- محمود شعبان
- 461 Views
أجرت صحيفة «إيران»، الثلاثاء 2 سبتمبر/أيلول 2025، حوارا مع حامد وفائي، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة طهران، تناول أبعاد زيارة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لبكين للمشاركة في قمة منظمة شنغهاي للتعاون، واللقاءات الثنائية مع كبار مسؤولي الحزب الشيوعي الصيني، إضافة إلى الحضور في العرض العسكري الرمزي بساحة «تيان آن من».
وفي ما يلي نص الحوار:
في ظل الوضع المعقد لعلاقات إيران مع الولايات المتحدة والغرب وإسرائيل، كيف يمكن تحليل أهمية حضور بزشكيان في قمة منظمة شنغهاي من المنظور الاستراتيجي والسياسي والأمني؟
لا يمكن اعتبار زيارة الرئيس الإيراني بزشكيان الأخيرة إلى الصين في إطار قمة منظمة شنغهاي للتعاون مجرد حضور بروتوكولي أو عادي؛ إذ إن هذه الزيارة جاءت في ظروف خاصة أعقبت الحرب الإيرانية – الإسرائيلية، ولهذا اكتسبت أبعادا سياسية وأمنية ورمزية خاصة.
وتزداد أهمية هذه الزيارة إذا علمنا أن الصين وضعت أمام طهران ثلاثة مسارات متوازية ومتكاملة: الأول، المشاركة في قمة شنغهاي كمنظمة للتعاون الأمني الإقليمي؛ الثاني، تعزيز العلاقات الثنائية بين إيران والصين؛ والثالث، الدعوة إلى حدث عسكري رمزي في بكين.
على الصعيد الثنائي، كان من المقرر أن يلتقي الرئيس الإيراني بزشكيان بالرئيس الصيني شي جين بينغ، غير أن ما يكتسب أهمية أكبر هو حواره المفصل مع كبار مسؤولي الحزب الشيوعي الصيني.
هذا الأمر يُظهر أن بكين تولي اهتماما خاصا بالعلاقات مع إيران في المرحلة الحساسة التي تلت الحرب الأخيرة، بل وفتحت قناة خاصة لهذا الغرض، بينما كان بوسعها أن تحصر الزيارة في إطار قمة شنغهاي فقط.
وعلى المستوى المتعدد الأطراف، فإن الحضور في قمة شنغهاي له أهمية بحد ذاته، لكن اقترانه باللقاءات الثنائية أضفى على هذه الزيارة معنى جديدا، وحوّلها إلى أداة لإعادة تعريف موقع إيران في المعادلات الإقليمية.
أما المسار الثالث فيحمل بعدا رمزيا؛ إذ يتعلق بالعرض العسكري الذي يُقام كل بضع سنوات في ميدان «تيان آن من» بمناسبة ذكرى انتصار الصين على اليابان في الحرب العالمية الثانية.
هذا العام، يشارك في المراسم زعيم كوريا الشمالية، فلاديمير بوتين، وقادة جمهوريات آسيا الوسطى، كما دُعي بزشكيان إلى جانب رؤساء بيلاروس وباكستان.
ورغم أن إيران لم يكن لها دور مباشر في تلك الحرب، فإن الدعوة الرسمية من بكين في هذا التوقيت تحمل دلالات سياسية ورمزية جديدة، وتشير إلى مسعى الصين لتسليط الضوء على دور إيران في المعادلات الآسيوية والدولية.

ما تأثير هذا الجهد في إعادة تعريف موقع إيران في نظر الشرق والغرب؟
حضور بزشكيان إلى جانب فلاديمير بوتين، وزعيم كوريا الشمالية، ورئيس بيلاروس، وقادة جمهوريات آسيا الوسطى على شرفة ساحة «تيان آن من» لمشاهدة العرض العسكري الذي تُعرض فيه أحدث الأسلحة المتطورة الصينية، يحمل رسالة خاصة ورمزية.
هذا الحضور ليس مجرد احتفال استعراضي أو متابعة لعدد من الطلعات الجوية، بل يعكس الموقع الذي حصلت عليه إيران في المعادلات الأمنية والسياسية الإقليمية والدولية، وهو موقع يستدعي اهتماما خاصا.
