رخص قيادة الدراجات للنساء في إيران.. صراع الإيرانيات مع الغموض القانوني والقيود الاجتماعية

منذ سنوات طويلة، يقف حق النساء في إيران بالحصول على رخصة قيادة الدراجات النارية عند مفترق الطرق بين القانون والعرف، حيث لم يرد في النصوص الرسمية ما يمنعهن من هذا الحق، في حين قيدت التفسيرات الانتقائية للقوانين قدرتهن على ممارسته. 

تحوَّل هذا الجدل الذي بدأ يطفو على السطح قضائيا وإعلاميا منذ عام 2019، اليوم إلى أحد أبرز المطالب الاجتماعية، بعدما باتت نساء كثيرات يستخدمن الدراجات بشكل غير رسمي، معرضات لمخاطر الحوادث وغياب التأمين، في ظل دعوات متزايدة من ناشطات ومسؤولات لإزالة الغموض القانوني وتمكينهن من حقوقهن كاملة في مجال النقل والمواصلات.

نشرت وكالة “مهر”، الثلاثاء 9 سبتمبر/أيلول 2025، تقريرا حول هذا الموضوع فذكرت أن فاطمة مهاجراني، المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية، قالت في مؤتمرها الصحفي الأسبوع الماضي ردا على سؤال حول مشروع قانون يسمح للنساء بقيادة الدراجات النارية:
بلادنا تزخر بنساء يتمتعن بقدرات كبيرة؛ فهنّ يقدن الجرارات في القرى، ويجلسن خلف مقود الحافلات والشاحنات الثقيلة، بل ويقدن الطائرات أيضا، وبالتالي، لا توجد أي مشكلة تتعلق بكفاءتهن، وبحسب ما أعلنته المعاونية القانونية في رئاسة الجمهورية، فإن منح رخص قيادة الدراجات النارية للنساء لا يواجه أي مانع قانوني، ولهذا لم تطرح الحكومة مشروع قانون خاص بهذا الموضوع. وكان البرلمان قد ناقش مقترحا مماثلا لكنه لم يكتمل، ومع ذلك فإننا نرحّب بقوة بأي خطوة من شأنها حل هذه المشكلة.

Image

قيادة النساء للدراجات النارية.. بين الغموض والفراغ القانوني

ذكرت الوكالة أن تحوّل موضوع قيادة النساء للدراجات النارية وحرمانهن من الحصول على رخصة في السنوات الأخيرة إلى قضية مثيرة للجدل، فالغموض في القوانين وتعدد التفسيرات جعلا الأمر أكثر تعقيدا.

وأضافت أن الدستور الإيراني يقرّ بالمساواة بين جميع المواطنين، رجالا ونساء، إلا في الحالات التي ينص فيها القانون على استثناء، لكن في قوانين المرور يوجد فراغ واضح بشأن رخص الدراجات النارية للنساء.

وأوضحت أن المادة 26 من اللائحة التنفيذية للمرور تنص على إلزامية الحصول على رخصة مناسبة لكل نوع من المركبات، بما فيها الدراجات النارية، لكن الفقرة الإضافية للمادة 20 من قانون المخالفات المرورية (2010) خصّت منح رخص قيادة الدراجات النارية بـ الرجال، وهو ما أدى عمليا إلى حرمان النساء من هذا الحق، وجعل قوات الأمن تمتنع عن إصدار تلك الرخص لهن.

الفتاوى الشرعية وتغيّر المواقف الفقهية

تابعت الوكالة أن أبرز العوائق التي واجهت تقنين قيادة النساء للدراجات النارية تمثلت في فتاوى سابقة لبعض المراجع الدينية، التي ركزت على مخاوف تتعلق بجذب الأنظار أو المساس بالعفة العامة، لكن مع مرور الزمن، ونتيجة التحولات الاجتماعية وإعادة النظر في الأدلة الشرعية، ظهرت اجتهادات جديدة تؤكد جواز الأمر، شرط الالتزام بالحجاب والضوابط الإسلامية.

وأضافت أن هذه الرؤية الفقهية الحديثة تعتبر أن قيادة المرأة للدراجة النارية أمر جائز شرعا، ما دامت تلتزم بالحجاب وتراعي الوقار، إذ لا يوجد نص قرآني أو نبوي صريح يحرّم ذلك، فالموانع السابقة كانت مرتبطة بسلوكيات جانبية مثل الإخلال بالحجاب أو الاختلاط غير المشروع، وهي تنتفي عند الالتزام بالضوابط.

