واشنطن وطهران على طاولة التفاوض مجددا… فرص محدودة وتعقيدات متزايدة

تدخل العلاقات بين إيران والولايات المتحدة مرحلة دقيقة مع تزايد الحديث عن استئناف المفاوضات بعد جولة لم تفض إلى نتائج حاسمة. وفي ظل بيئة إقليمية مشحونة وتعقيدات سياسية متراكمة، تتجه الأنظار إلى ما قد تحمله الجولة المرتقبة من فرص وتحديات. وبين رغبة معلنة في إبقاء قنوات الحوار مفتوحة، وتمسك واضح بمواقف متباعدة، تبدو العملية التفاوضية أمام اختبار حقيقي لقدرتها على تجاوز نقاط الخلاف. وتزداد أهمية هذه المرحلة مع تداخل الاعتبارات الاقتصادية والأمنية، ما يجعل أي تقدم محتمل ذا تأثير يتجاوز حدود الطرفين إلى المشهد الإقليمي والدولي بأسره.

تصريحات فانس… بين الاعتراف بالتقدم والتمسك بالشروط القصوى

منذ انتهاء الجولة الأخيرة من المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة التي عقدت في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، الجمعة 10 إبريل/ نيسان 2026، برزت تصريحات نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس كأحد أهم المؤشرات على طبيعة المرحلة الحالية من التفاوض، إذ عكست هذه التصريحات مزيجا من الاعتراف الجزئي بالتقدم من جهة، والتشدد في الشروط من جهة أخرى، حيث أكد فانس في مقابلة مع شبكة فوكس نيوز، الثلاثاء 14 إبريل/ نيسان 2026، أن المفاوضات لم تكن فاشلة بالكامل، مشيرا إلى تحقيق بعض التقدم، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن الطريق نحو اتفاق نهائي لا يزال طويلا ولم يستكمل بعد.

Image

هذا التوصيف عكس، حسب خبراء، محاولة أمريكية لإبقاء باب التفاوض مفتوحا دون تقديم تنازلات جوهرية، وهو ما يتضح أكثر في تراجعه النسبي عن نبرة سابقة كانت توحي بإمكانية تحقيق اختراق سريع. فانس قال صراحة إن ليس كل شيء سار بشكل سيئ، وهي عبارة تحمل دلالة مزدوجة، إذ تعترف بوجود إنجازات محدودة، لكنها في الوقت ذاته تضع سقفا منخفضا لتوقعات النجاح.

الأهم في تصريحات نائب الرئيس الأمريكي كان تأكيده على إمكانية التوصل إلى اتفاق كبير، وهي عبارة تحمل بعدا سياسيا وإعلاميا، لكنها جاءت مشروطة بشكل واضح بمدى استعداد إيران لاتخاذ ما وصفه بالخطوات التالية، في شرط عكس جوهر الموقف الأمريكي، الذي يسعى إلى تحميل الجانب الإيراني مسؤولية التقدم أو التعثر في العملية التفاوضية، رغم أن الوقائع تشير إلى وجود خلافات بنيوية تتعلق بطبيعة المطالب الأمريكية نفسها.

وفي سياق أكثر صراحة، كشف فانس عن جوهر هذه المطالب، حيث أكد أن الشرط الرئيسي لواشنطن يتمثل في حرمان إيران بالكامل من أي قدرة على تخصيب اليورانيوم على حد تعبيره، وهو شرط يتجاوز بكثير الأطر التقليدية لأي اتفاق نووي، ويقترب من مطلب نزع كامل للقدرات النووية السلمية. ولم يكتف بذلك، بل أضاف أن الولايات المتحدة تطالب أيضا بإخراج كامل مخزون اليورانيوم المخصب من إيران، وهو ما تعتبره طهران مطلبا غير مقبول ويتعارض مع حقوقها السيادية.

Image

هذا الطرح يعكس ما يمكن وصفه بالنهج التفاوضي القائم على الشروط القصوى، وهو النهج الذي ينظر إليه من قبل الجانب الإيراني كأحد الأسباب الرئيسية لتعثر المفاوضات. ورغم أن فانس أقر ضمنيا بأن هذه المطالب قد تكون محل خلاف، فإنه لم يبد أي استعداد لتخفيفها، بل أعاد التأكيد عليها، مما يعزز الانطباع بأن واشنطن لا تزال تراهن على الضغط أكثر من التوافق.

وفي بعد آخر من تصريحاته، وصف نائب الرئيس الأمريكي المفاوضين الإيرانيين بأنهم متشددون، وهي عبارة تستخدم عادة في الخطاب السياسي لتبرير تعثر المفاوضات، لكنها في هذا السياق تعكس أيضا إدراكا أمريكيا بأن الجانب الإيراني يتمسك بمواقفه ولا يظهر استعدادا للتنازل عن خطوطه الحمراء، فيما أشار فانس إلى أن الأيام المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مصير هذه المحادثات، وهو ما يعكس إدراكا بأن العملية التفاوضية دخلت مرحلة حساسة.

من اللافت أيضا أن تصريحات فانس تضمنت اعترافا بالتداعيات الاقتصادية للتوترات الحالية، خاصة في قطاع الطاقة، حيث أشار إلى أن ارتفاع الأسعار يشكل ضغطا كبيرا على المواطنين الأمريكيين. هذا الاعتراف يكشف جانبا مهما من دوافع واشنطن، إذ لم تعد القضية محصورة في البعد السياسي أو الأمني، بل باتت مرتبطة أيضا بالاعتبارات الاقتصادية الداخلية، ما قد يدفع الإدارة الأمريكية إلى البحث عن مخرج تفاوضي سريع. وفي هذا السياق، أكد فانس أن الحكومة الأمريكية تبذل جهودا مكثفة وجادة للوصول إلى حل، مشيرا إلى أن الأمريكيين يعانون من صعوبات.

Image

 هذه اللغة تعكس محاولة لربط المسار التفاوضي بالوضع الداخلي، وهو ما قد يستخدم لتبرير أي تنازلات محتملة في المستقبل، أو على الأقل لتسريع وتيرة التفاوض. ومع ذلك، فإن التناقض بين الاعتراف بالحاجة إلى حل سريع، والتمسك بشروط قصوى، يظل أحد أبرز ملامح الموقف الأمريكي في هذه المرحلة. فبينما تظهر واشنطن رغبة في التوصل إلى اتفاق، فإنها في الوقت ذاته تضع شروطا تجعل تحقيق هذا الاتفاق أمرا معقدا، وهو ما يفسر حالة الجمود التي شهدتها مفاوضات إسلام آباد.

جولة المفاوضات الجديدة… بين إسلام آباد وجنيف وسيناريوهات التوقيت والنتائج

في ظل تعثر الجولة السابقة، تتجه الأنظار إلى الجولة الجديدة المحتملة من المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، والتي تشير معظم التقارير إلى أنها قد تعقد خلال أيام قليلة، وربما حتى في عطلة نهاية الأسبوع أو يوم الخميس، وفق ما نقلته وكالة أسوشيتد برس عن مسؤولين أمريكيين. هذا التسارع في الحديث عن جولة جديدة يعكس إدراك الطرفين، وكذلك الوسطاء، لأهمية عدم ترك المسار التفاوضي يتوقف، خاصة مع اقتراب انتهاء وقف إطلاق النار.

أما من حيث المكان، فقد برزت مدينتان رئيسيتان كخيارين محتملين لاستضافة الجولة المقبلة، إسلام آباد وجنيف، فاختيار إسلام آباد يعكس استمرار الدور الباكستاني كوسيط، خاصة بعد استضافتها الجولة السابقة، حيث عرضت باكستان رسميا استضافة الجولة الثانية خلال الأيام المقبلة. هذا العرض، بحسب مصادر باكستانية، يبقى مشروطا بعدم اعتراض الطرفين أو طلبهما تغيير الموقع.

Image

في المقابل، يمثل خيار جنيف بعدا مختلفا، إذ تعد المدينة تقليديا مركزا للمفاوضات الدولية، وقد ينظر إليها كخيار محايد أكثر، خاصة إذا ما رغب الطرفان في نقل المفاوضات إلى بيئة أقل ارتباطا بالتوازنات الإقليمية. طرح جنيف كخيار يعكس أيضا احتمال انخراط أوسع للأطراف الدولية أو الأوروبية في دعم المسار التفاوضي.

من حيث التوقيت، فإن العامل الحاسم يتمثل في اقتراب انتهاء وقف إطلاق النار، حيث تسعى الأطراف إلى استغلال الفترة المتبقية لتحقيق تقدم، أو على الأقل تمديد الهدنة. وقد أشارت تقارير إلى أن هناك توجها لتمديد وقف إطلاق النار لمدة تصل إلى ٤٥ يوما، وهو ما يمنح المفاوضات مساحة زمنية أكبر.

Image

اللافت أن التحركات نحو عقد جولة جديدة لا تقتصر على الولايات المتحدة وإيران، بل تشمل أيضا جهودا مكثفة من قبل دول المنطقة، التي تسعى إلى إعادة الطرفين إلى طاولة الحوار. تركيا، على سبيل المثال، تلعب دورا في تقليل الفجوات، بينما تستمر المشاورات مع وسطاء إقليميين آخرين، ما يعكس إدراكا جماعيا بأن استمرار التصعيد ليس في مصلحة أحد.

وفي الوقت ذاته، تشير بعض التقارير إلى أن هناك توافقا مبدئيا بين طهران وواشنطن على عقد جولة جديدة، رغم عدم الإعلان الرسمي عن ذلك. هذا التوافق، إن صح، يعكس رغبة مشتركة في إبقاء القنوات الدبلوماسية مفتوحة، حتى في ظل الخلافات العميقة.

أما من حيث مضمون المفاوضات، فمن الواضح أن القضايا الخلافية التي برزت في الجولة السابقة ستظل حاضرة بقوة، على رأس هذه القضايا يأتي ملف تخصيب اليورانيوم، الذي يمثل جوهر الخلاف بين الطرفين، إضافة إلى مسألة مضيق هرمز، التي تحولت إلى نقطة نزاع رئيسية، خاصة في ظل المطالب الأمريكية بإعادة فتحه دون دور محوري لإيران.

كما تشمل القضايا الخلافية مستقبل الأصول الإيرانية المجمدة، ودور إيران الإقليمي، بل وحتى ملف الصواريخ، الذي حاول الجانب الأمريكي إدراجه ضمن جدول الأعمال دون نجاح. هذه الملفات تعكس تعقيد المفاوضات، إذ لا تقتصر على قضية واحدة، بل تشمل مجموعة من القضايا المتداخلة.

Image

من جهة أخرى، يؤكد الجانب الإيراني أنه لم يطرح مطالب تتجاوز حقوقه المشروعة، وأنه يسعى إلى اتفاق متوازن وعادل بعيدا عن الضغوط. هذا الموقف ينسجم مع رفض طهران للشروط الأحادية، ويعكس استراتيجية تفاوضية تقوم على التمسك بالحقوق الأساسية مع إبقاء الباب مفتوحا للحلول الوسط.

في المحصلة، تبدو الجولة الجديدة من المفاوضات كفرصة مهمة، لكنها محفوفة بالتحديات. فبين الرغبة في التوصل إلى اتفاق، والتمسك بشروط متباعدة، يبقى نجاح هذه الجولة مرهونا بمدى استعداد الطرفين لتقديم تنازلات حقيقية. وفي ظل الضغوط الاقتصادية والسياسية المتزايدة، قد تكون الأيام المقبلة بالفعل، كما قال نائب الرئيس الأمريكي، حاسمة في تحديد مستقبل هذا المسار التفاوضي المعقد.