مجاهدين خلق: الوجه الآخر للمعارضة الإيرانية

كتب: برهان محمودي

يُعرف الأسبوع الأخير من شهر أغسطس/آب في التقويم الرسمي الإيراني بـأسبوع الحكومة”، وهو مناسبة استُحدثت تكريما لعطاء رجال الدولة بعد الثورة الإسلامية، وإحياء لذكرى شخصيتين بارزتين: الشهيد محمد علي رجائي، رئيس الجمهورية آنذاك، والشهيد محمد جواد باهنر، رئيس الوزراء الأسبق.

ويمثل هذا الأسبوع رمزا للإخلاص في خدمة الوطن، غير أنه ارتبط في ذاكرة الإيرانيين بواحد من أكثر أحداث تاريخهم المعاصر إيلاما: تفجير مبنى رئاسة الوزراء في 30 أغسطس/آب 1981. فقد نفّذ العملية مسعود كشْميري، وهو عنصر متسلّل من منظمة مجاهدين خلق، ما أسفر عن استشهاد رجائي وباهنر وعدد من المسؤولين الآخرين، موجّها ضربة قاسية إلى النظام الفتي للجمهورية الإسلامية آنذاك.

Image

هذا الانفجار، الذي سُجِّل كواحد من أكثر الهجمات الإرهابية صدمة في تاريخ إيران، لم يزجّ بالبلاد في أزمة عميقة فحسب، بل كان أيضا شرارة لموجة من العنف وانعدام الأمن حوّلت ثمانينيات القرن الماضي إلى إحدى أكثر الفترات دموية في التاريخ المعاصر لإيران. 

ومن ثمّ، أُطلق على يوم 30 أغسطس/آب “اليوم الوطني لمكافحة الإرهاب”؛ تخليدا لضحايا العمليات الإرهابية، وتجسيدا لعزم إيران على مواجهة جماعات مثل منظمة مجاهدين خلق، التي خلّفت بسلسلة من العمليات الإرهابية – من التفجيرات إلى التعاون مع العدو الخارجي في حربها مع نظام البعث العراقي – جروحا غائرة في جسد المجتمع الإيراني.

واليوم، وبعد أكثر من أربعة عقود على تلك الأحداث، ما زالت الأسئلة والروايات حول دور منظمة مجاهدين خلق في إرهاب ثمانينيات القرن الماضي حاضرة في الذاكرة الجمعية للإيرانيين، من تفجير مقر حزب الجمهورية الإسلامية إلى عملية مرصاد، وصولا إلى محاولات التخريب النووي. 

إن تقاطع أسبوع الحكومة مع ذكرى شهداء الإرهاب واليوم الوطني لمكافحة الإرهاب يشكّل مناسبة لإعادة قراءة تلك الوقائع، لا بوصفها جزءا من التاريخ السياسي لإيران فحسب، بل كتجربة ما زالت أصداؤها تتردّد في وجدان المجتمع الإيراني، وتؤكّد على تضحيات الضحايا وعلى العزم الوطني لمواجهة العنف المنظّم.

قال سروش موسى بور، الموظف المتقاعد من أحد البنوك:
“ما زلت أذكر يوم تفجير مبنى رئاسة الوزراء. كنّا نرى في محمد علي رجائي واحدا منّا؛ فقد قرّبته إلينا بساطته وزهده، وفي خضمّ موجة الاغتيالات خلال ثمانينيات القرن الماضي، حيث كنا نسمع يوميا أخبار استشهاد أقارب وأصدقاء، جاء تفجير مبنى رئاسة الوزراء ليضاعف حزن الناس جميعا. وكان السبب في كل هذه المآسي منظمة مجاهدين خلق، التي سعت إلى فرض أفكارها الراديكالية على المجتمع”.

في 30 أغسطس/آب 1981، عند الساعة الثالثة بعد الظهر، كان اجتماع المجلس الأعلى للأمن القومي منعقدا في مبنى رئاسة الوزراء بشارع باستور في طهران، بحضور محمد علي رجائي ومحمد جواد باهنر. 

لم تكن إيران قد استعادت أنفاسها بعد من صدمة تفجير 28 يونيو/حزيران من العام نفسه في مقرّ حزب الجمهورية الإسلامية، الذي أودى بحياة آية الله سيد محمد بهشتي، رئيس المحكمة العليا، و72 شخصا آخر. وقد نفّذ العملية محمد رضا كلاهي، وهو عنصر متسلّل من منظمة مجاهدين خلق، كان يعمل فنّيا في الحزب، ولاذ بالفرار بعد التفجير قبل أن يُغتال بعد سنوات في هولندا.

