آلية الزناد.. استنكار داخلي وفرصة لحرب محتملة

تشهد الساحة الدولية واحدة من أكثر لحظاتها توترا منذ سنوات، حيث تتقاطع المسارات الدبلوماسية مع الحسابات الأمنية والعسكرية في ظل تصاعد الضغوط الغربية على طهران، ومع اقتراب مواعيد حاسمة في الملف النووي الإيراني، تتزايد التحذيرات من تداعيات أي خطوة غير محسوبة قد تعيد المنطقة إلى أجواء المواجهة المباشرة، وفي حين تؤكد الأطراف المختلفة تمسُّكها بخطاب القانون والشرعية، يظل ميزان القوة والاصطفافات الإقليمية والدولية هو العامل الأكثر تأثيرا في تحديد المسار القادم للأزمة.

مسؤولو إيران يستنكرون

أجرى وزراء خارجية الدول الأوروبية الثلاث، بريطانيا وفرنسا وألمانيا، والممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، الجمعة 22 أغسطس/آب 2025، اتصالا مشتركا مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، وخلال هذه المكالمة الهاتفية، عرض عراقجي مواقف طهران بشأن تفعيل آلية العقوبات الأوروبية على إيران، والمعروفة بآليات الزناد، موضحا مسؤولية الدول الأوروبية الثلاث والاتحاد الأوروبي في هذا الشأن.

A group of people standing in front of microphones

AI-generated content may be incorrect.

كما أكد عراقجي عدم امتلاك هذه الدول أي صلاحية قانونية أو أخلاقية للجوء إلى هذه الآلية، محذرا من عواقب مثل هذا الإجراء، ومضيفا أن إيران كما أنها قوية في الدفاع عن نفسها، فإنها لم تتخل يوما عن المسار الدبلوماسي، وهي مستعدة لأي حل سياسي يضمن حقوق الشعب الإيراني ومصالحه.

ببینید| ورود سیدعباس عراقچی به برزیل برای اجلاس سران ⁧بریکس | رویداد24

وفي رده على تكرار الفكرة الأوروبية المتعلقة بتمديد القرار 2231 بهدف إتاحة وقت إضافي للدبلوماسية، أوضح عراقجي أن هذا قرار يجب أن يتخذه مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أساسا، مضيفا أن إيران، رغم امتلاكها مواقف ورؤى مبدئية في هذا الشأن، لا تتدخل في هذا المسار.

 وفي ختام المكالمة الهاتفية تقرر أن تستكمل المحادثات بين إيران والدول الأوروبية الثلاث والاتحاد الأوروبي يوم الثلاثاء على مستوى نواب وزراء الخارجية.

بالتزامن مع تلك المكالمة، طرح علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، في حوار موسع مع موقع مكتب المرشد الأعلى، الجمعة 22 أغسطس/آب 2025، تساؤلا حول مدى شرعية تفعيل الآلية من قبل أوروبا، حيث صرح: “لقد قصفوا منشآتنا، فلماذا تستخدمون آلية الزناد ضدنا؟ إن تفعيل هذه الآلية يكون عندما لا يلتزم أحد الأطراف بالاتفاق النووي، فمن هو الطرف غير الملتزم؟ إيران أم الولايات المتحدة وأوروبا؟”، كما أكد لاريجاني أن إيران في سياستها النووية لا تستبعد التفاوض، لكنها أيضا لا تقبل الاستسلام.

KhameneiNews on X: "دبیر شورای عالی امنیّت ملّی: تأسیسات ما را بمباران کردند؛  چرا مکانیسم ماشه را علیه ما به کار می‌برید؟ لاریجانی: مکانیسم ماشه برای  زمانی است یکی از طرفین به

من جانبه، قال إبراهيم عزيزي، رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، خلال حديث صحفي، الاثنين 25 أغسطس/آب 2025، تعليقا على تحركات الدول الأوروبية الثلاث لتفعيل الآلية، قائلا: “إن هذه الأداة الواهية التي لا أساس لها، لا تملك أي وجاهة قانونية أو سياسية تجاه إيران، والأوروبيون يفتقرون إلى أي صلاحية لاستخدامها”.

وأضاف عزيزي أن وزارة الخارجية تنفذ السياسات الكلية للنظام وقرارات البرلمان، مشيرا إلى أن الترويكا الأوروبية، من خلال انتهاكها الصارخ لتعهداتها واتباعها الأعمى للولايات المتحدة، لا تمتلك شرعية لاستخدام آليات الاتفاق النووي، بل يجب أن تسأل عن نكثها لالتزاماتها.

كما حذر عزيزي قائلا: “بدلا من التهديد والعروض السياسية، من الأفضل لهذه الدول أن تنفذ تعهداتها المؤجلة، لأن أي خطوة غير مدروسة، عدائية وغير مسؤولة ضد إيران ستعد بلا شك عداء سافرا للشعب الإيراني وستقابل برد فوري وحاسم من قبلنا”.

