إيران بين زانغزور وممر الشمال–الجنوب.. خيارات بديلة لتفادي الحصار الجيوسياسي

نشرت صحيفة فرهيختكان الأصولية، الأربعاء 20 أغسطس/آب 2025، تقريرا أشارت فيه إلى أنه بعد أيام قليلة من الاتفاق الثلاثي بين أذربيجان وأرمينيا والولايات المتحدة حول إنشاء ممر بين نخجوان وأذربيجان، قام الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، يوم الاثنين 18 أغسطس/آب 2025، بزيارة يريفان للقاء رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان، وكان من الطبيعي أن يكون موضوع ممر زانغزور وتحديد مسارات عبور إيران عبر القوقاز في صدارة محاور النقاش.

وأضافت الصحيفة أن الحساب المنسوب إلى بزشكيان نشر عقب هذه الزيارة توضيحا حول موقفه من قضية زانغزور، جاء فيه أنه خلال اجتماعه مع باشينيان أكد تمسك حكومة إيران بالحفاظ على سيادة أرمينيا ووحدة أراضيها، وتعزيز العلاقات الودية بين البلدين، مشددا على ضرورة تبديد القلق المتعلق بوجود قوى ثالثة قرب الحدود المشتركة بشكل كامل.

وتابعت أن نائب الشؤون السياسية في مكتب بزشكيان أعلن أن باشينيان أكد خلال لقائه مع بزشكيان، التمسك بعلاقات جيدة مع طهران، وعدم تغيير الحدود بوصفه قرارا نهائيا وخطا أحمرا بالنسبة ليريفان.

وأردفت أن وزير الطرق والتنمية العمرانية الإيراني، الذي رافق الرئيس في هذه الزيارة، شدد على أن الربط الاستراتيجي بين الخليج العربي والبحر الأسود عبر خط السكة الحديدية الإيراني إلى جلفا ومن ثم إلى نخجوان ويريفان سيكون له تأثير كبير على حركة الترانزيت بين إيران وأرمينيا وأذربيجان والدول الأوروبية، وهذه التصريحات جاءت بمثابة رد من الوزير على المخاوف المتعلقة بمحاولات فرض حصار جغرافي على إيران.

وأوضحت أن ملف ممر زانغزور يكشف عن تعقيدات جيوسياسية في المنطقة، فمن جانب هناك مخاوف من إغلاق طرق عبور إيران نحو أوروبا، ومن جانب آخر توجد حجج ترى أن هذا الإغلاق ليس أمرا محسوما، وإيران عبر تركيزها على التعاون الثنائي – كما ظهر في هذه الزيارة – تستطيع تعزيز موقعها، فمستقبل هذا الممر يعتمد على المفاوضات وتوازن القوى. 

وشددت على أن طهران ينبغي أن تستثمر في مسارات بديلة، وتتابع التطورات الأمنية لحماية مصالحها، وفي الوقت نفسه تحرص على عدم إهمال توسيع علاقاتها مع جيرانها.

وبيَّنت أن فلسفة زانغزور يمكن قراءتها في إطار التنافسات الإقليمية، فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب نسبه لنفسه واعتبره إنجازا للسلام، بينما تطرح أرمينيا مشروع مفترق طرق السلام لتحقيق التوازن، والمنتقدون يشيرون إلى احتمال تقييد وصول إيران، بينما يرى المؤيدون أن المسار سيبقى تحت سيطرة يريفان، فالوجود الأمريكي قد يفرض ضغوطا إضافية، لكن إيران قادرة عبر التخطيط الاقتصادي والسياسي على إبقاء طرقها مفتوحة.

وأبرزت أن تشابك المصالح المتناقضة في القوقاز جعل من ملف زانغزور قضية معقدة، بحيث إن أي تساهل في التحليل أو في وضع الخطط للتعامل معها لا يمكن تبريره، وقد يفرض على إيران تبعات جيوسياسية لا يمكن تداركها.

كن حذرا؛ لكن لا تكن محايدا

أوردت الصحيفة أنه في ضوء زيارة رئيس إيران لأرمينيا التي رافقه فيها وزراء الخارجية، والطرق والتنمية العمرانية، والتراث الثقافي، والصناعة والتعدين، إضافة إلى نائب الرئيس في منظمة التخطيط والميزانية، وأشار وزير الطرق والتنمية العمرانية إلى الاتفاقات المبرمة في مجال النقل البري، موضحا أنه سيتم رفع قدرة جسر نوردوز وإنشاء جسر ثان لتسهيل حركة سائقي الشاحنات الإيرانيين والأرمن، كما تقرر العمل على تنظيم المعابر الحدودية بين البلدين لتسهيل عملية الترانزيت.

