زلزال السياسة والإعلام.. قراءة في ردود فعل الصحافة الإيرانية على اتفاق وقف إطلاق النار

كتب: الترجمان

لم يكن إعلان وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل مجرد خبر عابر في شريط الأنباء، بل كان زلزالا ضرب أركان المؤسسات الإعلامية في طهران، خاصة وأنه تزامن مع لحظة عاطفية وسياسية فارقة وهي مرور أربعين يوما على مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي. 

هذا التزامن منح الاتفاق صبغة “المعجزة السياسية” في نظر الإعلام الرسمي، الذي سارع لتصوير الأمر كوفاء لدم القيادة الراحلة. وبينما كانت مطابع الصحف الكبرى في طهران تغلق أبوابها لنشر أعداد الصباح، جاء نبأ التوافق في منتصف الليل ليجبر غرف التحرير على الاستنفار، حيث شهدت العاصمة الإيرانية ظاهرة “الطبعات الثانية” لصحف مثل “همشهري” و”فرهيختكان”، في محاولة لضبط الإيقاع الإعلامي مع المتغيرات الدولية المتسارعة التي أعادت رسم موازين القوى في المنطقة بعد 40 يوما من النيران المتبادلة.

كيهان وصراع الأيديولوجيا: من “خنق الكلب” إلى قبول الانتصار 

تعتبر صحيفة “كيهان”، برئاسة تحريرها لـ حسين شريعتمداري، البوصلة الأيديولوجية للتيار الأصولي، وقد عكس سلوكها الإعلامي حالة من الارتباك الأولي التي تحولت لاحقا إلى مرافعة سياسية. 

في نسختها الورقية التي لم تلحق بالاتفاق، كان العنوان صادماً: “بدلا من وقف إطلاق النار، يجب خنق هذا الكلب المسعور“، في إشارة واضحة للرفض المطلق لأي تهدئة. شريعتمداري، في مقاله الافتتاحي، ذهب إلى أبعد من ذلك واصفا المفاوضات بأنها “خيانة” لدماء الشهداء ومنحة مجانية للعدو لترميم صفوفه

Image

ومع ذلك، ومع اتضاح معالم “الشروط العشرة” الإيرانية، اضطر شريعتمداري لإجراء “تعديل مسار” عبر القنوات الرقمية للصحيفة، موضحا أن معارضته كانت مبنية على فرضية التنازل، أما وقد قبل ترامب بالشروط الإيرانية، فإن الاتفاق يتحول من “فخ” إلى “فتح مبين”.

هذا التحول يظهر بوضوح كيف تحاول الأصولية المتشددة الموازنة بين خطاب “المقاومة الأبدية” وبين ضرورة دعم قرارات المجلس الأعلى للأمن القومي.

Image

سردية “غرق الفرعون”: الحرب النفسية في الصحافة الأصولية 

استخدمت الصحف الأصولية القريبة من مؤسسات الدولة، مثل “همشهري”، التابعة لبلدية طهران، لغة بصرية ورمزية عالية التأثير لترسيخ مفهوم النصر في العقل الجمعي. 

فقد تصدرت صورة دونالد ترامب بملابس “فرعون” غلاف الصحيفة تحت عنوان “التاريخ يعيد نفسه.. غرق الفرعون مرة أخرى”. هذه الاستعارة الدينية لم تكن عبثية، بل هدفت لربط الصراع الحالي بالقصص القرآنية حول انتصار الحق على الباطل المتغطرس. 

وأكدت الصحيفة أن “ركوع” ترامب وقبوله بالشروط العشرة الإيرانية يمثل نهاية الحقبة الأمريكية في المنطقة.

 وفي ذات السياق، ركزت صحيفة “فرهيختكان” على وصف ترامب بـ”المقامر الخاسر”، معتبرة أن ثبات الشعب والقوات المسلحة طوال أربعين يوما هو الذي أجبر البيت الأبيض على تحويل مقترحات طهران إلى “خارطة طريق” إجبارية لوقف إطلاق النار، مما جعل من الورقة الإيرانية وثيقة سيادية بامتياز.

Image

لغز الشروط العشرة: بين مكاسب الميدان وطموحات الدبلوماسية 

رغم التكتم الرسمي على النص الكامل للاتفاق، إلا أن وكالات الأنباء القريبة من الحرس الثوري، وعلى رأسها “تسنيم”، بدأت في نشر تسريبات لما وصفته بـ”الانتصار الاستراتيجي”. 

وتتضمن هذه الشروط، حسب الرواية الإعلامية، بنودا تعجيزية قبلت بها واشنطن تحت ضغط الميدان، منها: الالتزام الأمريكي بعدم الاعتداء مستقبلا، والاعتراف الكامل بحق إيران في التخصيب النووي، ورفع كافة أنواع العقوبات دون قيد أو شرط، بالإضافة إلى دفع تعويضات مالية ضخمة عن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الإيرانية. 

