- زاد إيران - المحرر
- 267 Views
في أعقاب التظاهرات والاضطرابات التي شهدتها إيران خلال الفترة الأخيرة، قدم الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، قراءة شاملة لما جرى، مستعرضا خلفيات الأحداث وتطوراتها، ومقدما تفسيرا رسميا يستند إلى معطيات أمنية وسياسية. جاء ذلك خلال كلمته في المؤتمر الوطني الخامس عشر لمديري ومرشدي الشؤون السياسية في القوات المسلحة، الأحد 25 يناير/ كانون الثاني 2026، تصريحات جاءت مطولة ومفصلة، تناولت الأبعاد الاقتصادية والأمنية والسياسية والاجتماعية للأحداث، مع تأكيده على ضرورة الفصل بين المطالب المعيشية المشروعة وبين ما وصفه بمحاولات منظمة لجر البلاد إلى مسار أمني خطير.


الاقتصاد كمدخل للأزمة… وحدود الاحتجاج السلمي
في مستهل حديثه أوضح لاريجاني أن وجود مشكلات اقتصادية في البلاد أمر لا يمكن إنكاره، مؤكدا أن الحكومة ومختلف المؤسسات المعنية تتحمّل مسؤولية التعامل مع هذه التحديات ومعالجتها بجدية، غير أنه شدد في الوقت ذاته على أن هذه المشكلات شكلت أرضية حاولت أطراف معادية استغلالها لتحقيق أهداف تتجاوز البعد الاقتصادي البحت، معتبرا أن قراءة الأحداث الأخيرة بمعزل عن هذا السياق الأمني والسياسي تعد قراءة ناقصة وغير دقيقة.

وأشار الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي إلى أن ما جرى لا يمكن فصله عن تجربة الحرب الإيرانية الإسرائيلية في يونيو/ حزيران 2025، والمعروفة إعلاميا بحرب الأيام الاثني عشر، موضحا أن تلك المرحلة شهدت محاولة واضحة لدمج الضغط العسكري مع تحريك الشارع، وبين أن الجهات التي بادرت آنذاك بالعمليات العسكرية كانت تراهن، بعد انطلاقها، على نزول المواطنين إلى الشوارع بما يؤدي إلى توسيع رقعة الاضطراب الداخلي، إلا أن هذا المخطط لم يحقق أهدافه بسبب عدم استجابة الشارع بالشكل الذي كان متوقعا.
وأضاف لاريجاني أن فشل هذا السيناريو لم يدفع الأطراف المعادية إلى التراجع، بل إلى تعديل أساليبها، حيث بدأت منذ ذلك الوقت بمحاولات متواصلة لإيجاد أي ذريعة يمكن من خلالها إعادة تحريك الشارع، ولفت إلى أن الاحتجاجات الاقتصادية السلمية التي اندلعت لاحقا جرى توجيهها تدريجيا، وفق تعبيره، وتحويلها إلى أعمال شغب في بعض المناطق، في مسعى لإعادة إنتاج السيناريو الذي لم ينجح سابقا.
تصريحات ترامب وتحوّل التكتيك الأمريكي
في هذا السياق، توقف لاريجاني عند تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، معتبرا أنها كشفت بوضوح طبيعة هذا النهج، حيث أشار إلى أن ترامب صرح علنا بأن اندلاع أزمة اجتماعية في إيران قد يشكل مبررا لتنفيذ عملية عسكرية، وهو ما اعتبره لاريجاني دليلا على تغير التكتيك الأمريكي، من الاعتماد المباشر على الضغط العسكري إلى محاولة ضرب التماسك الداخلي أولا، ثم الانتقال إلى الخيارات العسكرية في مرحلة لاحقة.

وأكد لاريجاني أن هذا التحول في التكتيك استهدف العامل الذي وصفه بأنه كان نقطة القوة الأساسية لإيران خلال الحرب الأخيرة، والمتمثل في وحدة المجتمع وتماسكه، وأوضح أن الخصوم خلصوا إلى قناعة مفادها أن كسر هذه الوحدة من الداخل قد يكون أكثر فاعلية من المواجهة المباشرة، وهو ما يفسر، بحسب رأيه، التركيز على خلق توترات داخلية ذات طابع اجتماعي وأمني.
توصيف رسمي لمثيري الشغب وطبيعة تحركاتهم
وفي تحليله لطبيعة المجموعات التي شاركت في أعمال العنف، وصف لاريجاني مثيري الشغب بأنهم جماعات شبه إرهابية حضرية، تعمل وفق تنظيم مسبق ولا تتحرك بشكل عفوي، وأشار إلى أن هذه الجماعات لا تمثل المحتجين السلميين الذين يعبّرون عن مطالب معيشية، بل تشكل فئة مختلفة تماما من حيث الأسلوب والأهداف والوسائل المستخدمة، كما لفت إلى أن تصريحات سابقة لمسؤولين إسرائيليين، قبل ثلاثة أو أربعة أشهر من الأحداث، تضمنت حديثا عن استخدام بنى جرى إنشاؤها داخل إيران من أجل سيناريو جديد، معتبرا أن ما شهدته بلاده مؤخرا يعكس تفعيل هذه البُنى نفسها، مؤكدا أن ذلك يعزز فرضية وجود تخطيط مسبق للأحداث وليس مجرد تفاعلات آنية.
كما تطرق لاريجاني إلى ما اعتبره استهدافا مباشرا لرموز الهوية الوطنية والدينية، موضحا أن الهجمات لم تقتصر على منشآت أو ممتلكات عامة، بل طالت رموزا تعبّر عن الهوية الإيرانية، مثل العلم الإيراني، وتماثيل شخصيات وطنية بارزة، إضافة إلى المساجد والمصاحف، واعتبر أن هذا السلوك يعكس سعيا واضحا لنزع الرموز الجامعة للمجتمع من وعي الناس، في إطار مشروع أوسع لإضعاف الانتماء الوطني.
من الأزمة المعيشية إلى الأزمة الأمنية
وفي معرض تساؤلاته، أجاب لاريجاني على سؤالا مباشرا حول العلاقة بين المطالب الاقتصادية وأعمال التخريب، قائلا إن من يرفع شعار الاحتجاج على الأوضاع المعيشية لا يمكن تبرير لجوئه إلى نهب المتاجر وإحراقها، وأكد أن هذه الممارسات تشير إلى أن القضية لا تتعلق بالاقتصاد فقط، بل تتجاوز ذلك إلى محاولة خلق أزمة أمنية شاملة.

وأوضح الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي أن الأزمات الأمنية، بطبيعتها، لا تؤدي إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية، بل تسهم في تعميقها وزيادة تعقيدها، معتبرا أن إدخال البلاد في حالة اضطرار وعدم استقرار ينعكس مباشرة على الوضع المعيشي للمواطنين، وهو ما يخدم، وفق تعبيره، أهداف الأطراف التي تسعى إلى إضعاف الدولة من الداخل.
دور الأجهزة الأمنية في تفكيك شبكات التحريض
وفي حديثه عن دور الأجهزة الأمنية، كشف لاريجاني أن هذه الأجهزة تمكنت من تحديد ما وصفهم بالقيادات المحركة لأعمال الشغب، وتمكنت من توقيف عدد منهم، وأشار إلى أن بعض الموقوفين كانوا، بحسب التقديرات، من الأشخاص الذين جرى تضليلهم أو استغلالهم، إلا أن ذلك لا ينفي وجود عناصر منظمة تقف خلف الأحداث، وأضاف أن التحقيقات أظهرت إدخال أسلحة إلى بعض بؤر الاضطراب، من بينها بنادق ومسدسات، وهو ما اعتبره دليلا إضافيا على الطابع المنظم لهذه التحركات، معتبرا أن الأشخاص الذين يحملون السلاح ويتجهون نحو المراكز العسكرية أو الأمنية لا يمكن تصنيفهم ضمن فئة المتظاهرين العاديين، بل ينتمون إلى مجموعات تسعى إلى رفع مستوى المواجهة.

كما أكد لاريجاني أن التوجه السريع لبعض هذه العناصر نحو المراكز العسكرية والأمنية بهدف الحصول على السلاح يشير، في نظره، إلى سعي واضح لجر البلاد إلى مواجهة داخلية واسعة النطاق، وقيم أن هذا المسار، لو قدر له أن يستمر، كان من شأنه أن يفتح الباب أمام صراع داخلي يهدد السلم الأهلي، في الوقت نفسه، أشار أن هذه التصرفات لا تؤثر فقط على الجانب الأمني، بل تترك انعكاسات مباشرة على الاقتصاد، حيث تؤدي حالة عدم الاستقرار إلى تقلبات حادة في الأسواق وتعطيل النشاط الاقتصادي، وأن تصوير البلاد على أنها تعيش حالة طوارئ دائمة يشكل بحد ذاته جزءا من حرب نفسية واقتصادية تستهدف ثقة المجتمع بمستقبله.
وحدة المجتمع في مواجهة سيناريوهات الفوضى
وفي ختام تحليله، شدد لاريجاني على أن المجتمع الإيراني، رغم كل التحديات، أظهر درجة عالية من الوعي، وأن محاولات دفع فئات المجتمع إلى الصدام فيما بينها لم تنجح بالصورة التي كان يأملها المخططون، وأكد أن التجربة أظهرت مرة أخرى أن وحدة المجتمع تبقى العامل الحاسم في مواجهة الضغوط، سواء كانت اقتصادية أو أمنية أو سياسية.
وبهذا، قدم الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني رؤية رسمية متكاملة للأحداث الأخيرة، ساعيا إلى وضعها في إطار أوسع يتجاوز البعد الاحتجاجي المباشر، ومؤكدا أن فهم ما جرى، وفق مقاربته، يستلزم النظر إلى التداخل بين العوامل الداخلية والتدخلات الخارجية، وبين المطالب الاجتماعية المشروعة والمسارات التي حاولت استغلالها لأهداف أخرى.