وفي ختام كلمته، شدد رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان على أن الشعب الإيراني لم ولن يخضع يوما للابتزاز والهيمنة، مؤكدا أن الرد المتكافئ والرادع على أي تحرك عدائي هو حق أصيل وغير قابل للتفاوض للشعب الإيراني.

هل تنوي أوروبا تفعيل الآلية؟

حول مدى جدية أوروبا في تنفيذ وعودها بشأن العقوبات، صرح عبد الرضا فرجي راد، أستاذ الجغرافيا السياسية، في مقابلة مع صحيفة سازندكي، الاثنين 25 أغسطس/ آب 2025، قائلا: “في أعقاب الهجمات العسكرية الأخيرة لإسرائيل والولايات المتحدة على المنشآت النووية الإيرانية، ووقف تعاون طهران مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، هددت القوى الأوروبية بتفعيل هذه الآلية، الأمر الذي قد يؤدي في حال تنفيذه إلى عودة العقوبات الدولية. ومع ذلك، جددت إيران تأكيدها على الطابع السلمي لبرنامجها النووي، معتبرة تخصيب اليورانيوم ضمن إطار القانون الدولي، وهذه المواقف تعكس إصرار إيران على الدفاع عن استقلالها وحقوقها المشروعة أمام الضغوط الغربية”.

وأوضح فرجي راد أن عملية التفعيل تمر بمرحلتين الأولى فترة أسبوع للتفاوض بين إيران والأوروبيين، والثانية فترة شهر لزيادة الأنشطة التفاوضية، وبحسب القرار 2231، يمنح مجلس الأمن فترة شهر للنظر في طلب الأوروبيين، وهنا قد ترتفع الآمال، إذ ستبحث شرعية الخطوة الأوروبية.

ويتابع: “ترى كل من روسيا والصين أن هذه الخطوة قد تجر عواقب غير متوقعة، خصوصا أن الأوروبيين أنفسهم لم يلتزموا بالاتفاق النووي، كما اعتبرت موسكو وبكين أن دولة تخضع لإشراف الوكالة لا يجوز أن تستهدف منشآتها بالقصف، في المقابل، لم تكتفِ الدول الأوروبية الثلاث بعدم إدانة هجوم إسرائيل، بل شجعتها عليه، فيما صرح المستشار الألماني علنا بأن إسرائيل أدت العمل القذر بالنيابة عن الغرب”.

وأشار فرجي راد إلى أن الأوروبيين لديهم ثلاثة مطالب لوقف تفعيل الآلية وهي بدء حوار مباشر بين طهران وواشنطن، وهو ما تضع إيران له شروطا، واستئناف عمل الوكالة الدولية للطاقة الذرية في إيران، كذلك حسم مصير 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب.

وأضاف فرجي راد أنه لا يمكن الجزم بأن الآلية ستفعل بالكامل أو تلغى نهائيا، مضيفا أن الأوروبيين يصرون على ضرورة الحوار الإيراني الأمريكي، لأنهم وحدهم لا يملكون القدرة على فرض الحلول، كما ظهر في لقائهم الأخير مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض.

أما عن إمكانية أن تمنع الصين وروسيا تفعيل الآلية، فقد أوضح أن هذا غير ممكن، إذ لا يحق لأي دولة استخدام الفيتو ضده، لكن يمكن عبر الجهود الدبلوماسية وطرح الحجج القانونية التأثير في مجريات الأمور، كما حذر من أن تفعيل الآلية سينعكس سلبا على العلاقات التجارية بين إيران وأوروبا وربما يؤدي إلى قطعها، وأشار إلى أن التعامل مع إدارة ترامب محفوف بالغموض، فهو غير ثابت في مواقفه.

واختتم فرجي راد بقوله إن تفعيل الآلية سيضع إيران مجددا تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وإذا ردت طهران بالانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي ومنع دخول مفتشي الوكالة، فستتصاعد التهديدات، وسيقيد بيع النفط والبتروكيماويات بشكل أكبر، ومع ذلك، لم يستبعد أستاذ الجغرافيا السياسية احتمالية أن تشهد الأيام الأخيرة مساومات تؤدي إلى عدم تنفيذ كامل المطالب الأوروبية مقابل تأجيل تفعيل الآلية لبعض الوقت.

