هل يدفع لقاء القمة الإيرانية–الروسية مشروع رشت–آستارا إلى قلب التجارة العالمية؟

Image

كتب: الترجمان

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، وتزايد أهمية الجغرافيا الاقتصادية في رسم موازين النفوذ، تعود مشاريع البنية التحتية العابرة للحدود لتتقدم واجهة المشهد السياسي والاقتصادي. ويأتي مشروع سكة حديد رشت–آستارا في صدارة هذه المشاريع، بوصفه حلقة مفصلية في ممرات النقل الدولية، ومحل تقاطع لمصالح إقليمية ودولية تشمل إيران وروسيا والصين والهند ودول أوراسيا. 

زيارة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى عشق‌ آباد ولقاؤه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين أعادا هذا المشروع إلى دائرة الضوء، ليس فقط من زاوية التقدم التنفيذي، بل أيضا من حيث أبعاده الاستراتيجية الأوسع.

لقاء عشق ‌آباد: الرسائل السياسية والاقتصادية

على هامش مؤتمر «السلام والثقة» الدولي المنعقد في عشق ‌آباد عاصمة تركمانستان، التقى الرئيسان الإيراني والروسي، حيث أكد بزشكيان عزم بلاده تفعيل الاتفاق الشامل مع موسكو، مثمنا مواقف روسيا الداعمة للسياسات الدولية لإيران. وفي قلب هذا اللقاء برز مشروع سكة حديد رشت–آستارا، الذي يتابعه الرئيس الإيراني على أساس أسبوعي، مع تأكيده أن تملّك كامل مسار المشروع سيُنجز حتى نهاية العام الجاري.

اللقاء لم يكن بروتوكوليا فحسب، بل حمل دلالات واضحة على سعي الطرفين لترجمة التفاهمات السياسية إلى مشاريع تنفيذية، في وقت تتعرض فيه الممرات التقليدية للتجارة العالمية لضغوط سياسية وأمنية متزايدة، مما يجعل هذا المشروع محوريًا ليس فقط للبنية التحتية الإيرانية، بل كأداة استراتيجية على مستوى المنطقة.

جدل الأرقام: 93 أم 106 أم 110 كيلومترات؟

أثار تصريح بزشكيان بشأن تملّك أكثر من 100 كيلومتر من مسار رشت–آستارا تفاعلا لافتا، خاصة بعدما أشار بوتين إلى أن الرقم المتوفر لديه يبلغ 93 كيلومترا. غير أن معطيات لاحقة، صادرة عن محافظة جيلان ووزارة الطرق والتنمية العمرانية، أكدت أن الرقم المحدث يبلغ 106 كيلومترات من أصل نحو 162 كيلومترا، مع ترجيحات بوصوله إلى 110 كيلومترات.

المعطيات الرسمية أوضحت أن الفارق بين الرقمين يعود إلى تحديثات زمنية، إذ استند الجانب الروسي إلى بيانات أقدم، في حين عكست تصريحات الجانب الإيراني وتأكيدات المسؤولين المحليين التقدم الفعلي الذي تحقق خلال الأسابيع الأخيرة. 

هذا الجدل، رغم طابعه الفني، كشف في الوقت ذاته عن الحساسية السياسية والإعلامية المحيطة بالمشروع، وأهمية متابعة الأرقام الرسمية لضمان الشفافية والمصداقية.

Image

رشت–آستارا: حلقة مفقودة في ممر الشمال–الجنوب

يمثل مشروع سكة حديد رشت–آستارا الحلقة الأخيرة غير المكتملة في ممر النقل الدولي الشمال–الجنوب، الذي يربط موانئ الهند بالخليج والمحيط الهندي، مرورا بإيران، وصولا إلى روسيا وأوروبا. وتؤكد التقديرات أن هذا الممر يمكن أن يقلص زمن نقل البضائع إلى النصف مقارنة بمسار قناة السويس، فضلًا عن خفض التكاليف وتعزيز أمن سلاسل الإمداد.

الاتفاق التنفيذي والفني–المالي الموقع بين إيران وروسيا، والذي اختيرت بموجبه شركة روسية مقاولا رئيسيا بتمويل يبلغ نحو 1.6 مليار يورو، يعكس جدية الطرفين في تحويل هذا الممر من تصور استراتيجي إلى واقع عملي، ما يعزز الدور الجيوسياسي لإيران في ربط القارات، ويضعها في موقع فاعل في سلسلة إمدادات الطاقة والسلع العابرة للقارات.

