- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 42 Views
في الخطاب السياسي والإعلامي الإيراني المعاصر لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر استراتيجي لعبور النفط وناقلات الطاقة، بل بات يقدم تدريجيا باعتباره ممرا حيويا لتدفقات البيانات العالمية والاتصالات الرقمية العابرة للقارات. ومع تصاعد التوترات الإقليمية والدولية، بدأت وسائل إعلام إيرانية مقربة من الحرس الثوري ومسؤولون سياسيون وعسكريون في الترويج لفكرة فرض رسوم على كابلات الإنترنت البحرية العابرة للمضيق، واعتبارها جزءا من السيادة الرقمية الإيرانية. هذا الطرح، رغم تعقيداته القانونية والفنية، يكشف عن محاولة إيرانية لتوسيع مفهوم الردع الجيوسياسي، عبر تحويل البنية التحتية الرقمية العالمية إلى ورقة ضغط موازية لأوراق النفط والطاقة والملاحة البحرية.
السيادة الرقمية في مضيق هرمز… سلاح جديد في الجعبة الإيرانية
جاءت البداية في هذا الأمر من سلسلة تقارير وتحليلات نشرتها وسائل إعلام مرتبطة بالحرس الثوري مثل وكالة فارس، وتسنيم، ومشرق نيوز، إلى جانب تصريحات لسياسيين وبرلمانيين ومسؤولين عسكريين إيرانيين، هذه التقارير لم تتعامل مع الكابلات البحرية باعتبارها مجرد بنية تحتية تقنية، بل قدمتها بوصفها شريانا خفيا للاقتصاد العالمي يمكن لطهران استخدامه كورقة ردع استراتيجية، تماما كما استخدمت موقعها الجغرافي لعقود كورقة ضغط مرتبطة بأسواق النفط والطاقة.

كان من أبرز التصريحات في هذا السياق ما أعلنه إبراهيم ذو الفقاري، المتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء، عبر منصة إكس، عندما قال صراحة “سنفرض رسوما على كابلات الإنترنت”، هذا التصريح لم يقدم باعتباره فكرة عابرة، بل جاء متزامنا مع نقاشات داخل البرلمان الإيراني حول مشاريع مقترحة لتنظيم عمل الكابلات البحرية العابرة لمضيق هرمز وإخضاعها لما وصفته طهران بالتراخيص والسيادة الوطنية.

كذلك، تحدث النائب الإيراني إحسان قاضي زادة هاشمي عن إعداد خطة عمل جديدة تشترط الحصول على موافقة مسبقة من الحكومة الإيرانية لأي نشاط يتعلق بالكابلات البحرية في مضيق هرمز والمياه المجاورة، سواء تعلق الأمر بتركيب الكابلات أو تشغيلها أو صيانتها أو تغيير مساراتها، وبحسب الطرح الإيراني، فإن هذه الأنشطة يجب أن تخضع أيضا لرسوم خدمات تدفع لإيران.

وفي السياق نفسه، ذهبت تقارير إعلامية إيرانية إلى المطالبة بإلزام شركات التكنولوجيا العالمية مثل جوجل، ومايكروسوفت، وميتا، وأمازون، بالعمل وفق القوانين الإيرانية إذا أرادت الاستفادة من هذه المسارات الرقمية، مع منح الشركات الإيرانية حقا حصريا في صيانة وإصلاح الكابلات البحرية العابرة للمضيق.
الإعلام القريب من الحرس الثوري لم يكتف بالمطالبة بالرسوم، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، إذ تحدث عن الحرب الجديدة على البيانات، بينما وصفت أخرى الكابلات البحرية بأنها السلاح الصامت لإيران، واعتبرت وكالة فارس أن “البيانات هي نفط القرن الحادي والعشرين”، مؤكدة أن إيران باتت تمتلك السيطرة الجغرافية على شريانين عالميين في آن واحد، النفط والبيانات.

هذه اللغة الإعلامية تعكس تحولا مهما في التفكير الاستراتيجي الإيراني، فإيران التي بنت خلال العقود الماضية جزءا كبيرا من عقيدتها الردعية على التهديد بإغلاق مضيق هرمز أو تعطيل الملاحة النفطية، بدأت اليوم تنظر إلى البنية الرقمية العالمية باعتبارها امتدادا جديدا لمفهوم الردع غير المتكافئ.
كابلات تحت البحر.. لماذا أصبحت البنية الرقمية هدفا استراتيجيا؟
لفهم خطورة النقاش الدائر حول الكابلات البحرية في مضيق هرمز، لا بد أولا من إدراك الدور المحوري الذي تلعبه هذه الكابلات في الاقتصاد العالمي الحديث. فخلافا للاعتقاد الشائع، لا يعتمد الإنترنت العالمي بشكل رئيسي على الأقمار الصناعية، بل على شبكة هائلة من كابلات الألياف الضوئية الممتدة في قيعان البحار والمحيطات، والتي تنقل أكثر من 99% من حركة البيانات الدولية في العالم.
هذه الكابلات لا تنقل فقط رسائل البريد الإلكتروني أو مقاطع الفيديو، بل تحمل أيضا المعاملات البنكية العالمية، ورسائل نظام سويفت، وتداولات البورصات، والاتصالات العسكرية، والخدمات السحابية، وأنظمة الذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية الرقمية للشركات العالمية. ولذلك، فإن أي اضطراب واسع في هذه الشبكات يمكن أن يؤدي إلى تداعيات تتجاوز مجرد بطء الإنترنت، لتصل إلى تعطيل أجزاء واسعة من الاقتصاد العالمي.

ويمثل مضيق هرمز أحد الممرات المهمة في هذه الشبكة العالمية، فهناك عدة كابلات بحرية عابرة للقارات تمر عبر الخليج العربي ومضيق هرمز، وتربط دول الخليج وآسيا بأوروبا. ومن بين أبرز هذه الكابلات فالكون، وغلف بريدج إنترناشيونال، وبحسب شركة TeleGeography المتخصصة في أبحاث البنية التحتية للاتصالات، فإن بعض هذه الكابلات تمر عبر المياه الإقليمية الإيرانية، وهو ما تستند إليه طهران في حديثها عن «الحقوق السيادية» المرتبطة بها.

ومع ذلك، تشير تقارير عديدة إلى أن المشغلين الدوليين حاولوا خلال السنوات الماضية تقليل اعتمادهم على المسارات القريبة من إيران، بسبب المخاوف الأمنية والتوترات الجيوسياسية. ولذلك جرى تمرير عدد كبير من الكابلات بمحاذاة السواحل العمانية، لتجنب المرور داخل المياه الإيرانية قدر الإمكان.
لكن حتى مع هذا التحول، يبقى مضيق هرمز ممرا حساسا للغاية بالنسبة للبنية الرقمية الإقليمية. فالمنطقة الخليجية تعتمد بشكل كبير على هذه الكابلات في تشغيل البنوك، والاتصالات، والخدمات الحكومية، ومراكز البيانات، والتجارة الإلكترونية، وشبكات الطاقة، والخدمات السحابية.
وتكمن حساسية هذه الكابلات في أن العالم الرقمي الحديث يعتمد عليها بشكل شبه كامل، فالمعاملات المالية العالمية، وأسواق الأسهم، والتحويلات البنكية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، ومنصات البث، وخدمات الحوسبة السحابية، وحتى الاتصالات العسكرية والاستخباراتية، كلها تمر عبر هذه الشبكات البحرية الممتدة في أعماق البحار. ولذلك، فإن أي اضطراب كبير في هذه الكابلات قد يؤدي إلى ما يصفه الخبراء بكارثة رقمية متسلسلة، حيث تتعرض دول الخليج لانقطاعات واسعة في الإنترنت والخدمات المصرفية، وقد تتباطأ حركة البيانات بين أوروبا وآسيا، كما يمكن أن تتأثر قطاعات كاملة مثل الذكاء الاصطناعي، والعمل عن بعد، والألعاب الإلكترونية، وخدمات البث.

بل إن بعض التقديرات تشير إلى أن الهند قد تكون من أكثر المتضررين في حال تعرضت هذه الكابلات لاضطرابات واسعة، نظرا لاعتماد قطاع التعهيد والخدمات الرقمية الهندي على الاتصال المستمر بالشبكات العالمية، كما أن شرق أفريقيا قد يواجه بدوره اضطرابات في الاتصالات والإنترنت إذا تعرضت بعض المسارات العابرة للخليج ومضيق هرمز لأي خلل واسع.
على الجانب الأخر، تؤكد تقارير تقنية أن الكابلات العابرة لمضيق هرمز تمثل أقل من 1% من إجمالي النطاق الترددي الدولي العالمي، ما يعني أن أي اضطراب لن يؤدي إلى انهيار الإنترنت العالمي بالكامل، لكنه قد يتسبب بأزمات إقليمية واقتصادية مؤثرة، خصوصا في منطقة الخليج وجنوب آسيا.
بين القانون الدولي والردع غير المتكافئ.. هل تستطيع إيران تنفيذ تهديداتها؟
ورغم الضجة الإعلامية والسياسية التي أثارها الحديث الإيراني عن فرض رسوم على الكابلات البحرية، فإن السؤال الأهم هو هل تستطيع طهران فعلا تنفيذ هذه التهديدات؟
من الناحية القانونية، تستند إيران إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، وخصوصا المادة 79 التي تمنح الدول الساحلية حق وضع شروط للكابلات أو خطوط الأنابيب التي تدخل إلى أراضيها أو مياهها الإقليمية. كما تستشهد طهران بتجربة مصر في قناة السويس، حيث تحقق القاهرة مئات ملايين الدولارات سنويا من رسوم عبور الكابلات البحرية والتراخيص المرتبطة بها.

لكن خبراء القانون الدولي يشيرون إلى وجود فروق جوهرية بين قناة السويس ومضيق هرمز، فقناة السويس ممر اصطناعي يقع بالكامل داخل الأراضي المصرية، بينما يعد مضيق هرمز ممرا طبيعيا دوليا يخضع لنظام قانوني مختلف وأكثر تعقيدا.
كما أن غالبية الكابلات البحرية الحالية تخضع بالفعل لاتفاقيات وعقود دولية قائمة، ما يجعل فرض شروط جديدة عليها أمرا بالغ الصعوبة. وحتى بالنسبة للكابلات المستقبلية، فإن أي محاولة إيرانية لفرض قيود أو رسوم أحادية قد تواجه اعتراضات دولية قوية، خصوصا من الولايات المتحدة والدول الأوروبية.

ومن الناحية العملية، تبدو قدرة إيران على تنفيذ هذه التهديدات محدودة أيضا، فشركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى تخضع لعقوبات تمنعها من إجراء مدفوعات مباشرة لإيران، ما يجعل فكرة تحصيل الرسوم شبه مستحيلة عمليا.
كما أن مراقبة الكابلات البحرية أو فرض السيطرة الكاملة عليها ليست مهمة سهلة. فالكابلات تمتد لمئات وآلاف الكيلومترات تحت البحر، وتدار عبر ترتيبات دولية معقدة بين حكومات وشركات خاصة. وأي محاولة لتخريبها أو تعطيلها بشكل متعمد قد تؤدي إلى ردود فعل دولية حادة، وربما إلى تصعيد عسكري أو عقوبات إضافية.
صحيفة الجارديان البريطانية وصفت فكرة فرض رسوم على شركات التكنولوجيا بأنها «شبه مستحيلة»، ونقلت عن مسؤول أمريكي سابق مختص بشؤون الإنترنت العالمي قوله إن التمييز بين حركة بيانات الشركات المختلفة أمر غير ممكن عمليا، وبالتالي لا توجد طريقة تقنية لفرض رسوم على شركة بعينها مقابل استخدام هذه الكابلات.

وأضاف المسؤول نفسه أن معظم هذه الكابلات لا ترتبط بإيران أساسا، بل تمر على مسافات بعيدة نسبيا من السواحل الإيرانية، وأن الوسيلة الوحيدة للضغط عليها ستكون عبر التهديد أو التخريب المباشر، وهو أمر ستكون له تبعات دولية خطيرة.
كما أشار خبراء آخرون إلى أن إيران لا تمتلك التكنولوجيا اللازمة لتنفيذ عمليات تخريب سرية واسعة النطاق ضد الكابلات البحرية في مضيق هرمز دون اكتشافها، خصوصا مع الوجود العسكري الأمريكي والدولي الكثيف في المنطقة.
لكن رغم هذه العقبات، يرى كثير من المحللين أن الهدف الإيراني قد لا يكون تنفيذ هذه التهديدات بالكامل، بل استخدامها كورقة ردع نفسية وجيوسياسية. فإيران تدرك أن مجرد إدخال البنية الرقمية العالمية إلى معادلات التهديد في مضيق هرمز يكفي لإثارة القلق لدى الأسواق والشركات والدول الغربية.
من النفط إلى البيانات.. هل يدخل العالم عصر الجغرافيا الرقمية؟
تكشف النقاشات حول كابلات الإنترنت في مضيق هرمز عن تحول مهم في طبيعة الصراعات الجيوسياسية، إذ لم تعد المنافسة الدولية تقتصر على النفط والطاقة، بل امتدت إلى البنية التحتية الرقمية التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي. وفي هذا السياق، تسعى إيران إلى توظيف موقعها الجغرافي ضمن مفهوم الجغرافيا الرقمية، عبر تقديم مضيق هرمز كممر حيوي للبيانات والاتصالات الدولية، وليس فقط للطاقة.
ويعكس هذا التوجه إدراكا إيرانيا متزايداً لأهمية التحكم في تدفقات البيانات والتكنولوجيا، بالتوازي مع سباق عالمي على الكابلات البحرية وشبكات الاتصال والذكاء الاصطناعي. ورغم العقبات القانونية والتقنية التي تجعل تنفيذ هذه الطروحات صعباً، فإن مجرد طرحها يؤكد أن الإنترنت والبنية الرقمية أصبحا جزءا أساسيا من معادلات الردع والصراع الدولي في عالم يتزايد فيه الاعتماد على الاقتصاد الرقمي.

