سياسي إيراني يحذّر من تأثير إهمال الطبقة المتوسطة على نتائج الانتخابات

Image

ترجمة: ساره شعبان المزين

أجرت وكالة أنباء «خبر أونلاين» الإيرانية، الثلاثاء 16 ديسمبر/كانون الأول 2025، حوارا مع الأستاذ الجامعي والباحث الاجتماعي آزاد أرمکی، حول أوضاع الطبقة المتوسطة في إيران وتحذيراته للحكومة من الاستمرار في سياسات تقلل من حقوق هذه الفئة الحيوية. 

وفيما يلي نص الحوار 

الطبقة المتوسطة في إيران تتعرض للضعف اقتصاديا، فما تداعيات هذا التراجع على المجتمع والحكومة؟

الاهتمام الأساسي للطبقة المتوسطة ليس سياسيا في المقام الأول، ولا يمكن القول إن علاقتها بالحكومات، الإصلاحية أو غير الإصلاحية، تعكس أولوية سياسية لها الأولوية الأولى للطبقة المتوسطة هي نفسها؛ فهي تعمل على تحديد هويتها وضمان بقائها واستدامتها.

ثانيا، تسعى عبر النظام والقيم الأخلاقية والثقافية إلى المساهمة في توسيع المجتمع وتعزيز التفاعل البنّاء ضمن النظام الطبقي، بحيث يكون المجتمع المحيط والفئات الاجتماعية الأخرى أولويتي ثانويتين لها بعد الاهتمام بذاتها.

في هذا الإطار، تتعامل الطبقة المتوسطة مع نوعين من الفئات الأخرى: الطبقة العليا، التي تتفاوض معها وتقدم لها المشورة وتحتج عند الحاجة، والفئات الأدنى اجتماعيا، التي تسعى لدعمها وإعادة تعريف مشكلاتها ومنع تطرفها. 

بمعنى آخر، تعمل الطبقة المتوسطة على مساعدة كل من الطبقة العليا والفئات الأدنى اجتماعيا على الحفاظ على استقرارهم وأدوارهم، وفي الوقت نفسه تسهم في التفاعلات الوطنية الكبرى لضمان تنظيم الحياة الاجتماعية وفق المعايير الحديثة.

Image

ماذا يعني أن تتعرض الطبقة المتوسطة للضعف؟

تحاول الطبقة المتوسطة حاليا إعادة تعريف نفسها وقد ظهرت مرارا مواقف مختلفة تواجهها، لكن ما يخلق المشكلة الجوهرية لهذه الطبقة هو تآكل رأس المال الاقتصادي أو ما يمكن تسميته فقر الطبقة المتوسطة هذا الفقر ذاته أدى إلى وضعها في ظروف قاسية، تجعلها غير قادرة، بمعنى ما، على تطوير نفسها أو توسيع نشاطاتها.

في الطبقة المتوسطة، أكثر من كونها فاعلة سياسيا، تحتاج إلى نشاطات في مجالات الفن والثقافة والعلم والأخلاق فهي الطبقة التي تنفق على السينما والمسرح، وتقرأ وتكتب الكتب، وتشارك في الملتقيات، ولديها هموم الإصلاح، وما إلى ذلك لكن مع ارتفاع أعبائها الاقتصادية وتزايد فقرها، اضطرت إلى تقليص هذه الأنشطة.

وبالتالي، أحد معاني ضعف الطبقة المتوسطة هو تعرضها لتآكل داخلي، وهذا، في رأيي، يمثل المأساة الكبرى للطبقة المتوسطة هذا التآكل الداخلي يؤثر أيضا على دورها الثاني، أي علاقتها بالنظام الاجتماعي ككل والفئات الأخرى، بما يعني أنها لم تعد قادرة بنفس الحيوية السابقة على تحدي الطبقة العليا، وفي الوقت نفسه إدارة الطبقة الأدنى وإعادة النظر في مكانتها وطموحاتها.

Image

قلت إن السياسة ليست الأولوية الأساسية للطبقة المتوسطة، فبأي منظور تدخل هذه الطبقة المجال السياسي وتشارك فيه؟

في المرحلة الثانية، ومن منطلق الاهتمام بالأخلاق والثقافة، تشعر الطبقة المتوسطة أحيانا أن أدواتها لتطوير نفسها، وتنظيم النظام الطبقي، وتحقيق نفع للفئات الأخرى موجودة في المجال السياسي. 

ولهذا السبب، تدعو للمشاركة السياسية، وتشارك بنفسها كفاعل سياسي؛ وهذا مبدأ أساسي.

كما تسعى الطبقة المتوسطة من خلال مشاركتها السياسية مع الفئات الأدنى ثم الفئات العليا إلى إنقاذ المجتمع من الأزمات الاجتماعية الكبرى فهي تعتبر أن مسؤوليتها الأساسية منع وقوع الأزمات، والعمل على حلها عند حدوثها. 

على سبيل المثال، إذا ظهر ما يمكن تسميته بـ أزمة الحوار في المجتمع، كما هو الحال الآن، فإن هم الطبقة المتوسطة يكون في المساهمة في فتح هذا الحوار وحل الأزمة.

ويتم ذلك عبر الدولة الحديثة التي توفر شروط الحوار؛ أي من خلال الجامعات والمدارس والمكتبات والمكتبات العامة والأماكن العامة، بحيث تتيح وجود هذه الأماكن لتشكيل الحوار والدفاع عن المجال العام وهذا أمر بالغ الأهمية، في الطبقة المتوسطة تدعم المجال العام لضمان إمكانية الحوار.

فعلى سبيل المثال، عندما توجد أزمات في الحوار أو في الأسرة تقلل من قدرة المجتمع على إعادة تعريف العلاقات الاجتماعية وإنتاج القيم الأخلاقية، فإن الطبقة المتوسطة تتدخل سياسيا لضمان أن يأتي على رأس الحكومة وزراء يعملون في مجالات الأسرة والتعليم والثقافة بطريقة تحقق الاعتدال. 

هذه هي نوعية المشاركة التي تقوم بها الطبقة المتوسطة، وهي لم تتخلى عن هذه النقاط الحيوية رغم ضعفها الكبير الحالي.

هل يمكن للطبقة المتوسطة، عندما تكون هي نفسها في أزمة، أن تتحكم بهذه الأزمات وتمنع التشدد؟

الطبقة المتوسطة لا تتعرض للأزمات بالمعنى التقليدي.

في التعبير الذي استخدمته هو تآكل رأس المال الاقتصادي وفقر الطبقة المتوسطة لكن يجب التفرقة بين الضعف والأزمة فالضعف يعني أن الطبقة المتوسطة تمتلك قدرة أقل على حل المشكلات، لكنه لا يعني بالضرورة وقوع اضطراب معنوي، أو انهيار أخلاقي، أو اختلال في قواها الداخلية أو طبقاتها الداخلية هذه الأمور مختلفة تماما عن بعضها في الطبقة المتوسطة لم تتعرض لأزمة، لكنها تعاني من ضعف.

هل تقولون إنه إذا فقدت الطبقة المتوسطة جزءا من رأس مالها الاقتصادي، فقد تُعتبر ضمن الطبقات الأدنى اقتصاديا، لكنها من الناحية الاجتماعية ما تزال طبقة متوسطة؟

رأس المال الاجتماعي والثقافي للطبقة المتوسطة لم يُفقد بل على العكس، فإن رأس المال الثقافي للطبقة المتوسطة في ظل الأزمة الاقتصادية وفي الظروف الجديدة أصبح أكثر قوة من الفترات السابقة.

كيف يحدث ذلك؟

حدث ذلك لأن الطبقة المتوسطة خلال العقدين أو الثلاثة عقود الماضية تمكنت من تحويل قيمها الخاصة إلى قيم عامة وهذا يختلف عن أن تكون هذه القيم مجرد ملكية للطبقة المتوسطة لنفسها أو داخل فئتها فقط.

لقد كانت تطلعات الطبقة المتوسطة تشمل التمسك بالديمقراطية، والالتزام بالأخلاق، والسعي نحو مجتمع صحي وأقل أزمات، وعلاقات سلمية وخالية من العنف مع العالم، وما شابه ذلك لم تسعَ البرجوازية ( الطبقة المترفة) أو الحاكمية أوالفئات الأخرى لتحقيق هذه القيم، لكنها أصبحت الآن قيما عامة.

هذا التحول خلق رأس مال كبير للطبقة المتوسطة، وهو رأس مال غالبا ما لا تُقدّر قيمته، مع أن له أهمية كبيرة في تمكين هذه الطبقة من القيام بدور فاعل أكبر لمعالجة الأزمات الكبرى في البلاد.

