- زاد إيران - المحرر
- 630 Views
كتبت: كريمة هاني
في تطور لافت، تجد فائزة هاشمي، ابنة الرئيس الإيراني الأسبق أكبر هاشمي رفسنجاني، نفسها في مواجهة مباشرة مع السلطة القضائية الإيرانية.
فقد تحولت تصريحاتها في برنامج “ای کاش” من مجرد حديث إعلامي إلى قضية رأي عام أثارت جدلا واسعا داخل إيران، بعدما أعلنت النيابة العامة فتح ملف قضائي بحقها وبحق فريق البرنامج، وذلك بعد ساعات فقط من بث الحلقة.
وتتمحور القضية حول جوهر تصريحاتها التي اتهمت فيها «جهات داخلية» بالضلوع في اغتيال والدها، ما دفع القضاء إلى استدعائها لتقديم إيضاحات بشأن ما وُصف بأنه أقوال غير موثقة ومثيرة للجدل.
كواليس مثيرة لقضية فائزة هاشمي
خلال المقابلة التي أجرتها مؤخرا، لم تتردد فائزة هاشمي في تكرار ما سبق أن ألمحت إليه هي وشقيقتها من قبل: بأن وفاة والدها لم تكن طبيعية، وبوضوح غير معهود، قالت: «لقد قتلوا والدي واغتالوه، وقد قلنا هذا مرارا ولم نخفِ الأمر».
وعندما طُرِح عليها السؤال المحوري: «من الذي قتله؟»، جاءت إجابتها مدوّية:«من الذي قتل أميرا كبيرا؟ عندما يُقتل شخص في قمة السلطة، فهذا يعني أن هناك منظومة متورطة في الأمر. بعض الناس يشيرون إلى إسرائيل أو روسيا وغيرهما، لكنني أعتقد أن والدي لم تغتله إسرائيل، بل كان اغتيالا داخليا».
ولم تكتفِ بذلك، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك، موضحة دوافع ما أسمته “الجهات الداخلية” لاغتياله، قائلة: «كان شوكة في العين، وكان يخلخل لعبة الانتخابات لديهم، ولذلك كان يجب إزالته»، وأضافت: «كان والدي يقف إلى جانب الشعب وينتقد، وكانت مكانته تمنعهم من التعامل معه بطريقة مباشرة كالسجن مثلا، لذلك حين أصبح عقبة أمامهم قرروا إزالته».
هذه التصريحات، بكل ثقلها الرمزي والسياسي، هزّت الأوساط السياسية والإعلامية، وحوّلت المقابلة في غضون ساعات إلى قضية داخلية ساخنة وملف اتهام مفتوح.

تحرك قضائي سريع ضد فائزة هاشمي
لم تترك السلطات القضائية الإيرانية هذه التصريحات تمر دون محاسبة. ففي خطوة سريعة، أعلنت نيابة طهران عن فتح قضية قضائية ضد فائزة هاشمي بعد ساعات قليلة فقط من بث المقابلة.
وجاء في بيانات النيابة الرسمية، المنشورة عبر موقع ”ميزان” التابع للسلطة القضائية، أن سبب فتح القضية هو “تقديم رواية غير موثقة” حول ظروف وفاة الرئيس الأسبق رفسنجاني، مما اعتُبر “إثارة للرأي العام” و”نشرا لأقوال غير مسؤولة”.

الاتهامات تمتد لفريق البرنامج
ولم تقتصر التهم على فائزة هاشمي وحدها، بل امتدت لتشمل منتج ومقدم البرنامج الإلكتروني الذي بث المقابلة، حيث تم توجيه اتهامات رسمية لهم ايضا.
وأكدت البيانات أنه “تم استدعاء جميع المعنيين إلى النيابة العامة لتقديم الإيضاحات اللازمة بشأن تلك التصريحات”.
هذا التوسع في نطاق المساءلة يرسل رسالة واضحة بأن السلطات لن تتهاون مع أي منبر إعلامي يُعتقد أنه يروّج لمزاعم “غير موثقة” تمس الأمن الوطني واستقرار النظام من وجهة نظرها.
البرلمان يتدخل ويُطالب بالمحاسبة
لم يكن رد الفعل القضائي هو الوحيد، إذ وجدت تصريحات فائزة هاشمي صداها في أروقة البرلمان الإيراني. ففي جلسة علنية، شنّ النائب الأصولي حميد رسائي هجوما حادا على هذه التصريحات، واصفا إياها بـ”المثيرة للانقسام”.
وأشار رسائي إلى أن شقيقة فائزة، فاطمة هاشمي، كانت قد طرحت الادعاء ذاته قبل عامين، وأن مجلس الأمن القومي في حكومة الرئيس الأسبق حسن روحاني حقق في الأمر وخلص إلى أن الادعاء “كاذب”.
وتساءل النائب باستنكار: “لو تم التعامل مع القضية في ذلك الوقت، لما تكررت هذه الادعاءات اليوم. لماذا لا يُحاسب هؤلاء؟ هل لأنهم ينتمون إلى عائلة خاصة؟ أليس الجميع سواسية أمام القانون؟”.
وشدد على أن “عدم محاسبتهم اليوم سيشجع أبناءهم وأحفادهم غدا على اتهام النظام بالطريقة نفسها”، معتبرا أن ما يجري “اختبار حقيقي لمبدأ المساواة أمام القضاء”.

