- زاد إيران - المحرر
- 663 Views
في خطوة لافتة ونادرة في المشهد السياسي والإعلامي، تراجعت حكومة مسعود بزشکیان عن مشروع قانون “مكافحة المحتوى الافتراضي” بعد موجة واسعة من الاعتراضات والضغط الشعبي، ما أثار جدلا واسعا حول دور الرأي العام في صناعة القرار وتأثيره في سياسات الدولة، وتكمن أهمية هذا الحدث في أنه يُعد سابقة نادرة، إذ لم يُعرف عن الحكومات السابقة تراجعها عن قراراتها استجابة لصوت الناس.
وفي هذا الإطار نشرت وكالة أنباء “خبر أونلاين“، السبت 2 أغسطس/آب 2025، حوارا مع محمد عطريانفر، الناشط السياسي الإصلاحي، حول دلالات هذا التراجع وأهميته، إضافة إلى رؤية مستقبلية لكيفية تعزيز العلاقة بين الإعلام، والرأي العام، والحكومة لضمان شفافية وفعالية في صناعة القرار السياسي والثقافي. وفي ما يلي نص الحوار:

سحبت الحكومة مشروع قانون “مكافحة المحتوى الافتراضي” الذي كانت قد أرسلته إلى البرلمان، وذلك تحت ضغط الرأي العام. فما مدى دلالة هذا التراجع في سياق العلاقة بين الدولة والمجتمع؟
عندما بلغني الخبر، شعرت بارتياح كبير، أهنّئ الحكومة على هذه الخطوة، التي تُعد — ولو لمرة واحدة، أو على الأقل كتصرف يُحمد — توافقا بين آذان السلطة النافذة ولسان الشعب الناطق.
لقد كان للرأي العام، بوصفه جمهور الإعلام، موقف واضح وتطلعات مشروعة، ظل صوته في الغالب غير مسموع، أما الآن، فقد وجد نفسه في موقع تُؤخذ فيه هواجسه على محمل الجد، إزاء واحد من أكثر مشاريع القوانين تأثيرا في عملية صناعة القرار السياسي.
هذه هي المرة الأولى التي تُبدي فيها الحكومة — وتحديدا حكومة الرئيس مسعود بزشكيان، وهي حكومة تُحظى بالاحترام بحق — تواضعا وتستجيب لمطلب شعبي مشروع، وهذا التراجع يُفهَم بمعناه الإيجابي، ولا ينبغي اعتباره هزيمة.
إذا استجابت حكومة ما لصوت العقل والحجة المنطقية، فذلك ليس دليل ضعف، بل علامة على قوتها ونضجها، ومن هذا المنطلق، أرى أن تراجع الحكومة وسحبها لمشروع القانون يُعد خطوة بالغة القيمة.
توصيتنا هي أنه في حال أُعيد النظر في مشروع القانون، وهو ما يجب أن يتم من خلال دائرة الشؤون القانونية برئاسة الجمهورية، وبمشاركة وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، ينبغي على المعنيين ألا يكتفوا بمداولات داخل دائرة مغلقة، بل أن يدعوا أهل الاختصاص في مجال الإعلام — سواء الرقمي أو الورقي — للاطلاع على آرائهم ومراعاة هواجسهم.
أما النقطة الأهم في هذا السياق، فهي أن أسلوب الرقابة يجب أن يتناسب مع طبيعة المجال المستهدف، فإذا كانت الرقابة تُمارَس على الشأن الثقافي والإعلامي، فلا يصح أن تُستخدم أدوات القمع كالسجن، والاعتقال، والإغلاق، والمصادرة.
هذه الأساليب لا تعالج المشكلات، بل تُعمّق الانقسامات داخل المجتمع، الرقابة يجب أن تُدار بلغة تقوم على التفاهم، والحوار، والإقناع، بين الجهات الرقابية والجهات الفاعلة في الحقل الإعلامي، اللجوء الدائم إلى الحلول السهلة، من قمع وتضييق، لن يُجدي نفعا، بل سيزيد الأمور تعقيدا.
وعليه، فإن توصيتنا إلى الزملاء في الشؤون القانونية برئاسة الجمهورية تتمثل في أمرين: أولا، أن يستندوا في تنظيم المجال الإعلامي والثقافي إلى أساليب مبنية على التوضيح والإقناع؛ وثانيا، أن يستعينوا في صياغة مشروع القانون الجديد بآراء الخبراء العاملين في ميدان الإعلام. فإذا تم اعتماد هذا النهج، فلا شك أننا سنشهد نتائج إيجابية وملموسة.

