- زاد إيران - المحرر
- 63 Views
في خضم تصاعد التوترات الدولية وتشابك الأزمات الإقليمية، تقف المنطقة عند مفترق طرق حاسم بين مسارين متناقضين، مسار التهدئة الحذرة ومسار الانفجار المفتوح. فقد كشفت التطورات الأخيرة عن هشاشة التوازنات القائمة، وعن عمق التعقيدات التي تحكم العلاقات بين القوى المتصارعة، حيث لم تعد المواجهة مجرد صراع عسكري، بل تحولت إلى اختبار شامل للإرادات السياسية والقدرة على إدارة الأزمات.
وبين ضغوط الداخل وحسابات الخارج، تتزايد المؤشرات على أن المرحلة المقبلة لن تكون امتدادا لما سبق، بل قد تحمل تحولات نوعية تعيد صياغة المشهد برمته. وفي ظل هذا الغموض، يصبح السؤال الأكثر إلحاحا ليس فقط ما الذي حدث، بل إلى أين تتجه الأمور، وكيف يمكن قراءة ملامح المرحلة القادمة في ضوء الوقائع الراهنة.
ماذا حدث في مفاوضات إسلام آباد ولماذا فشلت؟
انتهت جولة المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة في العاصمة الباكستانية إسلام آباد في الساعات المبكرة من صباح الأحد 12 إبريل/ نيسان 2026، والتي بدأت بداية صعبة في الأساس، دون التوصل إلى اتفاق، رغم أنها جاءت في لحظة حساسة للغاية، أعقبت حربا استمرت لأربعين يوما عالية الكلفة، وهدنة مؤقتة فتحت نافذة ضيقة للأمل. هذه الجولة لم تكن مجرد لقاء تفاوضي عادي، بل كانت اختبارا حقيقيا لإمكانية الانتقال من منطق المواجهة العسكرية إلى مسار التسوية السياسية. ومع ذلك، فإن ما جرى خلف الأبواب المغلقة عكس عمق الخلافات البنيوية بين الطرفين، وأظهر أن الفجوة لا تزال أوسع من أن تردم بسهولة.

تشير التقارير الصحفية إلى أن جوهر الفشل لم يكن في غياب الرغبة في التفاوض، بل في تضارب سقوف المطالب وحدود التنازل، فإيران دخلت المفاوضات وهي ترى نفسها في موقع قوة نسبية، بعد أن تمكنت من الصمود عسكريا، والحفاظ على قدراتها الاستراتيجية، بل وفرض معادلات جديدة في المنطقة، أبرزها السيطرة الفعلية على مضيق هرمز. في المقابل، جاءت الولايات المتحدة إلى طاولة المفاوضات تحت ضغط داخلي وخارجي، فهي من جهة تريد تجنب الانزلاق إلى حرب طويلة ومكلفة، ومن جهة أخرى لا ترغب في الظهور بمظهر المتراجع أو المساوم على حساب أمن حلفائها.
الملف النووي ظل نقطة الخلاف الأكثر حساسية، فإيران تصر على حقها في الاحتفاظ بحد أدنى من تخصيب اليورانيوم داخل أراضيها، باعتباره جزءا من سيادتها وحقها في تطوير برنامج نووي سلمي، أما الولايات المتحدة تتبنى موقفا أكثر تشددا، يتمثل في ضرورة الوصول إلى صفر تخصيب، وهو مطلب تعتبره طهران غير واقعي ويعادل عمليا تجريدها من أحد أهم أوراقها التفاوضية. هذا التباين الجوهري جعل من الصعب الوصول إلى صيغة وسط، خاصة في ظل انعدام الثقة المتراكم بين الطرفين.
إلى جانب ذلك، برزت قضية مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، الذي يقدر بنحو ٤٠٠ كيلوجرام، كعامل إضافي لتعقيد المفاوضات. ففي حين كانت إيران مستعدة سابقا لتخفيف درجة تخصيبه لتقليل المخاطر المرتبطة باستخدامه عسكريا، فإن الولايات المتحدة طالبت بإخراج هذا المخزون بالكامل من الأراضي الإيرانية، وهو ما رفضته طهران باعتباره تنازلا كبيرا لا يقابله ضمان حقيقي.
أما العامل الجديد الذي دخل بقوة على خط الخلاف، فهو مضيق هرمز، الذي تحول خلال الحرب الأخيرة إلى ورقة ضغط استراتيجية بيد إيران، إذ لم يعد الأمر يتعلق فقط بحرية الملاحة، بل بمحاولة طهران إعادة صياغة النظام القانوني للمضيق، وفرض رسوم على السفن العابرة. هذا الطرح قوبل برفض أمريكي قاطع، نظرا لما يحمله من تداعيات على التجارة العالمية وأمن الطاقة، ما أضاف بعدا اقتصاديا دوليا للخلافات الثنائية.

