إيران بين وفرة الموارد وتحديات الاستكشاف.. جدل حول جدوى خطط إحياء المناجم الصغيرة

قالت صحيفة “قدس” الإيرانية، السبت 13 سبتمبر/أيلول 2025، في تقرير لها، إن إيران، رغم امتلاكها أكثر من 68 نوعا من المواد المعدنية إلى جانب احتياطيات مكتشفة تتجاوز 37 مليار طن واحتياطيات محتملة تقدر بـ57 مليار طن، ما يجعلها ضمن 15 قوة معدنية عالمية، لا تزال تواجه فجوة كبيرة بين إمكاناتها الضخمة وواقع قطاع التعدين. 

المواد المعدنية

ذكرت صحيفة “قدس” الإيرانية أن إيران تمتلك أكثر من 68 نوعا من المواد المعدنية (غير النفطية)، إضافة إلى 37 مليار طن من الاحتياطيات المكتشفة و57 مليار طن من الاحتياطيات المحتملة، مما يجعلها واحدة من بين 15 قوة معدنية في العالم.

 وأضافت أن قطاع التعدين، الذي يساهم بنحو 3% من الناتج المحلي الإجمالي (أي ما يعادل عُشر مساهمة هذا القطاع في الاقتصادات الصناعية والمتقدمة) وبصادرات سنوية تبلغ نحو 12 مليار دولار (تشمل أساسا النحاس وخام الحديد والصلب إلى وجهات مثل العراق والصين وتركيا)، يُعتبر محركا لنمو الاقتصاد الوطني، رغم أن هذه القيمة أقل بكثير من القيمة الحقيقية لاحتياطيات البلاد. 

وتابعت أن خطة «إحياء وتنشيط وتطوير المناجم الصغيرة النطاق» انطلقت قبل نحو 6 سنوات على أمل إعادة تشغيل المناجم المعطّلة أو شبه المتوقفة لتصبح محرّكا للتنمية الإقليمية وتوفير فرص عمل مستدامة.

وأوضحت الصحيفة أن حصيلة هذه الخطة، وفقا لإحصاءات منظمة تنمية وتجديد المناجم والصناعات المعدنية في إيران (إيميدرو)، تشير إلى أنه في العام الماضي عاد 594 منجما إلى دورة النشاط، كما جرى تعريف 96 حزمة استثمارية في هذا المجال. 

وأضافت أنه خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الجاري، تم إحياء أو تنشيط أو تطوير 196 منجما، وهو ما يُظهر نموا بنسبة 18.8% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. 

وتابعت أن حصيلة تنفيذ هذه الخطة منذ انطلاقها، والتي كان من المقرر أن تغيّر وجه قطاع التعدين الإيراني وتمنحه حيوية جديدة، بلغت حتى الآن نحو ألفي منجم تم إحياؤها أو تطويرها في البلاد.

وذكرت الصحيفة أن خبراء هذا القطاع يرون أن مثل هذه الإحصاءات، رغم صحتها، لا يمكن أن تُحدث تحولا حقيقيا في قطاع التعدين داخل البلاد، ولا سيما أن أهم جزء في هذا القطاع، أي الاستكشاف، ما زال يواجه تأخرا تاريخيا، وأضافت أن هناك نواقص كبيرة في مجال المناجم العميقة، كما أن العقوبات ونقص الصور الفضائية جعلا المعلومات في هذا المجال إما غير متوفرة أو شديدة المحدودية.

وتابعت أن الخبراء يؤكدون أن تحويل هذه الخطة من مجرد منصة لتقديم أرقام إلى برنامج عملي للتنمية المعدنية المستدامة لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال مزيج من الدعم الحكومي، وجذب الاستثمارات الخاصة، وتطوير عمليات المعالجة، وخلق تكامل مؤسسي فعّال.

 إحصاءات إحياء المناجم

ذكرت الصحيفة أن الرئيس السابق لهيئة عامل “إيميدرو” صرّح في حوار مع مراسلها، بأن “إيران من الدول التي حظيت بعناية خاصة من الله، إذ لا يوجد في العالم سوى 5 أو 6 دول تمتلك في الوقت نفسه ثروات معدنية ووفرة في مصادر الطاقة (نفط وغاز أو فحم حجري)، وإيران إحداها”، وأضاف أن الاستثمار الكافي في قطاع التعدين من شأنه أن يفتح المجال ليكون هذا القطاع أحد محركات النمو والتنمية في البلاد، بل وحتى بصورة قفزات.

وتابعت الصحيفة أن مهدي كرباسيان، وفي معرض حديثه عن التحديات التي تواجه تطوير وإحياء المناجم في البلاد، شدد على أن الأرقام المتعلقة بخطة إحياء المناجم صحيحة، لكنها ليست تحولية، لأن أهم جزء في التعدين هو الاستكشاف، وهو المجال الذي ما زال يعاني من تأخر تاريخي.

 وأوضح أنه في عامي 2014 و2015، وبالتنسيق بين “إيميدرو” ومنظمة الطاقة الذرية، جرى تنفيذ عمليات جيوفيزيائية جوية بمساحة 100 ألف كيلومتر مربع، كما بدأت أعمال استكشافية في نحو 270 ألف كيلومتر مربع، واستمر هذا العمل حتى اليوم، لكن رغم ذلك ما زالت البلاد تواجه محدودية كبيرة في المعلومات، وبسبب العقوبات فإن البيانات الفضائية إما غير متوفرة أو شحيحة للغاية، كما أن هناك أعمالا كثيرة لم تُنجز بعد في المناجم العميقة.

وأضافت الصحيفة أن نائب وزير الصناعة السابق أكد أن المناجم الحالية أيضا تعجز عن النمو والحركة بسبب مشكلات تنظيمية تتعلق بالبيئة، والأراضي، والأنظمة، إلى جانب البيروقراطية المعقدة لوزارة الصناعة والتحديات الإدارية في الأقاليم.

وذكرت نقلا عن كرباسيان، أن أحد أبرز المشاكل يتمثل في أن البنوك لا تقبل المناجم كضمان للحصول على القروض، الأمر الذي يجبر عمال المناجم على رهن منازلهم أو ممتلكاتهم الأخرى للحصول على التمويل اللازم لعمليات الاستكشاف والاستخراج.

وأوضحت أن كرباسيان شدد على أن قطاع التعدين في البلاد يواجه مشكلات متعددة، إذ تكتفي الحكومات بدعمه على مستوى الخطابات والشعارات، لكنها لا تنجح كثيرا في التنفيذ العملي، فيما لا تمتلك وزارة الصناعة، بوصفها الجهة المسؤولة، سلطة تنفيذية كاملة، ويُفترض أن تعمل بقية المؤسسات بتنسيق معها.

Image

وتابعت أن النقطة الجوهرية تكمن في ضرورة أن تعمل الحكومة على تركيز التراخيص اللازمة ومنح المناجم حرية الحركة، فضلا عن أهمية الاستثمار في هذا القطاع، ومعالجة أوجه القصور في المعدات والإمكانات والتكنولوجيا والموارد المالية، وهو ما يمكن أن يقود إلى نجاح خطة إحياء وتنشيط المناجم.

برنامج للتنمية المعدنية

ذكرت الصحيفة أن المناجم الصغيرة، قبل تنفيذ خطة «إحياء وتنشيط وتطوير المناجم الصغيرة النطاق»، كانت مهمَلة في ظل عمالقة التعدين والصناعات الكبرى بسبب نقص رأس المال وغياب التكنولوجيا الحديثة وضعف البنية التحتية، ما أدى تدريجيا إلى خروجها من دورة الإنتاج.

 وأضافت أن الحكومة و”إيميدرو” أرادتا من خلال هذه الخطة ليس فقط إعادة المناجم غير النشطة إلى دائرة الإنتاج، بل أيضا خلق فرص جديدة للتوظيف والاستثمار والتنمية الإقليمية في المناطق المحرومة.

وأوضحت أنه في بداية إطلاق الخطة، والتي اعتُبرت واحدة من مشاريع “الاقتصاد المقاوم”، قيل إن تفعيل 4,044 منجما متوقفا سيتيح إمكانية توفير 42,847 فرصة عمل مباشرة و299,929 فرصة عمل غير مباشرة.

 وتابعت أن رؤية القائمين على الخطة كانت أن يتحول كل منجم صغير إلى ركيزة اقتصادية لقرية أو مدينة، وأن إحياء هذه المناجم لا يُعد مجرد مشروع تقني أو هندسي، بل بمثابة بث روح جديدة في سلسلة القيمة التعدينية والصناعات التحويلية التابعة لها، لكن منذ السنوات الأولى، حذّر الخبراء من أن إحياء المناجم الصغيرة لا يتحقق بمجرد إصدار بعض التراخيص أو القيام بجولات ميدانية.

وأضافت الصحيفة أن أول الانتقادات يعود إلى مسألة «التمويل»، إذ إن العديد من المستغلين الصغار لا يملكون إمكانية الوصول إلى الموارد الائتمانية أو القروض البنكية، فيما لا تبدي البنوك اهتماما بتمويل هذه المشاريع بسبب مخاطرها العالية وغياب الضمانات الكافية، وكانت النتيجة أن عددا كبيرا من المناجم المحددة للإحياء بقي مجرد أرقام على الورق.

Image

وتابعت أن التحدي الثاني يتعلق بـ«سلسلة التوريد والسوق»، حيث إن تفعيل منجم صغير دون ضمان وجود مشترٍ أو صناعات تحويلية يعني استخراج المواد الخام وتكديسها من دون زبائن، وأكد الخبراء مرارا أن نجاح الخطة يتطلب إنشاء وحدات معالجة محلية وضمان شراء المنتجات المعدنية، وإلا فإن عمال المناجم الصغار سيضطرون لبيع موادهم بأسعار زهيدة إلى السماسرة، ما يفقدهم الحافز على الاستمرار.

وذكرت أن النقد الثالث يرتبط بـ«انعدام التنسيق المؤسسي»، إذ تم تنفيذ خطة الإحياء تحت إشراف “إيميدرو”، لكن التراخيص البيئية، وموارد الغابات، ومعايير السلامة، كلها بيد مؤسسات أخرى، وهو ما أدى إلى تشتيت الإجراءات وإطالة مدتها، بل وأصبح عقبة حقيقية أمام دخول المستثمرين في بعض الحالات.

وأضافت أن «ضعف البنية التحتية» أيضا شكل عقبة أساسية، حيث تقع كثير من المناجم الصغيرة في مناطق جبلية ونائية تفتقر إلى الطرق ووسائل الوصول والكهرباء والمياه الكافية، ما يجعل المستثمر الخاص يعزف عن المشروع عندما يدرك أن كلفة إنشاء البنية التحتية الأساسية تفوق العائد المحتمل للمعدن.

وتابعت أن خطة الإحياء، رغم إنجازاتها الإحصائية، تحتاج من أجل ضمان استدامتها إلى تجاوز النظرة «الكمية» والتركيز على الجودة وعمق الأثر. 

وأكدت أن إنشاء «صندوق ضمان للمناجم الصغيرة» بدعم حكومي، وتطوير وحدات المعالجة المحلية، وإنشاء تجمعات معدنية في المناطق المؤهلة لرفع القيمة المضافة، وإقامة «النافذة الواحدة التعدينية» لتقليص البيروقراطية وتخفيف التشتت المؤسسي، إضافة إلى دخول الحكومة في مشاريع البنية التحتية وتسهيل مشاركة الشركات التعدينية الكبرى لدعم المناجم الصغيرة، إلى جانب وضع مؤشرات دقيقة لقياس الأداء مثل حجم فرص العمل المستدامة، وحصة التعدين في سلسلة القيمة، واستمرار النشاط الاقتصادي بعد عامين أو ثلاثة، هي خطوات يمكن أن تحول الخطة إلى مسار فعلي للتنمية المعدنية المستدامة.