البرلمان الإيراني يعلق التعاون مع الوكالة الدولية

في سياق إقليمي مشحون بالصراعات والضغوط المتزايدة، تتخذ طهران خطوة جديدة تعكس تحولا واضحا في مقاربتها لملفها النووي وعلاقتها بالمنظمات الدولية. يأتي ذلك وسط تصاعد القلق الإيراني مما تعتبره تواطؤا دوليا مع هجمات استهدفت بنيتها التحتية النووية، ووسط شكوك متزايدة في حياد الجهات الرقابية المعنية. وبينما تواجه إيران اتهامات متكررة بعدم الشفافية، تصر من جهتها على أن سيادتها الوطنية وحقوقها بموجب القوانين الدولية تتعرض لانتهاكات متواصلة، ما يفتح الباب أمام مرحلة أكثر صدامية في العلاقة بين طهران والوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وفي خطوة تصعيدية جديدة تضاف إلى مسار العلاقة المتأزمة بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، صوّت البرلمان الإيراني صباح الأربعاء الموافق 25 يونيو/حزيران 2025 لصالح مشروع قانون يلزم الحكومة بتعليق التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ذلك في أعقاب صمت الوكالة الدولية تجاه الهجمات الأمريكية التي تعرضت لها المنشآت النووية الإيرانية في نطنز، وفردو وأصفهان.

مجلس ادامه همکاری با آژانس بین‌المللی انرژی اتمی را تعلیق کرد

 وجاء التصويت خلال الجلسة العلنية للبرلمان، حيث وافق 221 نائبا من أصل 223 حاضرا على مشروع القانون، دون أي صوت معارض، بينما امتنع نائب واحد فقط عن التصويت.

 هذا وقد نصت المادة الرئيسية من المشروع على أنه “بناء على انتهاك سيادة الجمهورية الإيرانية ووحدة أراضيها من قبل الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية، واستهداف منشآتها النووية السلمية، وتهديد مصالحها العليا، واستنادا إلى المادة 60 من معاهدة فيينا لعام 1969 بشأن المعاهدات، تلتزم الحكومة الإيرانية بتعليق أي تعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT) ونظام الضمانات التابع لها، حتى تحقق الشروط اللازمة.

مجلس ادامه همکاری‌ با آژانس بین‌المللی انرژی اتمی را تعلیق کرد

وذكر البرلمان شروطه تلك، فقال إن “التأكد من الاحترام الكامل للسيادة الوطنية ووحدة الأراضي الإيرانية، وضمان أمن المراكز والعلماء النوويين، وفقا لميثاق الأمم المتحدة، وبموافقة المجلس الأعلى للأمن القومي، كذلك التأكد من تمكين إيران من ممارسة جميع حقوقها المنصوص عليها في المادة 4 من معاهدة NPT، لا سيما الحق في تخصيب اليورانيوم داخل البلاد، بحسب تقدير المجلس الأعلى للأمن القومي”.

كما أقر البرلمان بندا خاصا بتلك المادة يقضي بإلزام الحكومة بتقديم تقرير دوري كل ثلاثة أشهر إلى البرلمان والمجلس الأعلى للأمن القومي حول مدى تحقق هذه الشروط، وفي إجراء مكمّل، صوّت النواب على إضافة بند عقابي ينص على أن أي شخص يخل بتنفيذ هذا القانون سيُعاقب بالسجن التعزيري من الدرجة السادسة، وفق المادة 19 من قانون العقوبات، لتختم الجلسة البرلمانية بهتاف رئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف، ونواب البرلمان الحاضرين بشعار “الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل”.

شعار مرگ بر آمریکا و مرگ بر اسرائیل نمایندگان پس از رای به طرح تعلیق همکاری‌ها با آژانس/ ویدئو

التوترات السابقة مع الوكالة الدولية

يأتي هذا القرار في أعقاب سلسلة طويلة من الخلافات بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، تصاعدت بشكل خاص بعد صدور قرار من مجلس محافظي الوكالة بتاريخ الخميس 12 يونيو/حزيران 2025، وقبل ساعات من بداية الهجوم الإسرائيلي على الأراضي الإيرانية، اتهم إيران بعدم الالتزام بموجبات اتفاق الضمانات، لا سيما في ما يتعلق بعمليات تخصيب اليورانيوم فوق النسبة المسموح بها.

ادعای ضد ایرانی اسرائیل در واکنش به قطعنامه شورای حکام

ذلك القرار الذي جاء بناء على تقارير قدمها المدير العام للوكالة، رافائيل غروسي، اتهم فيها إيران بعرقلة عمليات التفتيش، ومنع المفتشين من الوصول إلى مواقع مشبوهة، مع استمرار طهران في تركيب أجهزة طرد مركزي متطورة وتخصيب اليورانيوم بنسبة تفوق 60%. ورغم محاولات إيرانية متكررة لتأكيد الطابع السلمي للبرنامج النووي، فإن الوكالة تصر على وجود انعدام للشفافية من الجانب الإيراني.

قطعنامه شورای حکام آژانس علیه ایران؛ تهران می‌گوید سانتریفیوژهای جدید  راه‌اندازی می‌کند - BBC News فارسی

كانت إيران عبرت من جانبها، أن هذه الاتهامات تمثل انحيازا سياسيا إلى الغرب وتجاهلا لتعاونها السابق، حيث أكدت طهران مرارا، أنها تجاوزت في تعاونها حدود ما تنص عليه اتفاقيات الضمانات.