وفي البعد الإقليمي، تباينت الرؤى بشكل حاد بشأن ما يمكن تسميته بشمولية السلام، فإيران ترى أن أي اتفاق يجب أن يتضمن وقفا شاملا للهجمات في المنطقة، بما في ذلك العمليات الإسرائيلية ضد حلفائها، وخاصة حزب الله. أما الولايات المتحدة، فترفض ربط أي اتفاق مع إيران بالسياسات الإسرائيلية، وتؤكد أن تل أبيب ستحتفظ بحرية التحرك العسكري حتى في حال التوصل إلى تفاهم مع طهران.
ورغم وجود توافق مبدئي على مبدأ رفع العقوبات، فإن الخلافات ظهرت بوضوح حول آلية التنفيذ والتوقيت، وهو ما يعكس شكوكا متبادلة حول مدى التزام كل طرف بتعهداته. فإيران تطالب برفع سريع وملموس للعقوبات، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى ربط ذلك بخطوات تدريجية يمكن التحقق منها.
كل هذه العوامل مجتمعة جعلت من الصعب تحقيق اختراق حقيقي، وأدت في النهاية إلى فشل المفاوضات في الوصول إلى اتفاق دائم. ويمكن القول إن ما حدث في إسلام آباد لم يكن انهيارا للحوار بقدر ما كان تعبيرا عن تعقيداته، حيث اصطدمت حسابات القوة بالقيود السياسية، وتداخلت الملفات النووية مع الإقليمية والاقتصادية في معادلة يصعب تفكيكها بسرعة.
ماذا سيحدث… سيناريوهات الغموض
في ضوء هذا الفشل، تقف المنطقة والعالم أمام مرحلة ضبابية تتعدد فيها الاحتمالات، وتتراوح بين التصعيد العسكري والتسوية السياسية، مرورا بحالات وسطية قد تستمر لفترة طويلة. ويمكن القول إن المشهد الحالي يتسم بحالة “تعليق استراتيجي”، حيث لا حرب شاملة ولا سلام مستقر، بل مزيج من التوتر والانتظار.
السيناريو الأول يتمثل في عودة التصعيد العسكري، وهو احتمال لا يمكن استبعاده، خاصة في ظل هشاشة وقف إطلاق النار المؤقت. فإذا انهارت الهدنة، فمن المرجح أن تكون المواجهة المقبلة أكثر شدة واتساعا، وقد تستهدف البنية التحتية الحيوية في عدة دول، وليس فقط إيران. كما أن أي تصعيد جديد قد يدفع المنطقة إلى حافة أزمة طاقة عالمية، مع ما يترتب على ذلك من تداعيات اقتصادية واسعة.

أما السيناريو الثاني، فيقوم على استمرار حالة “اللا حرب واللا سلم”، حيث يبقى وقف إطلاق النار قائما بشكل غير رسمي، دون التوصل إلى اتفاق شامل. في هذا الوضع، قد تتراجع حدة العمليات العسكرية، لكن التوتر سيظل قائما، وستبقى نقاط الاشتعال مفتوحة، خاصة في مضيق هرمز والساحات الإقليمية الأخرى. هذا السيناريو قد يكون مريحا نسبيا لبعض الأطراف على المدى القصير، لكنه يحمل في طياته مخاطر انفجار مفاجئ في أي لحظة.
السيناريو الثالث يتمثل في استئناف المفاوضات، سواء عبر وساطة باكستان أو أطراف أخرى، وهو احتمال تدعمه حقيقة أن كلا الطرفين لا يرغب في حرب طويلة، غير أن نجاح هذا المسار سيعتمد على قدرة الوسطاء على طرح حلول وسط، وعلى استعداد الطرفين لتقديم تنازلات متبادلة، وهو أمر لم تظهر مؤشراته بوضوح حتى الآن.
هناك أيضا سيناريو أكثر تفاؤلا، يتمثل في التوصل إلى اتفاق مرحلي، بدلا من اتفاق شامل. في هذا الإطار، قد يتم التركيز على خطوات محدودة، مثل تجميد بعض الأنشطة النووية مقابل تخفيف جزئي للعقوبات، أو ترتيبات أمنية مؤقتة في مضيق هرمز. مثل هذا الاتفاق قد يشكل أرضية لبناء الثقة تدريجيا، لكنه يظل عرضة للانهيار إذا لم ي ستكمل باتفاقات أوسع.
في المقابل، يبرز سيناريو آخر يرتبط بالديناميات الإقليمية والدولية، حيث قد تسعى أطراف أخرى، مثل القوى الكبرى أو الدول الإقليمية، إلى لعب دور أكثر فاعلية في إدارة الأزمة. غير أن غياب طرف قادر على فرض تسوية، كما حدث في حالات سابقة، يجعل هذا السيناريو أقل احتمالا في الوقت الراهن.

ومن زاوية أخرى، لا يمكن تجاهل تأثير العامل الداخلي في كل من إيران والولايات المتحدة. ففي واشنطن، قد تدفع الحسابات الانتخابية الإدارة إلى البحث عن إنجاز دبلوماسي، بينما قد تؤدي الضغوط الداخلية في إيران إلى تشديد المواقف أو، على العكس، إلى إبداء مرونة تكتيكية. هذه العوامل قد تعيد تشكيل مسار المفاوضات في أي لحظة.
كما أن هناك بعدا استراتيجيا يتعلق بإسرائيل، التي ترى في استمرار الضغط على إيران فرصة لتحقيق أهداف بعيدة المدى، وقد لا تكون متحمسة لأي اتفاق يعيد دمج طهران في النظام الدولي. هذا العامل قد يؤثر بشكل غير مباشر على مسار المفاوضات، سواء عبر الضغط السياسي أو من خلال التطورات الميدانية.
في النهاية، يبدو أن المستقبل القريب سيظل مفتوحا على جميع الاحتمالات، دون ترجيح حاسم لأي منها. فالحرب ليست خيارا سهلا، لكنها ليست مستبعدة، والسلام ممكن لكنه يتطلب تنازلات مؤلمة، أما الحالة الوسطية فهي الأكثر ترجيحا على المدى القصير، رغم ما تحمله من هشاشة.
بين هذه السيناريوهات، يبقى العامل الحاسم هو القدرة على بناء حد أدنى من الثقة، وهو أمر يبدو حتى الآن الأكثر صعوبة. فبدون هذا العنصر، ستظل كل الاتفاقات المحتملة مؤقتة، وكل الهدن قابلة للانهيار، وستبقى المنطقة تدور في حلقة مفرغة بين التصعيد والتهدئة، دون الوصول إلى استقرار حقيقي.