وفي هذا السياق، هناك عدة نقاط مطروحة: النقطة الأولى تتعلق بدور منظمة شنغهاي للتعاون، فهذه المنظمة هي في الأصل مؤسسة أمنية إقليمية، لكنها في السنوات الأخيرة أولت الشؤون الاقتصادية اهتماما أكبر، ولا سيما أن الربط بين «الأمن والاقتصاد» تحوّل إلى المحور الأساسي لجدول أعمالها.
قضايا مثل العقوبات، وسبل مواجهة الضغوط الاقتصادية، وخلق طاقات اقتصادية مشتركة من بين أبرز الموضوعات التي تركز عليها المنظمة. بالنسبة لإيران، يوفّر هذا الإطار فرصة مهمة لتمكينها من إجراء مفاوضات فعّالة وبنّاءة سواء على المستوى المتعدد الأطراف مع الدول الأعضاء أو في اللقاءات الجانبية.
النقطة الأخرى أن أهمية قمة شنغهاي تتضح أكثر إذا نظرنا إلى تركيبة الدول المشاركة، فإلى جانب الصين وروسيا باعتبارهما الركيزتين الأساسيتين للمنظمة، هناك دول مثل الهند، والسعودية، وباكستان، وجمهوريات آسيا الوسطى تشارك أيضا في الاجتماعات.
هذا التنوع السياسي والجغرافي يتيح لإيران فرصة ثمينة لتعزيز موقعها ضمن محور الشرق، وفي الوقت نفسه الاستفادة من الطاقات الأمنية والاقتصادية للمنظمة من أجل تقليص ضغوط الغرب وفتح مسارات جديدة في العلاقات الإقليمية.
إلى أي مدى يمكن اعتبار زيارة بزشكيان فرصة استراتيجية لتعزيز الأمن الاقتصادي وتقوية الردع الإقليمي لإيران؟
تمثل هذه الزيارة لإيران من عدة زوايا فرصة مهمة وخاصة، أولا، من زاوية الأمن الاقتصادي، حيث يمكن أن تكتسب أهمية مضاعفة في أجواء ما بعد آلية الزناد والضغوط المرتبطة بها، فمنظمة شنغهاي توفّر أرضية لإيران كي تستكشف طاقات جديدة للتخفيف من الضغوط الاقتصادية والعثور على بدائل من خلال التعاون الإقليمي.
الزاوية الثانية تعود إلى بُعد الردع في مواجهة أي اعتداء محتمل من جانب الكيان الإسرائيلي، وحتى إذا افترضنا أن الظروف لا تسمح بخلق ردع كامل، فإنه يمكن على الأقل رفع تكلفة مغامرات تل أبيب بشكل كبير.
ففي إطار المعادلات المتعددة الأطراف، يمكن للبيانات المشتركة، والإجراءات القانونية، بل وحتى التوافقات السياسية في إطار منظمة شنغهاي، أن تجعل أي عمل عسكري محتمل من جانب الكيان الإسرائيلي مكلفا أكثر بكثير مما هو في الظروف العادية.
بوجه عام، فإن القنوات التي فُتحت أمام إيران خلال هذه الزيارة تُعتبر، في الظروف الخاصة التي أعقبت حرب إيران وإسرائيل، فرصة ذهبية ولا مثيل لها بالنسبة للجهاز الدبلوماسي والحكومة.
هذه الفرصة يمكن متابعتها ليس فقط على مستوى العلاقات الثنائية مع القوى الكبرى، بل أيضا على المستوى المتعدد الأطراف، وكذلك ضمن إطار منظمة أمنية إقليمية مثل شنغهاي، بما قد يحقق مكاسب مهمة.
ومن المتوقع أن تتمكن الحكومة من استثمار هذه الطاقات لتكون مشاركتها في القمة فاعلة وذات نتائج ملموسة، مشاركة تحمل رسالة ردع واضحة، وتفتح في الوقت نفسه مسارات جديدة للتعاون الاقتصادي والأمني.

بالنظر إلى الظروف التي أعقبت الحرب والقيود القائمة، كيف يمكن تعريف دور الصين بوصفها شريكا لتعزيز الموقع الجيوسياسي؟
إحدى النقاط المهمة في النقاش الثنائي مع الصين هي أن هذه الزيارة لا تُعدّ فرصة للتفاوض التفصيلي حول المشاريع المشتركة بين إيران والصين، بل تمثل أساسا أرضية لطرح القضايا الاستراتيجية والحيوية لإيران في الظروف الراهنة لما بعد الحرب؛ ظروف لا يمكن وصفها بأنها حرب شاملة ولا سلام كامل.