أحد الأصدقاء كتب تعليقا جميلا في الفضاء الافتراضي، أشار فيه إلى أنه لا تُزرع الألغام في المراعي من أجل اصطياد بضعة ضباع؛ بل يتم اللجوء إلى آليات تسمح بالاستفادة من المراعي دون الإضرار بها.
والأهم من كل ما أكدناه سابقا حول كيفية تصرف الدوائر القانونية، هو أن توفير بيئة إنتاج الأخبار والمحتوى بحرية مسؤولة وذكية، والسماح لأصحاب الكفاءة الحقيقيين بالدخول إلى الساحة وممارسة أدوارهم، سيُفضي بطبيعته إلى انحسار ظاهرة الإعلام الزائف، وتراجع إنتاج الأخبار الكاذبة والمضللة.
هل يشير حديثكم بوضوح إلى ضرورة استعادة مرجعية الإعلام المحلي في ظل التحديات التي يواجهها الخطاب الوطني اليوم؟
نعم، ينبغي أن تُستعاد مرجعية وسائل الإعلام داخل البلاد، وهذا يتطلّب أولا تعزيز مجال عملها وتوسيع صلاحياتها، وثانيا رفع شبح القمع عنها، من منع وإغلاق ومصادرة. إذا تحقق ذلك، فستنشأ بطبيعة الحال وسائل إعلام حقيقية، وسيتوجّه المجتمع إليها بثقة واهتمام.
إذا توفرت الحرية لوسيلة إعلامية، وعملت بمهنية ضمن إطار أخلاقيات الإعلام، فلن يكون هناك دافع لدى المجتمع السياسي والمدني في إيران للجوء إلى المنصات الإخبارية الخارجية، التي لا يُعرف رأسها من ذيلها، بل سيأخذ الناس أخبارهم واحتياجاتهم الإعلامية من منصات محلية، تعمل وفق قواعد سليمة، بحرية كافية، وبإمكانات محترمة، ومن دون أن تكون أسيرة الصراعات القديمة والانقسامات العقيمة.
وحين يتوفّر هذا المناخ، نكون قد خطونا فعليا نحو ترسيخ بنية إعلامية مستقرة في البلاد، قادرة على خدمة الصالح العام، واستثمار طاقات الإعلام في دعم المصالح الوطنية.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا يتعلق بدور الرأي العام في هذا المشهد، يبدو أن الرأي العام، سواء عن قصد أو دون وعي، قد تعبّأ بشكل دفع الحكومة إلى التراجع، هذا الأمر خلق لدى الجمهور شعورا جديدا بالثقة في قدرته على المطالبة والمساءلة، والحركة التي بدأت تبدو كخطوة أولى في مسار المطالبة المستمرة.

إذا كنتم تريدون تقديم اقتراحات للحفاظ على استمرارية هذا الحراك، فما المجالات التي ترون أنه يجب التركيز عليها لتكون محط تأثير؟
من المهم ألا يُفهم أن الحكومة انسحبت أو تراجعت خوفا من ضغط الرأي العام؛ هذا غير صحيح بالمرة، بالعكس، الحكومة أظهرت نضجا وتعقّلا، حيث أدركت بوعي أهمية هواجس الرأي العام في مجال الإعلام، فتجاوبت معها بتراجع محسوب ومدروس.
هل تقولون إن كل تراجع ليس بالضرورة خوفا، بل قد يكون علامة على التعقل؟
بالضبط؛ إنها خطوة نحو العقلانية، بدلا من أن نسميها “تراجعا”، يجب أن نسميها “تحركا نحو قرار عقلاني”، ويجب أن نثني عليها.
أما فيما يتعلق بما يمكننا التفكير فيه للمستقبل، إذا اتبعت المؤسسات التنفيذية سياسات مبنية على فهم علمي، وبخطوات ذكية ومتخصصة، وبدأت أولا بتوعية المجتمع المستهدف واستثمار القدرات الوطنية، فلن نصل أبدا إلى نقطة اضطرارنا لدفع الجهاز التنفيذي للتراجع عن قراراته؛ لن يكون هناك حاجة لمثل هذه الردود.
ما يمكننا التأكيد عليه على المدى الطويل هو أنه إذا سمحنا للمؤسسات المدنية والسياسية، القادرة على توجيه مستقبل البلاد بشكل صحيح، بأن تعمل رسميا وبشكل دقيق، مع توفير الحاكمية للبنية اللازمة، فإن كثيرا من القضايا يمكن أن تُناقش مسبقا داخل الأحزاب نفسها وبشكل استباقي، ويمكن أن تُرفع نتائج هذه الدراسات والبحوث إلى المؤسسات القانونية المختصة للاستفادة منها. وهذا هو الهدف الذي نأمل أن نصل إليه في المستقبل.