وركَّز الوزير على المشكلات القائمة في مجال الرسوم والأضرار التي يتحملها السائقون الإيرانيون، مبينا أن التفاهمات الأولية قد أُنجزت، ومن المتوقع أن يتم تثبيتها بشكل نهائي ورسمي قريبا، وإلى جانب ذلك، هناك مذكرات تفاهم جديدة في قطاع النقل الجوي قيد التوقيع والتنفيذ.

ولفتت الصحيفة إلى أنه بالنظر إلى كون أرمينيا دولة حبيسة، فإن استخدام الموانئ الجنوبية لإيران في الخليج العربي وبحر عُمان يمكن أن يسهل عملية الترانزيت من شرق آسيا إلى يريفان، كما نوَّه الوزير إلى التعاون في المجالات الفنية والهندسية، مؤكدا أن شركات المقاولات الإيرانية تنشط في مشاريع البناء والطرق داخل أرمينيا، وأن هذه الشراكة ستتوسع في مجالات التكنولوجيا ومواد البناء والتقنيات الحديثة.

وأبلغت أن هذه الاتفاقات، التي تُعد جزءا من برنامج زيارة بزشكيان إلى أرمينيا، تمثل فرصة مناسبة لمزيد من البحث في قضية ممر زانغزور، وهذا الممر، الذي نُسب حتى إلى ترامب باعتباره إنجازا له، ستكون له بطبيعة الحال تداعيات أمنية وسياسية واقتصادية على جيران أرمينيا، أي روسيا وإيران، ولايمكن التعامل معه بوجهة نظر محايدة أو الاكتفاء بالمجاملات السياسية مع الجيران، بل يتطلب الأمر قدرا كبيرا من الحذر والتقدير للمستقبل.

الأهم من الاتفاق الثلاثي دخول واشنطن القوقاز

أفادت الصحيفة بأن جنوب القوقاز لطالما كان ساحة للتنافسات الجيوسياسية والنزاعات القومية والإقليمية، فالصراعات الطويلة بين أرمينيا وأذربيجان حول إقليم قره باغ، والتي أودت بحياة آلاف الأشخاص، تُعد واحدة من أعقد التحديات في هذه المنطقة، وإلى جانب ذلك، يُعتبر ممر زانغزور، الذي يتيح الربط المباشر بين أذربيجان ونخجوان وتركيا، ذا أهمية استراتيجية كبرى بالنسبة لقادة باكو وأنقرة. 

وأكَّدت أن هذا الممر يشكّل أيضا جزءا من مشروع أوسع هو الممر الأوسط الذي يهدف إلى ربط آسيا الوسطى بأوروبا عبر الدول الناطقة بالتركية دون الحاجة للمرور عبر الأراضي الإيرانية أو الروسية.

وجزمت بأن الاتفاق الأخير بين أرمينيا والولايات المتحدة بشأن إنشاء هذا الممر صعّد الأجواء الإعلامية، فقد ادعى ترامب أن هذا الاتفاق جاء بفضل جهوده الشخصية، بل وسعى إلى إطلاق اسمه على هذا الطريق في محاولة لترسيخ صورته كوسيط عالمي على أمل الفوز بجائزة نوبل للسلام.

وأوضحت أن تصريحات باشينيان في اليوم التالي للاتفاق، والتي أكد فيها على مشروع مفترق طرق السلام والتعاون الاقتصادي مع دول عدة بينها إيران، وروسيا، والصين، تعكس سعي يريفان إلى موازنة الضغوط السياسية وكسب دعم دول المنطقة، ومع ذلك، فإن ما يقوله باشينيان حول مفترق طرق السلام يتناقض مع دخول الولايات المتحدة إلى المنطقة، وهي التي اعتدت عسكريا بشكل مباشر على إيران. 

وأبرزت أن دخول واشنطن إلى عملية تحديد معادلات السياسة في القوقاز يُعد مسألة أكثر خطورة، بصرف النظر عن مضمون الاتفاق

بعد حرب الـ12 يوما لا يمكن تجاهل واشنطن

بيَّنت الصحيفة أنه بالنظر إلى حاجة إيران للارتباط بمسارات تجارية متعددة، يكتسب النقاش حول ممر زانغزور أهمية مضاعفة، فقد تصاعدت الأجواء الإعلامية بعد الاتفاق بين أرمينيا والولايات المتحدة بشأن إنشاء هذا الممر، وتُطرح مزاعم بأن تأسيسه سيؤدي إلى إغلاق الطريق أمام إيران للوصول إلى أوروبا عبر أرمينيا، وتستند هذه المخاوف إلى أن ممر زانغزور يمكن أن يوفّر طرقا بديلة تتجاوز إيران.

وأوردت أن المنتقدين يرون أنه رغم بقاء المسار تحت سيطرة أرمينيا، فإن إدارته ستُسند إلى شركة أمريكية، ما قد يقيّد فرص وصول إيران المحتملة ويخلق أزمة أمنية لطهران في ظل الدور الأمريكي في النزاعات الأخيرة، ويؤكد هذا الرأي أن الوجود الأمريكي قد يدفع أرمينيا إلى عرقلة استكمال مسارات الشمال – الجنوب.