Image

أما مسعود كشْميري، أمين عام المجلس وعضو منظمة مجاهدين خلق المتخفّي، فقد وضع – على عادته – جهاز التسجيل وحقيبته اليدوية على الطاولة قرب رجائي وباهنر، وقدّم الشاي، وتبادل حديثا قصيرا مع أحد المسؤولين، ثم خرج من القاعة. وبعد لحظات دوّى انفجار هائل هزّ المبنى، فاستُشهد رجائي وباهنر على الفور، فيما تُوفي عبد الحسين دفترِيان، المدير العام للشؤون المالية والإدارية، بعدما علق في المصعد واختنق، كما قُتل أحد المارّة المسنّين قرب المبنى.

في البداية، كان يُعتقد أنّ مسعود كشْميري قد قُتل أيضا في الانفجار، حتى إنّ أجزاء من جثث ضحايا آخرين دُفنت باعتبارها بقاياه، غير أنّ الحقيقة سرعان ما انكشفت بعد أيام؛ إذ تبيّن أن كشْميري، الذي استطاع من خلال التسلّل إلى النظام أن يحظى بثقة كبار المسؤولين، هو العقل المدبّر للعملية، وأنه فرّ من إيران بمساعدة شبكة منظمة مجاهدين خلق. وتشير التقارير الاستخباراتية إلى أنّه التحق بمعسكر أشرف في العراق، ثم شوهد لاحقا في أوروبا، بينما تحدّثت شائعات غير مؤكَّدة عام 2023 عن مقتله في هجوم بضواحي باريس.

لقد أوقع تفجير مبنى رئاسة الوزراء، الذي وقع بعد أسابيع قليلة من انتخاب محمد علي رجائي رئيسا للجمهورية، إيران في حالة من الذهول وأدخل طهران في فراغ مؤقت. وكان الحدث غير مسبوق، إذ أودى بحياة الرجلين الأول والثاني في السلطة التنفيذية. وقد أثار التفجير ردود فعل واسعة داخل إيران وخارجها، فيما حمّلت وسائل الإعلام الغربية منظمة مجاهدين خلق المسؤولية عن الهجوم نظرا لامتلاكها مخازن أسلحة وخبرة في التخطيط لعمليات إرهابية. 

في المقابل، زعمت بعض المصادر أنّ وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) وأبو الحسن بني صدر، الرئيس المعزول، كانا متورّطَين في العملية وتعاونا مع مجاهدين خلق لتنفيذها.

Image

وتروي معصومة رادمهر، البالغة من العمر 62 عاما:
“كنتُ شابة حديثة الزواج عند وقوع التفجير، الجميع كان حزينا، مجاهدين خلق كانوا يتوهّمون أنهم بهذه الأعمال سيُبعدون الناس عن الثورة، لكنهم لم يعلموا أنهم في الحقيقة زادوا من وحدتنا، وحتى اليوم، كلما سمعت أخبارا عنهم، يرتجف قلبي من حجم الخيانة التي ارتكبوها بحق إيران”.

كان محمد علي رجائي، ببساطته وقربه من الناس، ومحمد جواد باهنر، بدوره المحوري في تثبيت أركان النظام، من أبرز الشخصيات الشعبية والمؤثرة في مسار الثورة الإسلامية، وقد جعل استشهادهما من أسبوع الحكومة رمزا للتضحية من جهة، وتذكيرا دائما بتهديدات منظمة مجاهدين خلق الإرهابية من جهة أخرى؛ تلك المنظمة التي، رغم ادعائها بأنها مجرد “معارضة للنظام”، لم تتوقف منذ الأيام الأولى للثورة عن استهداف الشعب الإيراني والبنية التحتية للبلاد.

جاء إطلاق تسمية 30 أغسطس/آب “اليوم الوطني لمكافحة الإرهاب” ردا على هذه الجريمة وسلسلة الهجمات التي ارتكبتها المنظمة، والتي، بذريعة زعزعة النظام، أودت بحياة آلاف الأبرياء وسعت إلى نشر الفوضى وانعدام الأمن في إيران.

وتقول محدثة شريعت ‌مدار، طالبة تبلغ من العمر 24 عاما:
“منظمة مجاهدين خلق لا تعرف أي خطوط حمراء؛ فقد استهدفت الأبرياء وهاجمت البنية التحتية لإيران، وارتبطت مصالحها بأعداء البلاد، ولهذا السبب لم يكن لها يوما أي تأييد شعبي، بل ظلّت تقتصر على أعضائها القدامى القلائل الذين بلغ معظمهم سن التقاعد، وما زالوا يواصلون أنشطتهم في الظل”.