إذا، حتى في ظل فقرها الاقتصادي، هل تحافظ الطبقة المتوسطة على هويتها الثقافية؟

نعم، الطبقة المتوسطة تتميز بتعدد طبقاتها: الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، والطبقات الثقافية والاجتماعية فيها أوسع وأهم من طبقتها الاقتصادية ذلك لأن قيمها لم تعد حكرا عليها، بل أصبحت قيما عامة؛ القيم التي كانت تطمح إليها الطبقة المتوسطة أصبحت الآن شائعة، حتى بين الطبقة العليا.

Image

في عام 1991، طرحت سؤالا في دراسة، وأعدت تكراره بعد عقدين من الزمن وفي البداية، تم تقييم الانتماء الفعلي للأفراد إلى الطبقات؛ فكانت الغالبية تنتمي إلي الفئات الأدنى اجتماعيا والمتوسطة، بينما كانت نسبة قليلة للطبقة العليا. 

ثم سألنا المشاركين: إلى أي طبقة تعتبر نفسك منتميا؟ فأكثر من 70% من الإيرانيين عرفوا أنفسهم ضمن الطبقة المتوسطة وأكدت التكرارات اللاحقة نفس النتيجة، واليوم ما زال العديد من الناس يعرّفون أنفسهم على أنهم جزء من الطبقة المتوسطة.

ماذا يعني ذلك؟

في الواقع، لا يوجد لدينا 70% من الأفراد ينتمون فعليا إلى الطبقة المتوسطة، لكن 70% من المجتمع يحملون قيما وطموحات طبقة متوسطة هذا ما يشكل رأس المال المتاح للطبقة المتوسطة. 

ولهذا السبب، إذا قامت الطبقة المتوسطة بالتحرك، أي تجاوزت حالة ضعفها ودخلت في عمل إيجابي، يمكنها إنقاذ المجتمع من الأزمات.

أما إذا كانت الطبقة المتوسطة ضعيفة ولم تتحرك، فقد يؤدي ذلك إلى تدهور المجتمع نفسه فالمجتمع اليوم يعاني من حالة ضعف، لأن القيم المهمة له، مثل التعليم والتربية الأخلاقية وهي قيم الطبقة المتوسطة أو أنماط الاستهلاك، لا تتحقق، وهذا يسبب الإزعاج والضرر الاجتماعي.

إذا تمكنت الطبقة المتوسطة من تجاوز ضعفها، ستتمكن من إعادة تعريف المجتمع، وتحديد كيفية رؤية العالم الكبير والعصر الحديث، وفهم قيم الاعتدال الاجتماعي أما إذا تم تهميش الطبقة المتوسطة وإهمالها، فإن ذلك قد يصبح خطرا على المجتمع.

ماذا سيحدث إذا أصيبت الطبقة المتوسطة باليأس؟

سيحدث انهيار ثقافي واجتماعي، وقد يؤدي ذلك في النهاية إلى انهيار سياسي انظروا، دور الطبقة المتوسطة فريد ومميز؛ فعندما تتحرك هذه الطبقة، لا يتعرض المجتمع لأزمات اجتماعية أو ثقافية، لأن هدفها هو إقناع الفئات الأدنى بتجنب التصرفات المتشددة، وتشجيع الفئات العليا على تجنب التدخل المفرط والاستبداد وإهدار الموارد هذا يعني تجاوز الأزمات من خلال النهج الإصلاحي السلمي.

Image

همّ الإصلاحية لدى الطبقة المتوسطة هو تجاوز الأزمات بشكل هادئ وغير عنيف وإذا سُلب هذا الدور من الطبقة المتوسطة، فسيظل المجتمع في حالة من الاضطراب وعدم الاستقرار ومتى يحدث هذا؟ للأسف، لطالما اعتبرت السلطة السياسية الطبقة المتوسطة عدوا لها وأبعدته عن الحياة الاجتماعية، سواء كانت الحكومة إصلاحية أم محافظة؛ فلطالما كانت هناك صراعات مع هذه الطبقة.

الصراعات على الصحف، الجامعات، السينما، الفن، الاستهلاك، الموسيقى، المراكز الثقافية، المجال العام، والعديد من الموضوعات الأخرى، في الواقع هي صراعات مع الطبقة المتوسطة. 

لقد تعرضت الطبقة المتوسطة، سواء من اليمين أو اليسار، وبشكل عام من جميع مؤسسات السلطة، للاضطهاد والمقاومة ومع كل المعاناة التي تحملتها الطبقة المتوسطة خلال هذه الفترة، لم يكن هدفها التخلي عن الاعتدال الاجتماعي، بل تنظيم المجتمع وإعادة توجيهه.