وأضافت أن هناك حججا مضادة تشير إلى أن الحدود الجغرافية في الاتفاق الثلاثي بين أرمينيا وأذربيجان والولايات المتحدة لم تتغير، وهو ما شددت إيران مرارا على أنها لن تسمح بالمساس به، كما أن المسار المزمع إنشاؤه بين نخجوان وأذربيجان – الذي يتيح لتركيا ممرا نحو بحر قزوين – سيبقى تحت سيطرة أرمينيا.

وتابعت أن ما يتعلق بتأجير المسار لشركة أمريكية، يرد عليه المؤيدون بأن مثل هذا البند لم يرد في النص الأصلي للاتفاق، وبما أن الولايات المتحدة تمارس نشاطات أمنية في دول عدة مجاورة لإيران، فعلى طهران أن تتعامل مع هذا الوضع كما تعاملت مع الحالات المماثلة الأخرى.

وأردفت أن هذا لا يعني التغاضي عن التحديات الأمنية المحتملة، إذ يتعين على إيران، إلى جانب مراقبة دقيقة للتحركات الأمنية، أن توجه إنذارات لجيرانها في الشمال بشأن أي نشاطات تهدد أمنها، وأن توضح لهم أن أي تهديد ضدها انطلاقا من أراضيهم سيجعل الاعتبارات الأمنية تتغلب على الدبلوماسية، وأن طهران ستضع مصدر التهديد ضمن أهدافها المشروعة.

النموذج المباشر في قطر يجب عرضه على الآخرين

لفتت الصحيفة إلى أن مواجهة التهديدات المحتملة من حدود الجيران الشماليين لا تعني الدخول في مواجهة مع هؤلاء الجيران، تماما كما أن إيران ردّت على الهجوم الأمريكي ضد منشآتها النووية باستهداف قاعدة أمريكية في قطر، لتعلن أنها لن تقع في مجاملة سياسية حين يتعلق الأمر بالدفاع عن حدودها؛ لكن هذا الرد لم يكن يعني الدخول في مواجهة مع دولة قطر أو شعبها، إذ أكدت طهران مرارا احترامها لعلاقات حسن الجوار ورغبتها في تطوير العلاقات. 

وأبرزت أنه لا شيء يمنع إيران من الرد على التهديدات الصادرة من القواعد الأمريكية المقامة في المنطقة.

وأفادت أنه بالنسبة إلى ممر زانغزور، يجب تكريس النهج نفسه، ففلسفة إنشاء هذا الممر تنبع من الحاجة إلى ربط مباشر بين أذربيجان ونخجوان، وهو جزء من مشروع أوسع لربط آسيا الوسطى بأوروبا. 

ونوَّهت إلى أن هذا المشروع، الذي يركّز على الدول الناطقة بالتركية، قد يوفّر مسارات تتجاوز إيران أو روسيا في التجارة البرية بين آسيا وأوروبا، وعلى الرغم من أن إنشاء مثل هذا الطريق ستكون له تداعيات اقتصادية مؤكدة، إلا أن بعض الحجج تشير إلى أن إغلاق طريق أوروبا أمام إيران ليس أمرا محسوما.

وبيَّنت أن إحدى هذه الحجج أن ذلك يتطلب توترا شديدا بين تركيا وإيران، وهو ما لن يكون بلا تكلفة على أنقرة، إذ إن وصول تركيا إلى آسيا الوسطى عبر الطريق البري ذو قيمة كبيرة، بحيث إنها لن تضحي به بالاعتماد فقط على المسار المركّب بين البر والبحر، الذي يتطلب عمليتي شحن بحري في بحر قزوين.

وأوردت أنه في مثل هذه الظروف، ستتمكن إيران أيضا من المطالبة بالمقابل بضمان بقاء الطريق البري لنقل البضائع من تركيا إلى أوروبا مفتوحا، والأمر ذاته ينطبق على أرمينيا، ولهذا فإن الادعاء بخصوص حصرية الترانزيت على حساب إيران لا يحمل يقينا مطلقا.

وفي الختام، أقرّت الصحيفة بأن وجود الولايات المتحدة وتوليها إدارة ملف زانغزور عبر البيت الأبيض سيضاعف الضغوط على أرمينيا لمنع استكمال ممر الشمال – الجنوب، وفي ظل هذه الظروف، يتعيّن على إيران الاستثمار في مسارات بديلة بحرية وبرية عبر دول أخرى، وابتكار طرق موازية تحدّ من دوافع الضغط على أرمينيا، مع تحذير جيرانها الشماليين من التحوّل إلى مركز أمني للولايات المتحدة.