- محمود شعبان
- 619 Views
ترجمة: سارة شعبان المزين
نشرت وكالة «خبر أونلاين» الإيرانية، الجمعة 4 يوليو/تموز 2025، حوارا مع الناشط السياسي الإصلاحي عباس عبدي، حول أسباب تعثر مسار الإصلاحات في إيران، مؤكدا أن جوهر الإصلاح ينبغي أن يُوجَّه إلى الحكومة لا إلى سلوك المجتمع.
وفي ما يلي نص الحوار:
بعد وقف إطلاق النار مع إسرائيل، هل الإصلاحات المطروحة واقعية وقابلة للتنفيذ؟
القضية ليست معقّدة. لقد كانت هناك سياسات أوصلتنا إلى النقطة التي نحن فيها الآن. فإذا كانت هذه النقطة مرضيّة، فعلى السياسيين الرسميين ومن هم في مواقع السلطة أن يستمروا في اتباع السياسات ذاتها، لأنها هي التي قادتنا إلى هذا الوضع.
أما إذا كانوا يرون أن هذه النقطة غير مرغوبة، فلا شكّ أنه يتعيّن عليهم تغيير تلك السياسات السابقة.
ولأجل ذلك، لا بدّ من فتح حوار في الفضاء العام. السياسات المتبعة في السابق لم تكن معقّدة كثيرا؛ فهي تندرج أساسا ضمن مجالين: السياسة الداخلية والسياسة الخارجية.
لكن ما طرحه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يتعلق بمسألة خاصة ومهمة، وهي مسألة إقصاء بعض القوى. فالسؤال هنا: هل هذا الإجراء واقعي وقابل للتحقّق أم لا؟ هذا يتوقف على كيفية النظر إلى القضية.
إذا كان هناك أفراد يشكّلون عقبة أمام مثل هذه الإصلاحات، فيجب استبعادهم، لأنهم يُعيقون تحسين أوضاع البلاد، ويحولون دون تحقيق مصالح الشعب ونمو الاقتصاد، ولا ينبغي التهاون معهم. ومن واجب الحكومة أن تتعامل معهم وتعيدهم إلى موضعهم الصحيح.
في الواقع، فإن تغيير السياسات أمر واقعي جدا، بل إنه أسهل وأقل تكلفة من أي أمر آخر، لأنه لا يحمّل الدولة أعباء، بل يعود عليها بالنفع فقط. على عكس مجالات أخرى مثل اختلال توازن الطاقة أو القضايا الهيكلية الأخرى التي تنطوي على تعقيدات كبيرة ولا تُحل بسهولة.
لا شكّ إطلاقا في ضرورة تغيير السياسات، والسير بالأوضاع نحو مسار يفضي إلى الخروج من الحالة الراهنة.
إلى أين ينبغي أن تتجه بوصلة التغيير، وفي أي مجالات يجب أن تُنفّذ الإصلاحات؟
برأيي هناك مجالان رئيسيان: السياسة الداخلية والسياسة الخارجية، وهذان المجالان مرتبطان ببعضهما البعض. إذا أردت أن أختصر السياسة الداخلية في كلمة واحدة، فهي: العودة إلى الشعب.
عندما تقل نسبة المشاركة في الانتخابات عن 50%، ويكون جزء كبير من هذا النصف معترضا أيضا، وعندما يريد الناس إحداث تغيير ثم يصابون بالإحباط، فهذا يعني أن الشعب قد تم تجاوزه. وعندما يتم تجاوز الشعب، تضعف سلطة الدولة والحكم.
في السياسات العامة، في التعيينات، في المشاركة السياسية، في نمط الحياة، في الحقوق والحريات، في الإعلام، وفي كثير من الميادين الأخرى، لا بد من العودة إلى الشعب. لا يصح أن تجلس فئة في الأعلى وتظن أنها قادرة على فرض إرادتها على الناس باستخدام أدوات السلطة مهما كلّف الأمر. هذا التفكير غير سليم، ونتيجته هي الواقع الذي نعيشه اليوم.
أما في السياسة الخارجية، فلا أقول إنه ينبغي التصالح مع الولايات المتحدة أو غيرها، فهذه ليست هي المسألة. القضية تكمن في أن هناك نظاما دوليا قائما بقواعد محددة. إذا أردنا أن نعمل ضمن هذا النظام، فعلينا ألا نتجاوز خطوطه الحمراء.
وإذا قررنا الانسحاب منه، فعلينا أن نتحمل تبعات المواجهة. سواء كان هذا النظام عادلا أو ظالما فليست هذه هي النقطة؛ هذا النظام وُجد قبلنا وسيبقى بعدنا.
السؤال الجوهري هو: هل تريد إيران أن تتعامل مع هذا النظام أم لا؟ للأسف، هي لا تتعامل ولا تنسحب. وبهذا نخسر ميزة الانخراط، وندفع ثمن العزلة.
لا بُد من الحسم: إمّا أن نخرج كليا من هذا النظام الدولي، أو نقبل قواعده بالكامل. المسألة ليست بهذه الصعوبة.

لماذا لا يُنفّذ الحديث عن الإصلاحات إلا في الأزمات، ثم يُنسى مع عودة الهدوء؟
هذه واحدة من الأسباب الجوهرية لفقدان ثقة الناس. على سبيل المثال، في عام 2022، ومع بداية الاحتجاجات، تم التصريح بضرورة وضع إطار قانوني للتظاهر، بل وطرحَ البعض فكرة تخصيص أماكن محددة للاحتجاجات. لكن ما إن هدأت الأوضاع، حتى تلاشى كل شيء، وكأن شيئا لم يكن. هذا النوع من السلوك هو ما يرسّخ انعدام الثقة.
المشكلة أننا نتحدث دائما بذهنيّة تكتيكية، لا برؤية استراتيجية. كررنا هذا النهج مرارا، ولم يحقق نتائج. في كل مرة، نؤجّل الحلّ الحقيقي، ومع كل تأخير، تتفاقم المشكلة أكثر، كأننا أمام مريض مصاب بالسرطان تترك حالته تتدهور، فتصبح معالجته أعقد وأثقل كلفة.
لو أننا، منذ البداية، واجهنا القضايا بتفاهم مع الناس، لما كنا مضطرين الآن إلى تجاوز هذا الكم من المشكلات المتراكمة. أما اليوم، فإن الأمور ستزداد سوءا ما لم تُنفذ إصلاحات جادّة.
هل الإصلاحات المطلوبة تتعلق بالحكم نفسه أم بعلاقة الناس بالحكم؟
إذا تم تلبية احتياجات الناس واحترامهم، فلن تكون لديهم مشكلة مع الحكم. المشكلة تكمن في أن الناس لا يُمنحون الاحترام الكافي، ولا يُؤتَمنون بما يكفي، رغم أنهم أصحاب هذا البلد.
جوهر الإصلاحات المطلوب هو موجَّه إلى السلطة، لا إلى الناس. فالشعب، في الحرب الأخيرة، وقف إلى جانب الدولة، وغيابه عن صناديق الاقتراع لم يكن تمرّدا، بل نتيجة لانعدام الثقة، لا رفضا للنظام.
لذا، المسألة الأساسية أن الحكم هو من يجب أن يُصلح علاقته مع الناس. ومع ذلك، لم يحدث أي تغيير فعلي، حتى إن دوريات الإرشاد عادت مجددا إلى الشارع، وكأن شيئا لم يكن.
ما موقع ظاهرة “النفوذ” في الإصلاحات المطروحة؟
للنفوذ سببان رئيسيان. الأول هو ابتعاد الحكومة عن الشعب؛ فعندما تتسع الفجوة بين الطرفين، يشعر بعض الأفراد بأن لا مكان لهم، ويفقدون انتمائهم، ما قد يدفعهم نحو الخيانة والعمل لصالح جهات معادية. هذه نتيجة طبيعية، وعلى السلطة أن تمنع مسبباتها قبل أن تتفاقم.
السبب الثاني هو ضعف أداء الجهاز الأمني والاستخباراتي. بدلا من التركيز على قضايا النفوذ الحقيقي، انشغلوا بملاحقة السياسيين والصحفيين والنساء والحجاب وأنماط حياة الناس، ما أدى إلى تجاهل التهديدات الفعلية، وسمح لبعض العناصر المشبوهة بالتسلل والنمو، ما أفضى إلى أحداث مؤسفة.
لو أُنجزت إصلاحات حقيقية وتحسنت علاقة الدولة بالناس، لما نشأت دوافع للخيانة. وإن بقيت حالات محدودة، فستكون نادرة، ويمكن للجهاز الأمني ـ إذا تحلى بالاستقلال المهني ـ أن يقوم بمهامه الحقيقية بكفاءة بعيدا عن التوظيف السياسي.
هل كان يمكن تفادي الحرب النفسية لو لم تُحجب وسائل التواصل؟
الحجب الرقمي انعكاس لانعدام الثقة بالمجتمع. صحيح أن هناك من يُعارض، لكن حين تُبنى العلاقة مع الناس على الشفافية والاحترام، تنتفي الحاجة إلى تقييد المنصات. ملايين المواطنين سيدافعون عن بلدهم، ولن يبقى سوى قلة محدودة من المتربصين، سرعان ما يتلاشون في ظل الحضور الشعبي الواسع.
تقييد الوصول إلى الفضاء الرقمي ليس حلا، بل نتيجة لتجاوز إرادة الناس وتهميشهم. وحين لا يُقصى الشعب، لا مبرر للخوف من حرية التعبير.
لو كانت الإذاعة والتلفزيون يتمتعان بالاستقلال والانفتاح، لما لجأ الجمهور إلى القنوات العابرة للحدود. ولو أُتيحت مساحة إعلامية حرة داخل البلاد، لما اندلعت هذه الحرب النفسية من الأساس.