Image

تأسست منظمة مجاهدين خلق في 6 سبتمبر/أيلول 1965 على يد محمد حنيف نجاد وسعيد محسن وعلي أصغر بديع زادكان، بهدف معلن آنذاك هو مقاومة نظام الشاه، وخلال سبعينيات القرن الماضي، اشتهرت المنظمة بمزيج من الأيديولوجيا الإسلامية والماركسية، وباغتيال المستشارين الأميركيين وتنفيذ عمليات تفجير ضد منشآت تابعة للنظام البهلوي، غير أن انحرافها نحو الماركسية وما تلاه من تصفيات داخلية دامية أفقدها دعم القوى الدينية، ولا سيما رجال الدين.

وبعد ثورة 1979، سعت المنظمة بداية إلى التعاون مع النظام الجديد، لكن الخلافات السياسية والفكرية، خاصة بعد عزل أبو الحسن بني صدر من رئاسة الجمهورية في يونيو/حزيران 1981، دفعتها إلى العمل المسلح ضد الجمهورية الإسلامية. وقد وصفها الإمام الخميني بسبب فكرها “الانتقائي” وأعمالها الدموية بأنها منافقون، وهو توصيف ترسّخ منذ ذلك الحين في الثقافة السياسية الإيرانية بوصفه رمزا للخيانة.

يقول حمزة مصطفوي، وهو معلم في الـ39 من عمره:
“المنافقون اغتالوا شخصيات دينية مثل آية الله صدوقي وهو قائم في المحراب يؤمّ المصلين، لأنهم كانوا يدركون مكانته الشعبية ومحبّة الناس له، ومع كل ما ارتكبوه من جرائم لمحاولة شقّ الصف بين الشعب والحكومة، فإن مجاهدين خلق لم يملكوا يوما أي قاعدة اجتماعية في إيران، فمظاهرهم الكاذبة لم تستطع أبدا أن تخدع الرأي العام أو تجذب ثقة الناس”.

لقد شكّلت ثمانينيات القرن الماضي مرحلة عنف غير مسبوقة في إيران، كانت منظمة مجاهدين خلق في قلبها. وتشير التقارير إلى أنّها مسؤولة عن اغتيال أكثر من 12 ألف شخص، من كبار المسؤولين إلى المواطنين العاديين. وإلى جانب تفجير مقرّ حزب الجمهورية الإسلامية ومبنى رئاسة الوزراء، نظّمت المنظمة سلسلة اغتيالات استهدفت رجال دين ونوابا في البرلمان، وحتى تجّارا ومواطنين بسطاء لمجرد الاشتباه في أنهم يناصرون الثورة ويتبعون خط الإمام الخميني.

Image

قال علي أكبر همايوني، أحد تجار طهران القدامى:
“في ثمانينيات القرن الماضي كان السوق يغشاه الخوف، كل من كان يُعرف بتأييده للثورة كان هدفا للمنافقين، يكفي أن تضع صورة الإمام الخميني في متجرك لتصبح عرضة للهجوم، ورغم الحذر الشديد لم نكن نشعر بالأمان”.

أما محسن نوروزي، وهو من باعة الأقمشة في السوق، فيروي:
“أحد زملائنا الذين اغتالتهم عناصر المنافقين كان الشهيد السيد مجتبى هاشمي، كان مجتبى يمدّ يد العون للناس بطرق شتى، فكان يبيع في متجره الخاص بالملابس بضائع نادرة بأقل من قيمتها الحقيقية، وحوّل متجره إلى تعاونية الوحدة الإسلامية، المدارس التي تضم طلبة محتاجين كانت تقصده للحصول على أوشحة وعباءات وأحذية. وفي 18 مايو/أيار 1985، حضر إليه عدد من عناصر المنافقين وقت إغلاق المحل مدّعين أنهم جاؤوا من مكان بعيد لشراء أوشحة وعباءات، رفع مجتبى باب المتجر وفتح الباب لهم، لكنهم ما إن دخلوا حتى أطلقوا عليه عدة رصاصات من الخلف، فسقط شهيدا في مكانه”.

من بين أبرز محاولات منظمة مجاهدين خلق داخل إيران، كانت محاولة اغتيال آية الله علي خامنئي،  فقبل يوم واحد من تفجير مقرّ حزب الجمهورية الإسلامية، تعرّض آية الله خامنئي في مسجد أبوذر بطهران لمحاولة تفجير بوساطة جهاز تسجيل مفخّخ، أسفر عن إصابته البليغة في يده اليمنى، وقد ثبُت لاحقا أن العملية كانت من تخطيط إحدى الوحدات التنفيذية للمنظمة.