الآن، إذا أرادت السلطة أن تقمع قيم الطبقة المتوسطة بشكل جاد وتستمر في مواجهتها، فإن الضعف الاقتصادي الحالي الذي أضعف الطبقة المتوسطة، إلى جانب الضغوط الجديدة، قد يؤدي في النهاية إلى إبعاد هذه الطبقة إلى الهامش وعندما يُطرد هذا الفاعل الحيوي من الوسط، تختفي قدرة المجتمع على الاعتدال، ونواجه سلسلة من الانهيارات: أولا ثقافيا، ثم اجتماعيا، وفي النهاية سياسيا، ما قد يمثل أحد أسوأ الفترات في تاريخ إيران.

Image

هل سيؤدي المسار الراهن إلى تراجع دعم الطبقة الوسطى لإعادة انتخاب بزشكيان بحلول 2028؟

بالتأكيد، الطبقة المتوسطة لن تدعم    بزشکیان فهو ليس نفسه السياسي الذي كانت الطبقة المتوسطة تحبه؛ فهو لا يحب الطبقة المتوسطة، والطبقة المتوسطة بدورها لا تحبه

أما في الانتخابات الماضية، فقد كانت شريحة من الطبقة المتوسطة تدعم بزشکیان نعم، من خلال شعارات بزشکیان كان يُعتقد أنه يهتم بدعم الطبقة المتوسطة لكن في الواقع، همّه الأساسي هو النظام السياسي ككل وليس الانتباه لقيم الطبقة المتوسطة. 

ولهذا السبب، ليس فقط في عام 2028، بل حتى إذا أُجريت الانتخابات غدا، فلن تمنح الطبقة المتوسطة أصواتها لبزشکیان بعد الآن.

هذه الطبقة تعتبر فاعلا سياسيا مهما، ومع ذلك، من حيث التعامل مع الأزمات، أرى أن الطبقة المتوسطة ستظل حاضرة وتمنع المجتمع من الانزلاق نحو أزمات كبرى.

كما أن الطبقة المتوسطة أنقذت هذا البلد خلال حرب الـ 12 يوما؛ فليس الشعب وحده، ولا السلطة، من تصدى لذلك فقد قامت الطبقة المتوسطة بتفعيل القوى المؤثرة والمساحات الحيوية التي تهتم بها، ما أدى إلى أن يتراجع القوى المعاديه الذي كان يسعى للإطاحة بالحكومة واحتلال الأرض، ويشعر بالخوف، ويصبح تحقيق مقاومة الشعب ممكنا.

ولهذا السبب، أرى أن الطبقة المتوسطة ستظل فاعلة ومؤثرة في الأزمات القادمة أيضا ومع ذلك، إذا تم تجاهلها لفترة دورة أو دورتين أخريين أثناء الأزمات، فحينها سيكون التحدي الحقيقي للطبقة المتوسطة تجاوز النظام السياسي نفسه.

وفي الوقت الحالي، تجاوز  بزشکیان أصبح مصدر قلق للطبقة المتوسطة؛ أي أنه لا يلتفت إلى مصالحها، ومستقبل الاختيار لدى الطبقة المتوسطة لن يكون مرتبطا به.

أي أن الحكومة في الواقع تدمر نفسها؟

نعم، الحكومات، بعد عام أو عامين من وصولها إلى السلطة، تنسى أسسها الاجتماعية والطبقية بسرعة ولهذا السبب، تنحرف عن قيمها وطموحاتها ومُثلها، وتغير تعريفاتها ومُثُلها، ثم تتجاوز الطبقة المتوسطة وتبدأ في نقدها.

فمن يقوم  بزشکیان الآن بنقده؟ النخبة والمثقفون والمتخصصون، ويقول لهم: «لماذا لم تساعدوني؟» بينما لم يطلب منهم أي مساعدة، وهذا يجعلهم عرضة للاتهام والظلم والتساؤل.

أما النظام والحكومة وقواها، فلا تعكس روح الطبقة المتوسطة، بل تعكس روح السلطة والقوى القادمة من الخارج التي لا تتناسب مع المجتمع ولا ترتبط به بأي شكل. 

في الواقع، الحكومة التي يقودها  بزشکیان، مثل كل الحكومات السابقة، تمتلك أقل قدر من التواصل مع المجتمع، ولا يملك هو وقواه أي صلة بالنظام الاجتماعي العام أو بالطبقة المتوسطة بشكل خاص.