وبينت أنه كما يشهد التاريخ الإسلامي على استخدام النساء لوسائل النقل كالحصان والجمل بشكل مباشر، لا فقط في “المحمل”،  والمبدأ ذاته ينطبق اليوم: الركوب جائز إذا التزمن بالحجاب. حتى إن جلوس النساء خلف السائق على الدراجات (“الترَك”) ظل أمرا شائعا ولم يواجه اعتراضا شرعيا واسعا، ما يعني أنه لا فرق جوهري بين كون المرأة راكبة خلفية أو سائقة.

ولفتت إلى أنه إضافة إلى ذلك، يلعب “العرف الاجتماعي” دورا محوريا في القضايا المستحدثة، فإذا اعتبر المجتمع قيادة النساء للدراجات النارية أمرا طبيعيا ومقبولا ضمن الضوابط، فهذا يُعد عاملا مؤثرا في إجازة الأمر وتقنينه.

ضرورة التقنين والتشريع

ذكرت الوكالة أن تقنين قيادة النساء للدراجات النارية ومنحهن الرخص لا يحل فقط الإشكاليات القانونية والشرعية، بل يفتح الباب أمام فوائد متعددة:

  • فوائد عملية: الدراجة النارية وسيلة نقل أقل تكلفة وأكثر سرعة ومرونة من السيارات، خصوصا في المدن المزدحمة.
  • الاستقلالية: تمكن النساء من التنقل لأعمالهن ودراستهن وشؤونهن اليومية دون الاعتماد على الغير.
  • الحد من الأزمات المرورية: يقلل الاعتماد على السيارات الخاصة، ويساهم في خفض التكدس المروري واستهلاك الوقود والتلوث.
  • السلامة: يسمح بتوفير برامج تدريب رسمية وتعليم قواعد السلامة واستخدام المعدات الواقية، ما يقلل من الحوادث.
  • المشاركة المجتمعية: يعزز حضور المرأة في الفضاء العام، ويكسر الصور النمطية التقليدية، ويساهم في نشر ثقافة المساواة والعدالة الاجتماعية.
Image

فيما نشرت وكالة أنباء الطلبة الإيرانية “إيسنا”  تقريرا حول الموضوع نفسه، ذكرت فيه أنه رغم عدم وجود أي نص قانوني صريح يمنع إصدار رخص قيادة الدراجات النارية للنساء، فإن التفسيرات الاجتهادية والقراءات المختلفة للقانون جعلت النساء محرومات من هذا الحق لسنوات طويلة. 

وأضافت أن هذا الحرمان عرّضهن في حالات الحوادث لغياب التغطية التأمينية والدعم القانوني. الأمر دفع نائبة الرئيس لشؤون المرأة والأسرة إلى طرح تساؤل متكرر: “عندما تستطيع النساء اليوم قيادة الطائرات والشاحنات الثقيلة والمركبات الضخمة للمشاركة في قطاع النقل، فلماذا يُمنع عنهن ركوب الدراجة النارية؟”.

وأوضحت أن مسيرة نيل المرأة الإيرانية لحقوقها والمشاركة الفاعلة في مختلف المجالات لم تكن سهلة، إذ واجهت على الدوام عوائق وتحديات متجذّرة في البُنى القانونية والثقافية والاجتماعية، وغالبا ما ترافقت مع رؤية تقليدية محافظة قيّدت تلك الحقوق. 

وبينت أن هذه التحديات قد شملت حقوقا أساسية مثل العمل والمشاركة السياسية، وصولا إلى حقوق أبسط مثل الحصول على رخصة قيادة للدراجات النارية أو دخول الملاعب الرياضية. ورغم إزالة بعض القيود، ما زالت النساء يسعين بإصرار لانتزاع حقوقهن.

Image

وتابعت أن من بين هذه المطالب التي تحوّلت مؤخرا إلى قضية تشغل المسؤولين: إصدار رخص قيادة الدراجات النارية للنساء، إذ لم يسبق أن مُنحت لهن بشكل رسمي. هذا الواقع أجبر كثيرا منهن على استخدام الدراجات بصورة غير قانونية حتى في حياتهن اليومية أو في بعض الأعمال السينمائية، ما حرمهن من أي حماية قانونية أو تأمينية، وضمن ذلك التأمين الإلزامي ضد الغير.

وذكرت أنه في هذا السياق، كشف مهدي قمصريان، المدير العام لصندوق تعويض الأضرار البدنية، في رسالة رسمية، العام الماضي، أن الصندوق تكبّد مبالغ كبيرة لتعويض 46 ألف ملف متعلّق بحوادث أصيبت فيها نساء، وهو ما يمثل 21% من إجمالي تعويضات الصندوق. 

وأضاف قمصريان أن الصندوق أنفق ما يقارب 80 ألف دولار لإنقاذ 43 سيدة تسبّبن بحوادث أثناء قيادة دراجات نارية من دون تأمين، ومنع بذلك دخولهن السجن، مؤكدا أن غياب الرخصة يقود إلى تبعات اجتماعية وأسرية واقتصادية جسيمة.

وتابع أنه لو كانت النساء يحملن رخصة رسمية، لالتزمن حكما باقتناء التأمين الإلزامي، وبالتالي كانت التعويضات تُسدّد مباشرة من شركات التأمين للمتضررين أو لأطراف الحوادث.

وأشار إلى أن القضية اتخذت بعدا قضائيا عام 2019، حين تقدمت سيدة من أصفهان بشكوى إلى «ديوان العدالة الإدارية» ضد الشرطة لرفضها منحها رخصة قيادة دراجة نارية، مؤكدة أنها تستوفي جميع الشروط، وأن القانون لا يتعارض مع طلبها. ورغم أن الشرطة تمسكت بكون المادة 20 من قانون المرور لعام 2010 قد حصرت منح الرخص للرجال، فإن المحكمة ردت بأن هذا التخصيص لا يعني منع النساء، وأن الأصل في القيادة هو الإباحة، وأن الجهة الوحيدة المخوّلة لإصدار الرخص هي الشرطة، وبالتالي فهي أيضا مسؤولة عن إصدارها للنساء.

وذكرت أنه مع ذلك، بقي الملف عالقا، وفي عام 2021، جددت شرطة المرور في أصفهان موقفها الرافض، مؤكدة أن النص القانوني ذكر كلمة «الرجال» صراحة ولم يذكر النساء. وفي ظل هذا الانسداد القانوني، لجأت بعض النساء إلى اقتناء دراجات خفيفة وصغيرة تُعرف باسم «الاسكوتر» لا تحمل لوحات رسمية، كان يروّج لها بعض التجار بأنها لا تحتاج لرخصة، وهو ما شكّل خطرا إضافيا. وقد حذرت الشرطة من أن قيادة أي مركبة دون رخصة قانونية يُعد «جريمة» ويحمّل السائق كامل المسؤولية عند وقوع حادث.

Image

وأوضحت أنه مع وصول حكومة بزشكيان، عاد النقاش للواجهة، وأكدت المعاونية القانونية في رئاسة الجمهورية أن لا مانع قانونيا من إصدار الرخص للنساء، كما صرحت زهراء  بهروز آذر، نائبة الرئيس لشؤون المرأة والأسرة، بأن الأمر لا يعدو أن يكون مسكوتا عنه في القانون، داعية الشرطة إلى حسم الموقف ومؤكدة أن مشاركة النساء في قطاع النقل تسهم في خفض الحوادث وتحسين الثقافة المرورية.

ولفتت إلى أنه في المقابل، شدد رئيس شرطة المرور العامة، تيمور حسيني، على أن الموضوع قيد البحث، لكن الشرطة ملتزمة بالنصوص القانونية النافذة، وأن تنفيذه يتطلب تعديلا رسميا للقانون وإصدار قرار واضح من الجهات المختصة.

وختمت الوكالة تقريرها، بتأكيد أن قضية إصدار رخص قيادة الدراجات النارية للنساء ما زالت معلّقة بين التأويلات القانونية والفتاوى الاجتماعية، وأن غياب الحل القانوني يدفع النساء إلى خيارات غير آمنة ويعرضهن لمخاطر قانونية ومالية. ومع تسارع التغييرات الاجتماعية وتزايد مطالب النساء بالمساواة، فإن إيجاد تسوية عادلة أصبح ضرورة لتحقيق العدالة الاجتماعية وضمان حقوق المواطنة المتساوية.