Image

وفي صيف عام 1987، وبعد قبول إيران بقرار مجلس الأمن رقم 598 وانتهاء الحرب مع نظام صدام حسين، شنّت منظمة مجاهدين خلق بدعم مباشر من الجيش العراقي عملية عسكرية أطلقت عليها اسم “فروغ جاويدان” (الضياء الخالد) وكان هدفها السيطرة على مدن إستراتيجية في إيران تمهيدا لإسقاط النظام. 

قد دخلت المنظمة عبر حدود قصر شيرين بحوالي 7500 مقاتل مدعومين بـ 1300 دبابة ومدرعة، وتوغّلوا حتى مسافة 34 كيلومترا من مدينة كرمانشاه،  لكن عند ممرّ تشهار زبر واجهتهم القوات الإيرانية بقيادة الشهيد علي صياد شيرازي في عملية مضادّة سُمّيت “مرصاد”، حيث دمّرت مروحيات وطائرات إف-5 الأعمدة المدرعة للمنظمة، وأوقفت تقدّمها نهائيا.

ويقول عباس علي مرداني، سائق أجرة يبلغ 32 عاما:
“لقد أثبت المنافقون في عملية مرصاد أنهم على استعداد للتحالف مع أعداء إيران في سبيل مصالحهم الخاصة، ورغم أنني لم أعش أجواء الحرب بنفسي، فإنني أشعر دائما بوقع تلك الخيانة الكبرى، ولا أجد مبررا لأعمال المنافقين الذين يزعمون أنهم معارضة سياسية”.

وصف الرئيس الإيراني آنذاك علي أكبر هاشمي رفسنجاني عملية فروغ جاويدان” التي نفّذتها منظمة مجاهدين خلق بأنها «مغامرة حمقاء»، وقال: “لقد تلقّى المنافقون ضربة قاسية، وكان إعدادهم للتوجّه نحو طهران ضربا من السذاجة”.

Image

وبعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003، غادرت المنظمة معسكرها الرئيسي في أشرف بالعراق وانتقلت إلى ألبانيا، حيث أنشأت معسكرا جديدا يُعرف بـ أشرف 3 قرب مدينة دورس. وفي يونيو/حزيران 2023، داهمت الشرطة الألبانية المعسكر واعتقلت عددا من عناصر المنظمة بتهمة غسل الأموال والأنشطة السيبرانية المعادية لإيران، وقد كشفت الوثائق المضبوطة أدلة على تنفيذ عمليات تخريبية منظّمة.

يقول مهدي نائيني، بائع فاكهة يبلغ من العمر 46 عاما:
“الهجوم الذي شنّته الشرطة الألبانية على معسكر المنافقين واعتقال بعض أعضائه أدخل البهجة إلى قلوب الناس، فقد ساعد ذلك على تقويض صورة مجاهدي خلق التي حاولوا ترسيخها عالميا رغم تورطهم المستمر في أنشطة معادية لإيران، وكان بمثابة بارقة أمل وتخفيف للآلام بالنسبة لأبناء الشعب الذين اكتووا طويلا بجرائمهم الإرهابية”.

أسبوع الحكومة و”اليوم الوطني لمكافحة الإرهاب” يشكّلان فرصة للتأمل في المسار الذي قطعته إيران وسط أزمات وتحديات العقود الماضية، فهذان اليومان لا يقتصران على استذكار التضحيات وفقدان الأبرياء، بل يحملان أيضا رسالة لإعادة التفكير في أهمية صون السلم والأمن في مواجهة كل أشكال العنف والتطرف.

ومن خلال نظرة إلى الماضي، يمكن استخلاص دروس تعين على مراجعة مرحلة مضطربة والتأمل في الجراح التي خلّفتها منظمة مجاهدي خلق في جسد الوطن، فهذه الأيام، إلى جانب إحياء ذكرى تضحيات شهداء أمثال محمد علي رجائي ومحمد جواد باهنر ومحمد بهشتي، تذكّر بضرورة اليقظة تجاه الأيديولوجيات المتطرفة وأعمال العنف التي مارستها المنظمة، بدءا من الاغتيالات في ثمانينيات القرن الماضي وصولا إلى التعاون مع أعداء الخارج، وهي أفعال كبّدت الشعب الإيراني أثمانا باهظة.