السوشيال ميديا تشعل أزمة فائزة هاشمي
ومن ناحية أخرى، أثارت تصريحات فائزة هاشمي موجة هجوم واسعة على منصات التواصل، قادها ناشطون من التيار المحافظ الذين اتهموها بـ“الكذب” و“النفاق” و“تشويه صورة القيادة”. وربط البعض تصريحاتها بمسائل دينية وشخصية، معتبرين أن “الحجاب الذي ترتديه أرستقراطيات التيار الإصلاحي مثل فائزة قوّض ثقة الناس بالدين”، فيما سخر آخرون من حديثها عن اغتيال والدها واعتبروه “روايات باطلة لإثارة الفتنة”. ويرى مراقبون أن هذا الهجوم يعكس حساسية اسم هاشمي رفسنجاني داخل التيار المحافظ، إذ لا تزال أي إشارة إلى وفاته تثير جدلا سياسيا واسعا .

خلفية الجدل المتجدد حول الوفاة
تُعيد هذه التطورات فتح ملف وفاة هاشمي رفسنجاني الذي رحل في يناير/كانون الثاني 2017 إثر نوبة قلبية أثناء وجوده في مسبح خاص. وتُعد هذه المرة من أكثر المرات وضوحا في توجيه الاتهام مباشرة إلى “جهات داخلية” وعلى مستوى “منظومة”، خاصة أنها ليست المرة الأولى التي تثير فيها فائزة هاشمي الشكوك حول وفاة والدها، إذ طالبت العائلة بأكملها سابقا بتحقيق معمّق في وفاة الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني.
وأثير موضوع وفاة رفسنجاني مؤخرا بعد أن قال قائد الحرس الثوري السابق ومستشار المرشد الأعلى، يحيى رحيم صفوي:“نأمل أن يجعل الله موتي موتا حسنا أحب أن أستشهد، ولا أرغب أن أموت على السرير أو في المسبح”.
وقد فسر كثيرون هذا التصريح على أنه تلميح مبطن إلى الملابسات الغامضة التي أحاطت بوفاة رفسنجاني. وردا على ذلك، انتقد فاطمة ومحسن هاشمي، نجلا الرئيس الأسبق، تصريحات صفوي واعتبرا أن وفاة والدهما ما زالت “غامضة”.
هذه التصريحات المتبادلة، التي جعلت من “المسبح” رمزا لنهاية مثيرة للجدل، تُؤكد أن ملف وفاة رفسنجاني لم يُغلق بعد في الذاكرة السياسية الإيرانية.
في الختام، لا تزال قضية فائزة هاشمي معلّقة، بانتظار نتائج التحقيقات والقرار القضائي الذي سيحسم مصيرها ومصير فريق البرنامج. وسواء انتهت بالبراءة أو بإصدار حكم، فإنها ستترك أثرا واضحا على المشهدين السياسي والإعلامي في إيران.
فهذه القضية تتجاوز كونها ملفا قضائيا فرديا، لتتحول إلى اختبار لمدى اتساع هامش النقد المسموح به وحدود حرية التعبير في تناول الشخصيات والأحداث التي ما زالت تمثل صفحات حساسة في التاريخ الإيراني الحديث.
وفي جوهرها، تمثل القضية صراعا على السردية التاريخية الرسمية بين رواية السلطة ورؤية عائلة كانت ذات يوم من أبرز أعمدة النظام. ومع انتظار ما ستسفر عنه الإجراءات القضائية، يبقى السؤال مفتوحا: هل ستُسهم الإيضاحات المنتظرة في إنهاء الجدل القائم، أم تفتح فصلا جديدا من الشكوك حول إرث رفسنجاني السياسي والإنساني؟