في هذا المناخ، يشكل اللقاء مع شي جين بينغ وسائر القادة البارزين في الحزب الشيوعي الصيني فرصة قيّمة للإعلان عن عزم إيران في مجال التعاون الاستراتيجي مع الصين بوصفها قوة عالمية.
لقد كشفت الحرب الأخيرة الكثير من الأمور للمسؤولين في البلاد، وأوضحت أن لا مجال اليوم لتوقع دعم جاد من الولايات المتحدة وأوروبا؛ فأمريكا هي من قصفت طهران، وأوروبا لم يكن لها دور فاعل في الدعم الاقتصادي.
في مثل هذه الأوضاع، تكتسب الصين ـ بما أنها تملك زمام سلسلة القيمة العالمية ـ أهمية خاصة، ومن الضروري أن تحدد إيران لنفسها نصيبا من هذه السلسلة.
إن مبادئ التعاون مع الصين تقوم على المزج بين الأبعاد الاقتصادية والأمنية والسياسية.
ومن غير الواقعي أن نتوقع من الصين التدخل المباشر في القضايا الأمنية لإيران، لكن إذا تمكّنا من تثبيت نصيب لنا من سلسلة القيمة الخاصة بهذه الدولة، والدخول في تفاعل ضمن إطار التعاون الاستراتيجي الاقتصادي – الجيوسياسي، سيكون بالإمكان تعزيز الردع الجيوإستراتيجي والأمني عبر أدوات الصين وقدراتها الجيو-اقتصادية.
صحيح أن هذه الزيارة لا تسمح بتقديم خطط مفصلة إلى الصين، لكن يمكن لإيران أن تعلن عزمها لبدء مرحلة جديدة في العلاقات مع بكين أمام مسؤوليها.
إن رسالة واضحة، موجزة وصريحة في هذا المجال، قد تشكل نقطة انطلاق مفصلية للتعاون الاستراتيجي وترسيخ موقع أقوى لإيران في الساحتين الاقتصادية والجيوسياسية مع الصين.
في ظل هذه الأوضاع، أي دور وتأثير يمكن تصوره للمحادثات والتنسيقات الثنائية والمتعددة الأطراف التي يجريها الرئيس الإيراني مع القوى الآسيوية؟
يبدو أن نقل الرسالة من قبل الرئيس الإيراني إلى زعيم الصين عبر كبار مسؤولي النظام، يمكن أن يفتح أفقا جديدا للحوار المستقبلي.
وما يجري حاليا يعكس أهمية وجدية الحضور الإيراني في هذه القمة، كما أن البرنامج الذي أُعد لبزشكيان يدل على ترحيب خاص من جانب الصين.
وإذا كان حضور المؤتمرات، مثل الجمعية العامة للأمم المتحدة، يقترن عادة بلقاءات جانبية، فإن ثقل قمة شنغهاي يتركز على القمة نفسها وخطاب الرئيس الإيراني، غير أن القنوات الثنائية والمتعددة الأطراف قد فُعّلت أيضا، ما يوفر في الظروف الحالية للبلاد طاقات مهمة يمكن استثمارها في القضايا النووية والمفاوضات.
وعلى وجه الخصوص، فقد أُتيحت فرصة للتنسيق بين إيران وروسيا والصين على هامش القمة، وهو ما يمكن أن يبرز أن طهران لديها حوار وتعاون استراتيجي مع هاتين الدولتين.
ومن جهة أخرى، فإن استغلال بعض الدول الأوروبية لأطر الاتفاق النووي من دون مراعاة تطورات المنطقة واعتداءات الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي على حقوق إيران كعضو في معاهدة عدم الانتشار، قد خلق ظرفا تمكّن طهران من خلاله، بالاستفادة من إمكانات الصين وروسيا، من إعداد هجوم قانوني مضاد في مجلس الأمن.
هذه الإمكانات تعتمد على مستوى المفاوضات والتنسيقات العليا لإيران مع الصين وروسيا، وإن مشاركة إيران النشطة في القنوات المتعددة الأطراف ضمن شنغهاي يمكن أن توفر أرضية مناسبة لدفع هذه الأهداف قُدما.