مواقف غاضبة وتحذيرية من نواب البرلمان

خلال تلك الجلسة البرلمانية، برزت سلسلة من التصريحات اللافتة لعدد من النواب خلال مناقشة مشروع القانون، أبرزها جاء على لسان المتحدث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية، إبراهيم رضائي، الذي أوضح أن المشروع خضع للمراجعة يوم الاثنين 24 يونيو/حزيران 2025، وتم إقراره بعد إدخال بعض التعديلات عليه، لافتا إلى أن جوهر المشروع هو الرد على الانتهاكات التي تمس أمن البلاد النووي، في ظل تصاعد التهديدات واستمرار الاعتداءات على منشآت إيران الاستراتيجية.

البرلمان الإيراني ينفي أي نوايا لإجراء مفاوضات ثنائية مع واشنطن | إرم نيوز

بدوره، أكد النائب محمود نبويان، نائب رئيس اللجنة، أن القانون لا يُعد انسحابا من معاهدة عدم الانتشار النووي، بل يتعلق حصريا بتعليق التعاون الفني والرقابي مع الوكالة، وبيّن أن أحد أهم بنوده يتمثل في منع تركيب أي كاميرات رقابية، سواء تلك الخاضعة لنظام الضمانات أو ما يُعرف بالكاميرات الإضافية، إلى جانب حظر دخول أي مفتشين تابعين للوكالة إلى الأراضي الإيرانية، بغض النظر عن رتبهم الإدارية.

‫برلماني ايراني: آیة الله رئيسي أوصل صوت ایران إلی أسماع العالم - IRNA Arabic‬‎

وأشار نبويان إلى أن إيران اعتادت تسليم تقارير دورية بشأن أنشطتها النووية إلى الوكالة الدولية، إلا أن هذه التقارير، وفق قوله، كانت تسرب مباشرة إلى الجانب الإسرائيلي، مما شكل تهديدا مباشرا لأمن العلماء والمواقع النووية، وبناء عليه، تم النصّ في المشروع على حظر تقديم أي تقارير للوكالة مستقبلا، باعتبار أن أحد الأهداف المحورية للقانون هو حماية البنية التحتية النووية ومن يعملون فيها من عمليات الاغتيال والاستهداف، كما ذكر نبويان أن المادة الرابعة من معاهدة NPT تضمن للدول الأعضاء حق البحث والتطوير والإنتاج والاستفادة من الطاقة النووية، مؤكدا أن إيران ستتشبث بهذا الحق المشروع حتى ضمان أمن مواقعها بشكل كامل.

من جهته، أطلق النائب علي خضریان، ممثل طهران وأحد الموقعين على طلب إعطاء الأولوية لمناقشة المشروع، سلسلة من الانتقادات لسلوك الدول الغربية تجاه الملف النووي، معتبرا أن حق إيران في الطاقة النووية السلمية تعرّض لهجوم مباشر من قبل إسرائيل والولايات المتحدة وبعض القوى الغربية، مشيرا إلى أن طهران تعاطت مع الوكالة الدولية بما يفوق الالتزامات المنصوص عليها في الضمانات، دون أن تسجل أي حالات انحراف، لكن بالرغم من ذلك، جاءت تقارير المدير العام للوكالة جروسي، وفق وصفه “مسيسة ومخالفة للواقع”، وقد وفّرت أرضية مناسبة لتبرير الهجمات الإسرائيلية.

‫تم التخطيط للحرب في حلب بدعم من الغربيين وحلف شمال الأطلسي - Mehr News  Agency‬‎

خضریان أيضا اتهم الدول الغربية بأنها منحت ضوءا أخضر لاستهداف المنشآت النووية الإيرانية، متسائلا عن دوافع صمتها، ومشيرا إلى أن عمليات التفتيش تمثل وسيلة لاكتشاف المواقع المتضررة، ما يسهل تنفيذ هجمات جديدة عليها، وتابع بالقول: “اليوم، تطالب القوى الغربية وأميركا وبعض الدول الأوروبية بأن يكون تخصيب إيران صفرا! بأي حق يتحدثون عن ذلك؟ أليس هذا تدخلا في شؤوننا الداخلية؟”.

وفي مداخلة أخرى خلال الجلسة، وجه نائب رئيس البرلمان، علي نيكزاد، انتقادات شديدة إلى المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، فصرح بأنه “يجب على غروسي أن يخجل من نفسه. حين يكون في طهران يدلي بتصريحات معينة، لكنه حين يعود إلى فيينا ينقلب على مواقفه. لقد كذب، ويجب أن يشعر بالخزي أمام الرأي العام العالمي”.

علي نيكزاد: إكمال الشبكة الوطنية للمعلومات يحبط مخططات الاعداء :: نورنیوز

أما النائب محمد قسیم عثماني، ممثل مدينة بوكان، فقد صرح بكلمة اعتبر فيها بأن الشعب الإيراني هو القنبلة النووية الحقيقية، قائلا: “في لحظات الدفاع عن الوطن، لم يتردد الشعب لحظة واحدة، وتصدّى لمؤامرات الأعداء بثباته وولائه للقيادة”. وأضاف أن المواطن الإيراني هو من يصنع الردع الحقيقي، وليس أجهزة الطرد المركزي.

محمد قسیم عثمانی

مثّل قرار البرلمان الإيراني تصعيدا جديدا في علاقات طهران المتوترة مع الغرب والوكالة الدولية للطاقة الذرية، ويأتي في توقيت حرج عقب هجمات غامضة استهدفت منشآت نووية حساسة، وبينما ترى الحكومة والبرلمان أن الوكالة لم تعد شريكا نزيها، يرى مراقبون أن تعليق التعاون قد يعمّق عزلة إيران الدولية، ويعقّد جهود إحياء الاتفاق النووي، في المقابل، تعكس مواقف النواب إصرارا على استعادة زمام المبادرة في الملف النووي، ولو كان الثمن هو مواجهة جديدة مع المجتمع الدولي.