخارجية حول كيفية إدارة البرنامج النووي الإيراني في ظل تهديدات إقليمية ودولية. وبينما يؤكد الجانب الرسمي على الإطار القانوني وضمانات الأمن، تظل المعارضة البرلمانية ترى في الاتفاق تجاوزًا للقانون ومخاطر على مستقبل البرنامج النووي، ما يعكس الانقسامات السياسية الداخلية حول السياسات النووية الإيرانية. فبين الحاجة للحفاظ على مكتسبات السيادة الوطنية من جهة، والرغبة في إعادة الانفتاح على المجتمع الدولي وطمأنة الوكالة من جهة أخرى، تتجلى حالة من التوازن الهش بين مصالح الأمن والسياسة الخارجية.

في هذا السياق، تشير مصادر إلى أن الانقسام بين السلطات الإيرانية ليس مجرد خلاف سياسي، بل يعكس مخاوف استراتيجية حقيقية حول مستقبل البرنامج النووي الإيراني، وإمكانية استخدام المعلومات المقدمة للوكالة كوسيلة ضغط على إيران في المستقبل. هذه المخاوف تتجلى بوضوح في تصريحات البرلمانيين، الذين يرون أن أي خطوة غير محسوبة قد تعرض البلاد لهجوم جديد أو لمساومة دولية تؤثر على السيادة الوطنية.

بالإضافة إلى الجدل الداخلي، يطرح الاتفاق أسئلة حول السياسة الإيرانية تجاه المجتمع الدولي، وخصوصًا فيما يتعلق بالقدرة على التوازن بين الحفاظ على السيادة والاستجابة للضغوط الدولية. فإيران من خلال هذا الاتفاق تسعى لإظهار استعدادها للتعاون تحت إطار قانوني محدد، لكنها في الوقت ذاته تحاول الحفاظ على حقوقها الاستراتيجية في القطاع النووي. هذا الموقف يمثل رسالة مزدوجة: الأولى للمجتمع الدولي، مفادها أن إيران شريك ملتزم ضمن الحدود التي تضمن أمنها، والثانية للداخل الإيراني، مفادها أن الدولة لن تتنازل عن سيادتها أو أمنها القومي.

باختصار، الاتفاقية الجديدة بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية تمثل نقطة تقاطع بين السياسة الداخلية والخارجية، بين القانون والمرونة، وبين الأمن القومي والمصالح الدولية. فبينما ترى وزارة الخارجية والمجلس الأعلى للأمن القومي أن الاتفاق يمثل خطوة مدروسة للحفاظ على مصالح إيران مع ضمان سيادتها، ترى المعارضة البرلمانية أن هذه الخطوة قد تفتح الباب لمخاطر غير محسوبة، وتعتبرها تجاوزًا للقانون وتحديًا لإرادة البرلمان. وفي ظل هذه الانقسامات، يبقى مستقبل البرنامج النووي الإيراني مسرحًا لتوازن دقيق بين الاستراتيجية الوطنية، المتطلبات الدولية، وضغوط القوى الإقليمية والدولية.

الجدل حول اتفاقية عراقجي–غروسي يعكس بذلك الصراع المستمر بين المحافظة على السيادة الوطنية والانفتاح على المجتمع الدولي، وهو صراع من المرجح أن يستمر في المرحلة المقبلة، مع احتمالية أن تشهد إيران مزيدًا من التصريحات والمواقف البرلمانية المتشددة، مقابل محاولات رسمية لتأكيد إطار التعاون الآمن والمحدد مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في وقت تحاول فيه طهران مواجهة التحديات الأمنية والسياسية في المنطقة.

كلمات مفتاحية: