إحياء ذكرى الخميني.. استعادة لسيرة قائد غير وجه إيران المعاصرة

شهدت إيران هذا العام إحياء الذكرى السابعة والثلاثين لرحيل مؤسس الجمهورية الإسلامية روح الله الموسوي الخميني، في مراسم رسمية وشعبية أقيمت في طهران وعدد من المحافظات، بحضور شخصيات دينية وسياسية وعسكرية، إلى جانب حشود من المواطنين الذين شاركوا في فعاليات استذكار الرجل الذي ارتبط اسمه بأحد أبرز التحولات السياسية في تاريخ إيران الحديث.

وجاءت مراسم الذكرى هذا العام تحت عناوين ركزت على الوفاء لنهج الخميني واستحضار إرثه السياسي والديني، كما تزامنت في عدد من الفعاليات مع استحضار محطات تاريخية مرتبطة بانطلاق الثورة الإسلامية، ولا سيما انتفاضة الخامس من يونيو/حزيران 1963، التي تعد في الخطاب الإيراني الرسمي نقطة فاصلة في مسار المواجهة بين المرجعية الدينية ونظام الشاه.

Image

وفي طهران، فتحت أبواب المرقد أمام المشاركين منذ ساعات الصباح الأولى، قبل أن تبدأ المراسم الرسمية بحضور فئات مختلفة من المواطنين، إلى جانب مسؤولين وشخصيات عامة. وتخللت الفعاليات كلمات دينية وسياسية، وأناشيد ومراسم رثاء، ركزت على شخصية الإمام الخميني باعتباره مؤسس النظام السياسي القائم في إيران، وعلى أثره في إعادة تشكيل العلاقة بين الدين والدولة، وبين المجتمع والسلطة.

Image

كما أقيمت مراسم مماثلة في محافظات أخرى، من بينها قزوين وتشهارمحال وبختياري وأذربيجان الغربية، حيث صدرت بيانات وكلمات تؤكد أن ما تصفه المؤسسات الإيرانية بالعزة والاستقلال والاقتدار يمثل جزءا من الإرث السياسي الذي تركه الإمام الخميني. وفي هذه الفعاليات، برزت قراءة متكررة لسيرته بوصفها مسارا بدأ من البيئة العلمية والدينية في مدينة خمين، ومر بمراحل الدراسة والتدريس في قم والنجف، ثم النضال ضد نظام الشاه، وصولا إلى تأسيس الجمهورية الإسلامية عام 1979 وقيادتها حتى وفاته في يونيو/حزيران 1989.

Image

النشأة والتكوين العلمي

ولد روح الله الموسوي الخميني في مدينة خمين التابعة لمحافظة مركزي الإيرانية، في 24 سبتمبر/أيلول 1902، في أسرة دينية عرفت بالعلم والهجرة والجهاد. وكان والده، آية الله السيد مصطفى الموسوي، من رجال الدين الذين درسوا في النجف وبلغوا مرتبة الاجتهاد، قبل أن يعود إلى إيران ويصبح مرجعا دينيا محليا في خمين.

Image

لم تدم حياة الأب طويلا بعد ولادة ابنه، إذ قتل عندما كان روح الله لا يزال طفلا رضيعا لم يتجاوز عمره خمسة أشهر، إثر صراع مع بعض القوى المحلية المدعومة من السلطة آنذاك. وقد ترك هذا الحدث أثرا مبكرا في حياة الإمام الخميني، إذ نشأ يتيما، وتعرف منذ الطفولة إلى مفهومي الظلم والشهادة، كما تذكر المصادر الإيرانية التي تناولت سيرته.

تولى رعايته في سنواته الأولى والدته السيدة هاجر، وهي من أسرة دينية معروفة، وعمته صاحبة خانم، التي توصف في الروايات الإيرانية بأنها امرأة شجاعة وذات شخصية قوية. غير أنه فقدهما أيضا في سن الخامسة عشرة، ليواجه في مرحلة مبكرة من حياته سلسلة من الفقدان والتجارب القاسية.

بدأ الخميني دراسته الدينية في مسقط رأسه، ثم انتقل إلى أراك، قبل أن يلتحق بالحوزة العلمية في قم بعد انتقال عبد الكريم الحائري اليزدي إليها عام 1921، وهناك أكمل مراحل دراسته في الفقه والأصول والفلسفة والعرفان والأخلاق، وتتلمذ على عدد من كبار علماء الحوزة، بينهم آية الله الحائري، والسيد محمد تقي الخوانساري، والسيد علي يثربي الكاشاني.

Image

لم يقتصر حضور الخميني في قم على الدراسة فقط، بل أصبح بعد سنوات من أبرز المدرسين في الحوزة، حيث درس الفقه والأصول والفلسفة والعرفان والأخلاق الإسلامية في عدة مدارس ومساجد، من بينها المدرسة الفيضية ومسجد الأعظم ومسجد السلماسي. وقد عرف في تلك المرحلة بوصفه عالما صاحب رأي، يجمع بين التكوين الفقهي التقليدي والاهتمام بالفكر السياسي والدور الاجتماعي للمؤسسة الدينية.

Image

وبعد وفاة آية الله الحائري عام 1937، شارك الخميني مع عدد من علماء قم في الجهود الرامية إلى الحفاظ على موقع الحوزة العلمية وتعزيز مرجعيتها، وكان من الداعمين لانتقال آية الله حسين البروجردي إلى قم، لما كان يمثله من ثقل علمي قادر على تثبيت مكانة الحوزة في مرحلة سياسية مضطربة.

من المعارضة إلى قيادة الثورة

تطورت شخصية الإمام الخميني السياسية في سياق تاريخي شديد التعقيد. فقد عاصر في شبابه آثار الحرب العالمية الأولى، وصعود رضا خان إلى السلطة بعد انقلاب عام 1921، ثم قيام الدولة البهلوية وما رافقها من سياسات مركزية صارمة، كان لها أثر مباشر في العلاقة بين السلطة والمؤسسة الدينية.

وبحسب سيرته، كان الخميني يتابع بدقة التحولات السياسية في إيران والعالم الإسلامي، ويدرك أن بقاء الحوزات العلمية واستمرار صلتها بالمجتمع يمثلان عاملا أساسيا في مواجهة ما كان يراه تغريبا وتهميشا للدين. وفي عام 1949، شارك في إعداد مشروع لإصلاح بنية الحوزة العلمية، بالتعاون مع آية الله مرتضى الحائري، في محاولة لتطوير المؤسسة الدينية من الداخل.

Image

غير أن التحول الأبرز في مساره السياسي جاء مطلع ستينيات القرن العشرين، عندما عارض لائحة مجالس الولايات والأقاليم التي أقرتها حكومة أسد الله علم في أكتوبر/تشرين الأول 1962. رأى الخميني وعدد من علماء قم أن هذه اللائحة تمس الهوية الإسلامية للدولة، خصوصا ما يتعلق بشرط الإسلام والقسم بالقرآن في الانتخابات. وقد قاد هذا الاعتراض إلى مواجهة سياسية مباشرة مع نظام الشاه.

Image

وفي عام 1963، أعلن الشاه ما عرف بالثورة البيضاء، وهي حزمة إصلاحات سياسية واجتماعية واقتصادية حظيت بدعم أمريكي. لكن الإمام الخميني انتقد هذه الإصلاحات بشدة، واعتبرها وسيلة لتعزيز نفوذ الولايات المتحدة وإسرائيل داخل إيران. وفي مارس/آذار 1963، دعا إلى مقاطعة احتفالات النوروز، العيد القومي الإيراني، احتجاجا على سياسات النظام.

بلغ التصعيد ذروته في يونيو/حزيران 1963، عندما ألقى الخميني خطابا حادا في المدرسة الفيضية في قم يوم 3 يونيو/حزيران، انتقد فيه الشاه وعلاقاته بإسرائيل. وبعد يومين، في 5 يونيو/حزيران 1963، اعتقلته قوات الأمن، ما أدى إلى اندلاع احتجاجات واسعة في قم وطهران ومدن أخرى. وقد قمعت السلطات تلك الاحتجاجات بقوة، لكن هذا الحدث أصبح لاحقا من أبرز المحطات المؤسسة للثورة الإسلامية.

أفرج عن الخميني في أبريل/نيسان 1964، لكنه عاد إلى المواجهة بعد أشهر، خصوصا إثر انتقاده قانون الحصانة القضائية للأمريكيين المعروف بالكابيتولاسيون. وفي 4 نوفمبر/تشرين الثاني 1964، اعتقل مرة أخرى ونفي إلى تركيا، حيث أقام نحو أحد عشر شهرا، بدأ خلالها تأليف كتابه الفقهي المعروف تحرير الوسيلة.

Image

وفي أكتوبر/تشرين الأول 1965، نقل من تركيا إلى العراق، حيث استقر في النجف. وهناك بدأ مرحلة طويلة من التدريس والنشاط السياسي استمرت نحو ثلاثة عشر عاما. وفي النجف، قدم سلسلة دروسه حول ولاية الفقيه، التي عرض فيها رؤيته النظرية للحكومة الإسلامية، وهي الرؤية التي ستشكل لاحقا الأساس الدستوري والسياسي للجمهورية الإسلامية.

وخلال إقامته في النجف، حافظ الخميني على صلته بأنصاره داخل إيران عبر الرسائل والبيانات والموفدين، كما تابع قضايا العالم الإسلامي، ومن بينها القضية الفلسطينية. ومع تصاعد الاحتجاجات داخل إيران عامي 1977 و1978، عاد اسمه بقوة إلى واجهة المشهد السياسي، خاصة بعد وفاة نجله مصطفى الخميني في أكتوبر/تشرين الأول 1977، وما تبعها من مجالس عزاء تحولت إلى تجمعات سياسية معارضة.

Image

وفي يناير/كانون الثاني 1978، أدى نشر مقال مسيء إليه في صحيفة اطلاعات إلى احتجاجات واسعة في قم، قتل خلالها عدد من طلاب الحوزة. وتوالت بعد ذلك الاحتجاجات في مدن إيرانية عدة، حتى أصبحت الحركة الشعبية ضد الشاه أكثر اتساعا وتنظيما.

في سبتمبر/أيلول 1978، حاصرت السلطات العراقية منزل الخميني في النجف، وفي أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه غادر العراق متوجها إلى الكويت، لكن الكويت رفضت دخوله، فاختار السفر إلى فرنسا. وصل إلى باريس في 6 أكتوبر/تشرين الأول 1978، واستقر في نوفل لوشاتو، التي تحولت خلال أشهر قليلة إلى مركز إعلامي وسياسي للثورة الإيرانية.

Image

وفي يناير/كانون الثاني 1979، شكل الخميني مجلس الثورة، بينما غادر الشاه إيران في 16 يناير/كانون الثاني. وبعد أسابيع، عاد الإمام الخميني إلى طهران في 1 فبراير/شباط 1979 بعد 14 عاما من المنفى، وسط استقبال جماهيري قدر بالملايين. وبعد عشرة أيام، في 11 فبراير/شباط 1979، سقط نظام الشاه، وأعلن انتصار الثورة الإسلامية.

Image

تأسيس الجمهورية الإسلامية والرحيل

بعد انتصار الثورة، أصبح الإمام الخميني الشخصية المركزية في النظام الجديد. وفي أبريل/نيسان 1979، أعلنت الجمهورية الإسلامية بعد استفتاء شعبي، ثم وضع دستور جديد منح موقع الولي الفقيه صلاحيات واسعة في قيادة الدولة، استنادا إلى الرؤية التي كان الخميني قد بلورها في دروسه بالنجف.

Image

واجهت إيران في سنواته الأولى في الحكم تحديات داخلية وخارجية كبرى، من بينها إعادة بناء مؤسسات الدولة، والصراع بين القوى السياسية المختلفة، وأزمة السفارة الأمريكية في طهران عام 1979، ثم اندلاع الحرب العراقية الإيرانية في سبتمبر/أيلول 1980، التي استمرت ثماني سنوات حتى عام 1988. وقد قاد الخميني البلاد خلال هذه الحرب من موقعه بوصفه المرشد الأعلى والمرجعية السياسية والدينية الأبرز في النظام.

وفي الخطاب الإيراني الرسمي، ينظر إلى تلك المرحلة بوصفها اختبارا حاسما لبقاء الجمهورية الإسلامية، بينما يراها باحثون ومراقبون أيضا مرحلة تشكلت خلالها بنية الدولة الجديدة، ومؤسساتها الأمنية ،والسياسية والعقائدية. وقد بقي الخميني حتى أواخر حياته حاضرا في القرارات الكبرى، وفي توجيه الخطاب العام للدولة.

Image

مع اقتراب منتصف عام 1989، تدهورت حالته الصحية. وفي مساء 3 يونيو/حزيران 1989، توفي الإمام الخميني عن عمر ناهز 87 عاما. وقد أحدث خبر وفاته صدمة واسعة في إيران، حيث خرجت حشود ضخمة للمشاركة في مراسم التشييع والوداع. وتشير الروايات الإيرانية إلى أن الملايين تجمعوا في طهران لتشييع جثمانه، في مشهد وصف بأنه من أكبر التجمعات الشعبية في تاريخ البلاد.

Image

في 4 يونيو/حزيران 1989، انعقد مجلس خبراء القيادة لاختيار خلف له. وبعد قراءة وصيته ومداولات استمرت ساعات، اختير علي خامنئي، الذي كان حينها رئيسا للجمهورية ومن تلامذة الإمام الخميني وأنصاره، مرشدا جديدا للجمهورية الإسلامية.

لم تكن وفاة الخميني، في القراءة الإيرانية الرسمية، نهاية مرحلة بقدر ما كانت بداية مرحلة جديدة من ترسيخ النظام الذي أسسه. فشخصيته لا تزال حاضرة في الخطاب السياسي والديني الإيراني، كما أن ذكراه السنوية تتحول كل عام إلى مناسبة لإعادة قراءة الثورة، واستحضار مسار رجل انتقل من الدراسة والتدريس في الحوزة إلى قيادة ثورة غيرت بنية الحكم في إيران، وأثرت في توازنات المنطقة لعقود لاحقة.