الممر الجنوبي وممرات الصين–أوروبا

لا يقتصر البعد الاستراتيجي للمشروع على محور إيران–روسيا فحسب، بل يمتد إلى شبكة ممرات النقل من الصين إلى الاتحاد الأوروبي. إلى جانب الممر الشمالي عبر روسيا، والممر الأوسط عبر بحر قزوين، يبرز الممر الجنوبي عبر إيران كخيار سككي كامل، يتمتع بإرث تاريخي يمتد إلى طريق الحرير، وبجاهزية بنيوية متنامية.

الاتفاق السككي السداسي الذي وُقّع في إسطنبول بين إيران والصين وتركيا وعدد من دول آسيا الوسطى، يعكس توجها عمليا لتفعيل هذا الممر عبر توحيد التعرفات وتقليص زمن الرحلات. ورغم التساؤلات المطروحة بشأن حسابات الصين ومصالحها، يرى خبراء في قطاع النقل أن بكين تتعامل ببراغماتية، وتُقبل على أي مسار يحقق لها عائدًا اقتصاديًا وزمنًا مجديا.

وفق البيانات، يمر نحو 60 مليون طن من البضائع سنويا من الصين إلى أوروبا، وإذا أمكن توجيه حتى 10% منها عبر الفرع الجنوبي مرورا بإيران، فإن ذلك سيؤدي إلى عوائد اقتصادية كبيرة، تشمل عائدات العبور وتنشيط الموانئ والمدن على طول الطريق، إلى جانب تعزيز موقع إيران كحلقة استراتيجية بين آسيا وأوروبا.

Image

الرؤية الاقتصادية والاستراتيجية

تكمل سكة حديد رشت–آستارا شبكة النقل الإيرانية من ميناء تشابهار في الجنوب إلى الحدود الشمالية مع أذربيجان، مما يعزز موقع إيران كبديل للطرق التقليدية التي تمر عبر قنوات مائية وأوروبا الشرقية. المشروع يشتمل على 10 محطات و63 جسرًا بطول إجمالي 40.7 كيلومترا ونفق بطول 1960 مترا، مع تحديد سرعة القطارات الركابية بـ160 كلم/س والبضائع بـ120 كلم/س.

هذه التفاصيل تعكس أن المشروع ليس مجرد بنية تحتية محلية، بل أداة لتطوير التجارة الدولية، وإعادة رسم خطوط النقل، وتأمين ممرات بديلة في مواجهة أي أزمات سياسية أو اقتصادية على الصعيد العالمي.

التحولات الإقليمية والدور الإيراني

مع استمرار النزاعات في أوكرانيا، وتعقيد الممرات الشمالية والوسطى، يصبح الممر الجنوبي عبر إيران أكثر جاذبية لأصحاب البضائع، لا سيما الصينيين. وتؤكد تصريحات الخبراء وممثلي القطاع التجاري أن تنفيذ المشروع سيسهم في تحويل إيران إلى مركز لوجستي إقليمي، يربط شرق آسيا بأوروبا، ويدعم فرص الاستثمار والتنمية الاقتصادية المحلية.

كما أن متابعة الرئيس الإيراني الدائمة تضمن أن المشروع يسير وفق خطة مدروسة، مع رقابة دقيقة على الجوانب المالية والتنفيذية، ما يعزز مصداقية الدولة في إدارة مشاريع ضخمة ومعقدة.

Image

يُظهر مسار الأحداث أن مشروع رشت–آستارا تجاوز كونه مشروعا وطنيا للبنية التحتية، ليصبح عنصرا فاعلا في معادلات الجغرافيا السياسية والاقتصادية الإقليمية. بين تنافس الممرات الدولية وتعقيدات الأوضاع السياسية وحسابات القوى الكبرى، تجد إيران في هذا المشروع فرصة لتعزيز موقعها كحلقة وصل محورية بين الشرق والغرب.

تحقيق المكاسب المرجوة من المشروع يظل مرهونا بسرعة التنفيذ واستكمال التملّك وضمان الانضباط المالي والفني، فضلًا عن القدرة على التوازن بين المصالح الوطنية ومتطلبات الشراكات الدولية. 

وفي هذا الإطار، لم يعد ممر رشت–آستارا مجرد خط سكك حديدية، بل اختبار عملي لمكانة إيران في خريطة التجارة العالمية المتغيرة، مع إمكان تحقيق عوائد اقتصادية واستراتيجية ملموسة على المدى المتوسط والطويل.

كلمات مفتاحية: