- زاد إيران - المحرر
- 81 Views
في خضم مشهد إقليمي متقلب، تتشابك خيوط السياسة مع إيقاع الميدان في لحظة بالغة الحساسية، حيث لا تبدو حدود التهدئة واضحة بقدر ما تتسع مساحات الشك والترقب. فبين الرغبة في احتواء التوتر وضغوط الوقائع المتسارعة، تتكشف معادلة معقدة تحكمها حسابات القوة وتوازنات المصالح. وفي ظل هذا المناخ الضبابي، تتحول أي مؤشرات، مهما بدت محدودة، إلى عناصر مؤثرة في رسم المسار المقبل، وسط تساؤلات متزايدة حول ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو استقرار نسبي أم تقف على أعتاب مرحلة أكثر اضطرابا.
خروقات ميدانية تهدد الهدنة… من لاوان إلى الخليج ولبنان
فلم يكد الإعلان عن وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، والذي جاء فجر الأربعاء 8 إبريل/ نيسان 2026، يمر عليه سوى ساعات قليلة، حتى بدأت المؤشرات الأولى على هشاشته بالظهور في أكثر من ساحة إقليمية، في مشهد يعكس طبيعة الاتفاق القلق الذي ولد في ظل حرب مفتوحة وتوازنات متوترة. فقد جاءت الوقائع الميدانية متناقضة مع الخطاب السياسي الذي تحدث عن تهدئة، ما فتح الباب أمام تساؤلات جدية حول مدى التزام الأطراف المختلفة ببنود الاتفاق، بل وحول وجود نية فعلية للحفاظ عليه.
ففي إيران، شكلت جزيرة لاوان نقطة البداية لهذه الخروقات، حيث أفادت تقارير بوقوع عدة انفجارات داخل مصفاة النفط هناك، بعد ساعات فقط من إعلان وقف إطلاق النار. ورغم تأكيد الجهات الرسمية الإيرانية أن الهجوم لم يسفر عن خسائر بشرية، فإن دلالاته السياسية والعسكرية كانت أعمق من مجرد حادث أمني عابر. فاستهداف منشأة نفطية حساسة في هذا التوقيت الحرج يعكس إما خللا في ضبط الميدان، أو رسالة ضغط متعمدة تستهدف تقويض الثقة بالهدنة منذ لحظاتها الأولى. كما أن ورود معلومات عن سقوط صاروخ بالقرب من المصفاة قبل وقوع الانفجارات، وإخلاء بعض الوحدات مسبقا، يشير إلى أن الحادث لم يكن مفاجئا بالكامل، بل ربما كان جزءا من تصعيد محسوب أو اختبار لردود الفعل.

في موازاة ذلك، امتدت أصداء التصعيد إلى خارج الأراضي الإيرانية، حيث أعلنت كل من الإمارات والكويت عن اعتراض صواريخ وطائرات مسيرة، قيل إنها انطلقت من إيران. ففي الإمارات، أفادت السلطات بأن أنظمة الدفاع الجوي تمكنت من التصدي لعدة أهداف جوية، في وقت متزامن تقريبا مع الإعلان عن وقف إطلاق النار، ما يعكس تناقضا واضحا بين الخطاب السياسي والمشهد الميداني. أما في الكويت، فقد تحدث الجيش عن موجة من الطائرات المسيرة استهدفت منشآت حيوية، بما في ذلك مرافق نفطية ومحطات كهرباء ومنشآت لتحلية المياه، متسببة في أضرار كبيرة للبنية التحتية. وتكمن خطورة هذه التطورات في أنها توسّع دائرة الاشتباك خارج الأطراف المباشرة، ما قد يجر أطرافا إقليمية إضافية إلى قلب الأزمة، ويحول أي خرق محدود إلى تصعيد واسع النطاق.

أما في لبنان، فقد برزت تعقيدات إضافية مرتبطة بتفسير نطاق وقف إطلاق النار، فبينما أشارت بعض الأطراف إلى أن الاتفاق يشمل وقف العمليات الإسرائيلية في لبنان، سارعت إسرائيل إلى نفي ذلك، مؤكدة أن الساحة اللبنانية غير مشمولة بالهدنة. هذا التباين في التفسير يعكس غموضا في بنود الاتفاق أو على الأقل في آليات تطبيقه، ويترك المجال مفتوحا أمام استمرار العمليات العسكرية في جبهة حساسة، ما قد يؤدي إلى تقويض أي تقدم دبلوماسي على المسارات الأخرى، كما أن استمرار القتال في لبنان، الذي خلف آلاف الضحايا وموجات نزوح واسعة، يعزز مناخ عدم الاستقرار الإقليمي، ويضعف فرص تثبيت التهدئة الشاملة.

في هذا السياق، تبدو الخروقات المتعددة، سواء في لاوان أو في أجواء الخليج أو على الساحة اللبنانية، وكأنها تعبير عن واقع مفاده أن وقف إطلاق النار لم يتحول بعد إلى التزام فعلي، بل لا يزال في طور الاختبار. فكل طرف يحاول الحفاظ على أوراق ضغطه الميدانية، أو على الأقل إبقاءها جاهزة للاستخدام، تحسبا لفشل المسار السياسي. ومن هنا، فإن هذه الخروقات لا يمكن قراءتها فقط كحوادث منفصلة، بل كجزء من ديناميكية أوسع تعكس غياب الثقة المتبادلة، واستمرار الحسابات العسكرية حتى في ظل إعلان التهدئة.
بين هشاشة الاتفاق وآفاق التفاوض… هدنة مؤقتة أم مقدمة لتصعيد جديد؟
إذا كانت الخروقات الميدانية قد كشفت عن هشاشة وقف إطلاق النار، فإن مضمون الاتفاق نفسه وطبيعة التوازنات التي أفرزته تطرح تساؤلات أعمق حول مستقبله، وما إذا كان يمثل خطوة نحو تسوية دائمة، أم مجرد استراحة قصيرة قبل جولة جديدة من الصراع. فالاتفاق الذي تم التوصل إليه، بوساطة متعددة الأطراف وبضغوط متبادلة، يبدو أقرب إلى هدنة تكتيكية منه إلى تسوية استراتيجية، وهو ما يفسر التباين الكبير في تفسيره والتعامل معه من قبل الأطراف المعنية.

حسب خبراء، فمن الناحية الأمريكية، يظهر أن إدارة دونالد ترامب لا تزال تتحرك ضمن إطار ما يمكن تسميته دبلوماسية الإكراه، حيث يتم الجمع بين التهديد باستخدام القوة والانخراط في التفاوض. فترامب، الذي لم يتردد في إطلاق تهديدات شديدة اللهجة حتى اللحظات الأخيرة قبل إعلان وقف إطلاق النار، يسعى إلى استخدام هذه التهديدات كأداة لتحسين موقعه التفاوضي، والحصول على أكبر قدر ممكن من التنازلات. وفي هذا السياق، تظل مصداقية التهديد الأمريكي عاملا حاسما، إذ إن استمرار التلويح بخيار الحرب قد يدفع إيران إلى التشدد، بدلا من المرونة، خاصة في ظل حساسيات داخلية تتعلق بقبول أي اتفاق ينظر إليه على أنه نتيجة لضغوط خارجية.
في المقابل، تبدو إيران منفتحة على التفاوض، ولكن ضمن حدود تحفظ مصالحها الاستراتيجية، فقد أظهرت بعض المرونة في مواقفها قبل الحرب، ويبدو أنها مستعدة لمواصلة هذا النهج إذا توفرت ضمانات كافية. غير أن الوضع الداخلي، الذي شهد تغيرات كبيرة في بنية السلطة نتيجة الحرب، قد يؤثر على قدرة صناع القرار على اتخاذ خطوات جريئة. ففي فترات التحول، تميل الأنظمة إلى الحذر، خشية تحميلها مسؤولية قرارات مصيرية قد تكون مكلفة سياسيًا. ومع ذلك، فإن وجود مؤسسات قوية، مثل المجلس الأعلى للأمن القومي، قد يوفر إطارًا لاتخاذ قرارات توافقية تقلل من المخاطر السياسية.

أما على مستوى الوساطة، فيبرز دور الصين كعامل جديد قد يعزز فرص نجاح المفاوضات، فبخلاف الوساطات السابقة التي قادتها دول إقليمية، يبدو أن بكين هذه المرة أكثر انخراطا، ولو بشكل غير مباشر عبر باكستان. ويستند هذا الدور إلى تجربة ناجحة نسبيا في التوسط بين إيران والسعودية، ما يمنح الصين قدرًا من المصداقية لدى الطرفين. كما أن مصالحها الاقتصادية، خاصة في استقرار إمدادات الطاقة، تدفعها إلى دعم أي مسار يؤدي إلى تهدئة طويلة الأمد. ومع ذلك، يبقى السؤال حول مدى قدرة الصين على فرض التزامات على الطرفين، خاصة في ظل تعقيدات الملف النووي والتوازنات الإقليمية.
في هذا الإطار، تبدو القضايا المطروحة على طاولة المفاوضات شديدة التعقيد، بدءا من البرنامج النووي الإيراني، مرورا بالوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، وصولا إلى السيطرة على مضيق هرمز. فكل من هذه الملفات يمثل عقدة تفاوضية بحد ذاته، ويصعب تصور التوصل إلى حل شامل لها في إطار زمني قصير. كما أن الفجوة بين مواقف الطرفين لا تزال واسعة، إذ تطالب الولايات المتحدة بوقف كامل لتخصيب اليورانيوم، في حين تصر إيران على حقها في ذلك. وفي ظل هذا التباعد، فإن أي تقدم في المفاوضات سيكون تدريجيًا ومشروطًا، ما يزيد من احتمال تعثرها.

ولا يمكن إغفال الدور الإسرائيلي في هذا السياق، إذ ينظر إلى تل أبيب على أنها عامل قد يعرقل أي اتفاق لا يراعي مصالحها الأمنية. فإسرائيل، التي تجد نفسها في معادلة معقدة بين الحاجة إلى الدعم الأمريكي وعدم قدرتها على منع واشنطن من التفاوض مع طهران، قد تلجأ إلى خطوات تهدف إلى تعطيل المسار التفاوضي أو خلق أجواء من عدم الثقة. وهذا ما قد يفسر بعض الخروقات الميدانية أو التصعيدات غير المباشرة التي تزامنت مع إعلان وقف إطلاق النار.
في ضوء كل هذه العوامل، يبدو أن وقف إطلاق النار الحالي يقف على أرضية هشة، وأن مستقبله مرتبط بمدى قدرة الأطراف على ترجمة الهدنة إلى مسار تفاوضي جاد. فإذا نجحت المفاوضات في تحقيق تقدم ملموس، ولو محدود، فقد يتحول الاتفاق إلى نقطة انطلاق نحو تسوية أوسع. أما إذا استمرت الخروقات، وتعثر الحوار، فإن المنطقة قد تكون بالفعل على أعتاب جولة جديدة من الصراع، ربما أكثر تعقيدا واتساعا من سابقتها.
وهكذا، يبقى السؤال مفتوحا، هل نحن أمام بداية نهاية الحرب، أم مجرد هدنة قصيرة قبل أن يقرع جرس الجولة التالية؟ الإجابة، في الوقت الراهن، لا تزال معلقة بين الميدان وطاولة التفاوض، وبين منطق القوة ومنطق التسوية.