احتمال تفعيل آلية الزناد يتجاوز 90%

بالشأن نفسه، قال حسن بهشتي بور، الخبير في السياسة الخارجية والمحلل في القضايا الدولية، خلال حديث له الاثنين 25 أغسطس/آب 2025، أن ما يحكم القرارات ليس الجوانب القانونية، بل القوة، وأضاف أن قرارات أوروبا الحالية متأثرة بضغط الولايات المتحدة، وهي تصب في اتجاه تفعيل آلية الزناد

وحول تعاطي القضية في الداخل الإيراني، أوضح بهشتي بور أن أمين المجلس الأعلى للأمن القومي ليس هو من يغير سياسة البلاد الخارجية، بل المجلس نفسه، الذي يرأسه رئيس الجمهورية، وتصبح قراراته ملزمة بعد مصادقة المرشد الأعلى عليها، وأضاف أن الأمين، على لاريجاني، يؤدي دورا محوريا في صنع القرار من خلال اللجان المتخصصة التابعة للمجلس، وله أيضا حق التصويت كأحد ممثلي المرشد داخل، وبالتالي فإن دوره مؤثر بدرجة كبيرة في مرحلة بلورة القرارات وصياغة الرؤى.

وتابع قائلا إن قرار أن يكون لاريجاني هو المخاطَب المباشر للوكالة الدولية للطاقة الذرية، يعكس تحولا في آلية اتخاذ القرار داخل المجلس الأعلى للأمن القومي، فالوكالة كانت في السابق تتعامل بالدرجة الأولى مع وزارة الخارجية ومنظمة الطاقة الذرية، أما الآن فإن القرار النهائي بيد المجلس.

كما أشار إلى أن عراقجي استند إلى منطق قانوني بقوله إن الأوروبيين لم يفوا بتعهداتهم منذ أن فرضت الولايات المتحدة عقوبات ثانوية على إيران، ولذلك لا يملكون الحق في اتهام طهران بعدم الالتزام بالاتفاق النووي بعد انسحاب واشنطن منه في مايو/أيار 2018، وأن إيران انتظرت عاما كاملا قبل أن تبدأ في تقليص التزاماتها تدريجيا، 

ومن ثم لا يمكن اعتبارها هي الطرف الناقض، فوفق المادة 36 من الاتفاق النووي، لا يمكن إعادة قرارات الفصل السابع إلا في حال وجود خرق جسيم، وهذا الخرق صدر أولا من الولايات المتحدة، ثم من الأوروبيين الذين تذرعوا بالعقوبات الأمريكية.

وأكد بهشتي بور أن من انتهك الاتفاق النووي لا يملك الحق في اتهام الطرف الذي التزم به، وهو ما أكدته تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وأضاف أن كل ذلك يتعلق بالجوانب القانونية، لكن في السياسة القوة هي التي تحدد المسار، ولهذا فإن الدول الأوروبية الثلاث، بضغط من الولايات المتحدة، تسعى حتى أواخر أغسطس/آب 2025 إلى إعادة فرض قرارات مجلس الأمن تحت الفصل السابع.

واختتم مؤكدا: “ما نقوله من حيث الجوانب القانونية قد تكون له أهمية، لكن كما ذكرت، ما يتجاوز القانون هو القوة، والقرارات الأوروبية الراهنة خاضعة تماما لنفوذ الولايات المتحدة، وفي هذا الإطار هناك احتمال يتجاوز 90% بأن تفعل آلية الزناد، وهو ما تؤكده مجمل تصريحات عراقجي ولاريجاني”.

هل تنتظر إسرائيل إشارة الزناد لشن الحرب؟

مع تفعيل آلية الزناد ضد إيران، ارتفعت التقديرات الأمنية في تل أبيب بأن اللحظة الحاسمة قد اقتربت، فقد ذكر موقع Terror Alarm، وهي جهة خاصة وغير رسمية متخصصة في الإنذارات الأمنية، أن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية اعتبر إيران منتهكة لالتزاماتها فيما يخص عدم انتشار الأسلحة النووية. وهذه هي المرة الأولى منذ 20 عاما التي يصدر فيها مثل هذا الحكم، وبحسب التقرير، فإن هذا القرار قد يفتح الطريق أمام هجمات إسرائيلية محتملة على المنشآت النووية الإيرانية

ذلك التقرير وغيره من المصادر يفيد بأن إسرائيل تراقب التطورات عن كثب، وتضع خيار الهجوم على طهران مرة أخرى على الطاولة باعتباره أحد السيناريوهات المرجحة إذا شعرت بأن العقوبات وحدها لن تكفي لوقف البرنامج النووي الإيراني، هذا التصعيد المحتمل لا يقرأ بمعزل عن المناخ الدولي، حيث تسعى واشنطن لاحتواء التوتر دون الانجرار إلى حرب شاملة، فيما يدرك صانع القرار الإسرائيلي أن أي خطوة عسكرية كبيرة ستفتح جبهة معقدة مع طهران وحلفائها الإقليميين.

وبينما تواصل إسرائيل تكثيف تحركاتها العسكرية والاستخباراتية، يبقى السؤال مطروحا: هل تنتظر الضوء الأخضر الأميركي كي تضغط على الزناد، أم أن حسابات الردع المتبادل ستجعلها تكتفي بانتظار نتائج العقوبات قبل أن تقدم على مغامرة قد تغير شكل المنطقة بأسرها؟