أزمة الإسكان في إيران بين السياسات الخاطئة وغياب التنمية المتوازنة

نشرت وكالة أنباء دانشجو، الأحد 7 سبتمبر/أيلول 2025، تقريرا ذكرت فيه أنه منذ تسعينيات القرن العشرين دخل سوق الإسكان في إيران مرحلة مضطربة، لكن ما نشهده اليوم لم يعد يوصف إلا بالأزمة أو حتى الأزمة الكبرى، وهذا السوق، الذي ما زال يعاني من الضغوط السعرية والاكتظاظ السكاني، هو نتيجة سنوات من السياسات الخاطئة والجمود في إدارة هذا القطاع الحيوي. 

وأضافت الوكالة أن “من أبرز الأخطاء الجسيمة في السياسات العامة تجاهل التنمية الحضرية المتوازنة، وربط النمو العمراني بمناطق محدودة وصغيرة، الأمر الذي فاقم مشاكل السكن وزاد من حدة الكثافة السكانية في المدن الكبرى”.

وتابعت أن “هذه الأخطاء في السياسات أدت إلى فجوة عميقة بين قدرة الناس الشرائية وأسعار المساكن، لكن الأسوأ في هذا السياق هو الانشغال بالقضايا الجانبية بدلا من التركيز على جذور المشكلة، ومن بين هذه القضايا التي حظيت باهتمام كبير مسألة خروج الأجانب من إيران”. 

وأردفت أنه “منذ بداية صيف 2025، ومع اتخاذ قرار ترحيل المقيمين غير الشرعيين، زعم بعض المحللين ووسائل الإعلام أن هذا الإجراء يمكن أن يكون العامل الرئيس في السيطرة على أزمة سوق الإسكان”.

الوجود أو الخروج؛ حلّ خاطئ لمشكلة أعمق

أوضحت الوكالة أنه “بعد الحرب التي استمرت 12 يوما وقرار الحكومة بإعادة المقيمين غير الشرعيين إلى بلدانهم، اعتبرت بعض التحليلات ووسائل الإعلام هذه الخطوة عاملا رئيسيا في خفض أسعار المساكن، وفي مدن مثل طهران وضواحيها، حيث يقيم عدد كبير من الأجانب، ترسخ الاعتقاد بأن رحيلهم يمكن أن يساهم في ضبط الأسعار”. 

وضربت مثالا بما قاله رئيس اتحاد مكاتب الاستشارات العقارية في محافظة أصفهان مهدي حجازي، من أن “جزءا من المنازل التي استأجرها الأجانب غير الشرعيين لم تكن مناسبة من حيث الجودة والظروف المعيشية لسكن مواطنينا وأبناء مدينتنا، ومع ذلك، لا يمكن القول إن خروج هؤلاء الأفراد كان بلا تأثير على السوق”. 

وأكَّدت أنه “حتى تلك الوحدات غير المثالية كانت تؤجر بأسعار مرتفعة وغير متناسبة مع مبالغ رهن ثقيلة، وقد أصبح هذا الأمر تدريجيا أساسا لزيادة الأسعار في باقي قطاعات سوق الإسكان”.

وأبرزت أن “التحليلات المتخصصة تُظهر أن وجود هؤلاء الأفراد أو خروجهم لم يكن له أي تأثير يُذكر على سوق الإسكان، فوفقا للدراسات، بلغ متوسط سعر المتر المربع من المساكن في طهران قبل اندلاع الحرب التي استمرت 12 يوما، نحو 107 ملايين ريال إيراني، أي نحو (2543 دولارا أمريكيا)”. 

وبيَّنت أنه في شهر يوليو/تموز 2025 انخفض هذا الرقم بشكل طفيف إلى نحو 101 مليون ريال، أي نحو (2401 دولار)، أي تراجع بحدود 6 ملايين ريال أي انخفض بنحو (142 دولارا) أو ما يعادل 5.6%، وهو انخفاض لم يُحدث أي تغيير جوهري في السوق.

البيانات وحقائق سوق الإسكان
أفادت الوكالة بأنه :من اللافت أن المدن المحيطة بطهران مثل إسلامشهر ومدينة قدس، التي كانت تضم أكبر كثافة من الأجانب، لم تشهد أي تقلبات ملحوظة في الأسعار، حيث واصل سوق الإسكان فيها مساره الطبيعي، وبعبارة أخرى، وعلى عكس ما رُوّج له بشكل واسع في وسائل الإعلام، فإن خروج الأجانب لم يكن له أي أثر ملموس على خفض أسعار المساكن”.

وأبلغت أن “مسار سوق الإسكان في طهران وضواحيها ظل مستقرا خلال الأشهر الأخيرة، ووفقا لبيانات مركز الإحصاء، لم يتغير متوسط الإيجارات في هذه المناطق بشكل يُذكر، ففي إسلامشهر بلغ إيجار وحدة سكنية بمساحة 100 متر نحو 19.3 مليون ريال أي نحو ( 452 دولارا)، بينما وصل في طهران إلى نحو 53.1 مليون ريال أي نحو (1260 دولارا)، وهذا يعكس أن سوق الإيجارات بقي مرتفعا حتى مع خروج الأجانب غير الشرعيين”.

سياسات المجلس الأعلى للتخطيط العمراني وراء ارتفاع أسعار المساكن
أوردت الوكالة أن “تراكم السكان ونقص المعروض من المساكن على مدى سنوات طويلة قد شكلا أساس الأزمة الحالية، وقد أكد خبراء قطاع الإسكان مرارا أن غياب التوازن بين العرض والطلب هو العامل الأهم في أزمة السكن في إيران، هذه الأزمة بدأت عندما اعتمدت سياسات المجلس الأعلى للتخطيط العمراني على تركيز مفرط على أراض محدودة وصغيرة، دون الالتفات إلى مبدأ التنمية المتوازنة، ما أدى إلى تقليص النمو العمراني في مناطق واسعة”.

وضربت مثالا، حيث بين عامي 2014 و2017، بلغ الركود في قطاع البناء مستوى غير مسبوق، إذ انخفض عدد تراخيص البناء في المناطق الحضرية إلى أدنى معدل له منذ عام 2004، فبعد أن بلغ عدد التراخيص الصادرة بين 2009 و2013 نحو 200 ألف ترخيص، انخفض في عام 2018 إلى 120 ألفا فقط. 

وأفادت بأن هذا الركود استمر حتى عام 2020، حين أُطلق مشروع الإسكان الوطني، فتم بناء نحو 490 ألف وحدة سكنية، غير أن وتيرة البناء سرعان ما عادت بعد ذلك إلى المتوسط المنخفض الذي شهدته سنوات الركود السابقة (2014–2017).

أين يكمن الحل؟
بيَّنت الوكالة أن الخبراء يؤكدون أن تجاوز أزمة السكن يتطلب التوجه نحو تنمية شاملة ومتوازنة للمدن، فاعتماد الطاقة الشمسية المنزلية وتوسيع مشاريع الإسكان في المناطق الأقل تطورا يمكن أن يشكلا حلا يخفف الضغط عن الطلب ويحسّن مستوى المعيشة في المدن الصغيرة، وإذا لم يُؤخذ التنوع في مزيج الطاقة وتوزيع الأراضي بشكل متوازن بعين الاعتبار، فإن أزمة الإسكان ستزداد تعقيدا يوما بعد يوم.