كما شملت التغطية التأكيد على بقاء سيطرة إيران المطلقة على مضيق هرمز وانسحاب القوات الأجنبية من المنطقة. هذه التغطية لم تكن مجرد نقل للأخبار، بل كانت تهدف لخلق واقع سياسي جديد يضع أي مفاوضات مستقبلية تحت سقف هذه المطالب المرتفعة، وتصوير وقف إطلاق النار كـ”استسلام غير مشروط” للطرف الآخر.

Image

حميد رسائي والشرخ الداخلي 

على الطرف الآخر من المشهد، لم تمر رواية “النصر المطلق” دون تشكيك، حتى من داخل الصف الأصولي نفسه. فقد برز صوت النائب حميد رسائي كمنصة للنقد الذاتي، حيث هاجم بشدة ما وصفه بـ  صناعة الإنجازات التي يمارسها التلفزيون الحكومي. 

رسائي، عبر قناته على تلغرام، تساءل بمرارة: “عن أي توافق تتحدث شبكة الخبر؟”، معتبرا أن إيهام الجمهور بقبول أمريكا بشروط مثل “الخروج من المنطقة” أو “دفع التعويضات” هو تزييف للحقائق قد يرتد سلبا على النظام حينما تظهر الوقائع الميدانية. 

هذا النقد يكشف عن وجود تيار يخشى من أن يؤدي الإفراط في البروباغندا إلى فجوة ثقة بين الشعب والدولة، مؤكداً أن الصمود في الحرب كان كافياً بحد ذاته كإنجاز، ولا يحتاج إلى تجميل بوعود دبلوماسية قد لا تتحقق على أرض الواقع.

Image

تحليل الأداء الإعلامي: صراع الروايات بين “تسنيم” و”اعتماد

تفاوتت المواقف بين الوكالات التابعة للحرس الثوري والصحف الإصلاحية؛ فبينما نشرت وكالة “تسنيم” صورا للشهداء (علي خامنئي وعلي لاريجاني  ومحمد باقري  الذي قُتل في بدايات الحرب) تحت عنوان “مكانكم خال”، لتربط بين الدماء المسالة والنتائج السياسية، اتخذت صحيفة “اعتماد” القريبة من الحكومة نهجا أكثر هدوءا تحت عنوان “فوائد المقاومة”. 

ركزت “اعتماد” على الجوانب الاقتصادية والسياسية لقرار وقف إطلاق النار، معتبرة أن العودة إلى المسار الدبلوماسي هي ضرورة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من البنية التحتية وتخفيف معاناة المواطنين. وفي هذا السياق، جاءت تصريحات ما شاء الله شمس الواعظين، عضو مجلس الإعلام الحكومي، لتثني على “الانضباط الإعلامي” خلال الأزمة، معتبرا أن التغطية في “حرب رمضان” كانت أكثر احترافية، وهو ما يشير إلى وجود تنسيق مركزي رفيع المستوى لتوحيد الرواية الرسمية رغم بعض الخروقات الفردية.

Image

حسام الدين آشنا و”تحقير الذات”: معركة الوعي ما بعد الحرب 

في محاولة لقطع الطريق على أي قراءة تعتبر وقف إطلاق النار “تراجعا إيرانيا”، جاءت تدوينات حسام الدين آشنا، المستشار السابق للرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني، لتضع النقاط على الحروف. أكد آشنا أن المعيار الحقيقي للنصر ليس في غياب الخسائر، بل في إفشال أهداف العدو.

وبحسب رؤيته، فإن هدف أمريكا وإسرائيل كان إسقاط النظام وتفكيك الجغرافيا الإيرانية، وبما أن النظام ما زال قائما ويفرض شروطه، فإن ذلك يعد نصرا تاريخيا. دعا آشنا الرأي العام والإعلاميين إلى التوقف عن “جلد الذات” والاعتزاز بالقدرة الإيرانية على الصمود أمام تحالف دولي ضخم. 

هذه الرؤية تلخص استراتيجية “النظام” في تحويل الأزمات الميدانية إلى انتصارات سياسية ومعنوية، وهو ما يفسر الاحتفال الشعبي الموجه في الميادين العامة عقب إعلان الاتفاق.

Image

آفاق التهدئة وتحديات المستقبل 

ينتهي هذا الاستعراض الصحفي إلى أن وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين يمثل “هدنة هشة” تدار بأدوات إعلامية حادة بقدر ما تدار بالدبلوماسية. لقد نجحت إيران في تقديم رواية موحدة للانتصار، مستغلة الرمزية الدينية والسياسية لذكرى الأربعين، لكن التحدي الأكبر يكمن في “اليوم التالي” لهذه الهدنة. 

هل ستصمد الشروط العشرة أمام ضغوط الواقع؟ وهل سينجح الإعلام في الحفاظ على زخم “النصر” إذا ما استؤنفت العمليات العسكرية؟ إن المشهد الإعلامي الإيراني اليوم يعيش حالة من الاستنفار القصوى، حيث تحول القلم إلى بندقية في معركة الرواية، بانتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة من ترجمة فعلية لهذا الاتفاق الذي وصفته صحف طهران بأنه “نقطة تحول في تاريخ العالم الحديث”.

كلمات مفتاحية: