مفاوضات إسلام آباد.. “شيطان التفاصيل” يجهض التوافق وسط ردود إيرانية حاسمة

كتب: الترجمان

بعد ماراثون تفاوضي مضنٍ استمر لأكثر من عشرين ساعة من المباحثات المكثفة، أسدل الستار فجر الأحد 12 أبريل/نيسان 2026، على جولة المفاوضات الإيرانية-الأمريكية في العاصمة الباكستانية إسلام آباد دون التوصل إلى اتفاق إطاري ينهي حالة الصراع. 

ورغم الأجواء التي وصفتها بعض التقارير الدولية المسربة في البداية بأنها “إيجابية”، إلا أن اصطدام الرؤى حول ملفات سيادية وحساسة، وعلى رأسها أمن الملاحة في مضيق هرمز وملف الطاقة النووية، أعاد المشهد إلى مربع الترقب والقلق. 

إن هذه الجولة لم تكن مجرد لقاء دبلوماسي، بل كانت امتداداً لساحة المعركة التي استعرت على مدار أربعين يوما قبل إقرار الهدنة، حيث حاولت واشنطن عبر وفدها رفيع المستوى انتزاع تنازلات استراتيجية عجزت عن تحقيقها في الميدان العسكري، وهو ما واجهته طهران بمعادلة سيادية صلبة مفادها أن طاولة المفاوضات ليست مكانا لتقديم التنازلات المجانية أو القبول بالإملاءات.

الفجوة بين طموحات واشنطن وثوابت طهران

تتضح معالم المعالجة الإيرانية لهذه المفاوضات من خلال الإصرار على تحويل المنجز الميداني إلى ركيزة تفاوضية غير قابلة للتفاوض. لقد دخل الوفد الإيراني إلى إسلام آباد محصنا بتوجيهات عليا وبخلفية عسكرية وسياسية ترى في مضيق هرمز والقدرات النووية السلمية خطوطا حمراء لا يمكن تجاوزها. 

في المقابل، تشير القراءة التحليلية للنصوص الواردة من كواليس الاجتماعات إلى أن الإدارة الأمريكية، بقيادة جي دي فانس والوفد المرافق له، حاولت ممارسة سياسة “الضغوط القصوى” داخل الغرف المغلقة، سعيا منها لفرض واقع جديد يحد من نفوذ طهران البحري ويقلص مخزونها من المواد النووية. 

هذه الفجوة الجوهرية في المنطلقات جعلت من الوصول إلى “نقطة التقاء” أمرا معقدا، حيث رأت طهران في المطالب الأمريكية نوعا من “الزيادة في الأطماع” التي تتجاوز حدود التفاهمات المنطقية، بينما رأت واشنطن في الثبات الإيراني تعنتا يعيق الوصول إلى حل شامل يضمن أمن المنطقة وفق الرؤية الغربية.

Image

عقدة مضيق هرمز: حجر العثرة الأكبر أمام الحل

برز ملف السيطرة على مضيق هرمز بوصفه العقبة الأكبر التي أوقفت عجلة التقدم في مفاوضات إسلام آباد. فمنذ الساعات الأولى للمباحثات، كان واضحا أن هذا الممر المائي الاستراتيجي يمثل بالنسبة لإيران ورقة ضغط سيادية لا يمكن التخلي عنها تحت أي ظرف، بل إن طهران طالبت بتثبيت حقه الكامل في ممارسة السيادة على المضيق كضمانة حقيقية لتنفيذ أي اتفاق مستقبلي. 

وفي المقابل، حاولت الولايات المتحدة ربط أي اتفاق برفع القيود الإيرانية عن الملاحة الدولية في المضيق وفق شروط تقيد حركة القوات الإيرانية، وهو ما اعتبره الجانب الإيراني محاولة لسلب “حقوق الميدان” عبر القنوات الدبلوماسية. 

إن تمسك إيران بموقفها في هذا الصدد يعكس إدراكا عميقا بأن السيطرة على هذا الشريان الحيوي هي الضمانة الوحيدة التي تجبر الطرف الآخر على الالتزام بتعهداته، ومن هنا جاء التأكيد الإيراني بأنه لن يطرأ أي تغيير على وضع المضيق ما لم تتراجع واشنطن عن مطالبها غير الواقعية وتكف عن محاولات فرض إملاءات أمنية تمس السيادة الوطنية.

Image

الملف النووي والمنظومة الدفاعية: صراع الأرقام والضمانات

لم تقتصر الخلافات على الجغرافيا السياسية للممرات المائية، بل امتدت لتشمل قلب البرنامج النووي الإيراني وملف الصواريخ الباليستية. لقد أظهرت التقارير أن الوفد الأمريكي أصر على خروج مخزون اليورانيوم المخصب من الأراضي الإيرانية كشرط أساسي لرفع العقوبات، وهو مطلب قوبل برفض إيراني قاطع استند إلى أن البرنامج النووي حق وطني يخضع للرقابة الدولية ضمن أطر فنية محددة وليس للمساومة السياسية. 

وفي هذا السياق، أبدت طهران مرونة بالعودة إلى ما يُعرف بـ “الصيغة العمانية” التي طُرحت في جنيف، والتي توفر آليات شفافة للتأكيد على الطابع السلمي للبرنامج، ولكن دون المساس بالمخزون المادي. 

أما فيما يخص المنظومة الدفاعية، فقد كانت الرسالة الإيرانية حاسمة برفض وضع أي سقف للقدرات الصاروخية، معتبرة إياها جزءاً أصيلاً من الردع الدفاعي الذي لا يقبل النقاش، مما أضاف طبقة أخرى من التعقيد إلى المفاوضات التي استمرت تحت ضغوط زمنية هائلة وتراكمات من سوء الظن المتبادل.

Image

الوساطة الباكستانية وأجواء عدم الثقة

لعبت باكستان دورا محوريا كجهة مضيفة ووسيطة حاولت تقريب وجهات النظر عبر تبادل الرسائل والمسودات بين الوفدين اللذين لم يجتمعا بشكل مباشر في أغلب فترات التفاوض. 

وبحسب تصريحات المسؤولين الباكستانيين، فإن المفاوضات جرت في بيئة مشحونة بالبديهيات السلبية والشكوك الناتجة عن التجاوزات العسكرية السابقة. ورغم المحاولات الحثيثة من الجانب الباكستاني لتمديد ساعات التفاوض التي وصلت إلى قرابة 25 ساعة متواصلة. 

إلا أن “شيطان التفاصيل” كان حاضراً في كل مسودة، خاصة فيما يتعلق بآليات رفع العقوبات وضمانات عدم انسحاب واشنطن من أي اتفاق مستقبلي كما حدث في تجارب سابقة. 

إن هذه الأجواء جعلت من التوصل إلى اتفاق شامل في جلسة واحدة أمرا شبه مستحيل، خاصة وأن طهران كانت تصر على إشراك قوى دولية مثل روسيا والصين كضامنين للاتفاق، وهو ما قوبل ببرود من الجانب الأمريكي الذي يفضل إبقاء الملف ضمن دائرة النفوذ الغربي المباشر.

Image

الموقف الرسمي لرئاسة الجمهورية والخارجية الإيرانية

 أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في تدوينة له أن “الوفد الإيراني رفيع المستوى الذي حضر في باكستان يحمي مصالح إيران بكل وجوده، وسيتفاوض بشجاعة في هذا الإطار”، مشددا على أن “خدمتنا للشعب لن تتوقف للحظة، وأي نتيجة تسفر عنها المفاوضات فإن الحكومة ستبقى تعمل من أجل الشعب”. 

ومن جانبه، أوضح المتحدث باسم الخارجية إسماعيل بقائي أن هذه الدورة كانت “أطول دورة مفاوضات خضناها مع الأمريكيين في العام الأخير، حيث استمرت نحو 25 ساعة”، مشيرا إلى أنه “تم التوصل لتفاهمات في جملة من القضايا، ولكن في موضوعين أو ثلاثة مهمة كانت وجهات النظر متباعدة ولم تؤدِّ في النهاية لاتفاق”. 

وأضاف بقائي أن “الدبلوماسية لا تنتهي أبدا، وهي أداة لتأمين وصيانة الحقوق الوطنية في ظروف الحرب والسلم على حد سواء”.

Image

ردود فعل الوفد الأمريكي والوسيط الباكستاني

 صرح جي دي فانس، نائب الرئيس الأمريكي، بأن عدم الوصول لاتفاق يعد “خبرا سيئا لإيران”، معتبرا أن الجانب الإيراني “لم يختر قبول شروطنا” التي وصفها بأنها كانت واضحة وبسيطة. 

وفي المقابل، كان رد وزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار أكثر ميلاً للدبلوماسية الهادئة، حيث قال: “إن إسلام آباد ستواصل جهودها اللازمة للتوصل إلى اتفاق بين الطرفين الأمريكي والإيراني”، داعياً الطرفين إلى “الاستمرار في الالتزام بالهدنة” التي تم التوصل إليها سابقاً، معرباً عن أمله في أن تظل القنوات الدبلوماسية مفتوحة لتجنب العودة إلى الصدام العسكري المباشر.

تعليقات النخب السياسية والمحللين الإيرانيين

 برز تعليق وزير الخارجية الأسبق محمد جواد ظريف الذي وجه تساؤلا استنكاريا حول سبب الفشل قائلا: “هل تريدون معرفة لماذا لم تنجح المفاوضات؟ لأن جي دي فانس يقول إنهم لم يقبلوا شروطنا، والحقيقة أنه لا توجد مفاوضات –على الأقل مع إيران– تنجح بناء على منطق (شروطنا/شروطكم)، على أمريكا أن تتعلم أنها لا تستطيع إملاء شروطها”. 

Image

أما المحلل السياسي محمد مرندي فقد كان أكثر حدة حين قال: “من الواضح أن إدارة ترامب لم تكن تأخذ المفاوضات على محمل الجد”. ومن جهته، اعتبر عطاء الله مهاجراني أن “الخبر الأسوأ هو لأمريكا التي اقترحت المفاوضات وبحثت عن الوسطاء وقبلت شروط إيران العشرة، لكنها فشلت في فتح قفل مضيق هرمز عبر التهديد والحرب النفسية”. كما أشاد رئيس السلطة القضائية محسني إجئي بالوفد المفاوض قائلا: ” بوركت جهودكم للوفد الإيراني الذي كان حارسا لحقوق الميدان”.

رؤية الدوائر البرلمانية والإعلامية

أوضح عضو البرلمان، محمد رضا محسني ثاني، أن المفاوضات جرت تحت ضغوط من دول صديقة طالبت بالرد على المقترح الأمريكي المكون من 15 بندا، ولكن لأن تلك المقترحات كانت “غير منطقية”، قدمت إيران ردا من 10 مواد وافق الطرف الآخر على كلياتها. 

وأشار إلى أن نقاط الخلاف تركزت حول “تخصيب اليورانيوم، والمخزون النووي، ومضيق هرمز”، مؤكدا أن “إرسال أي وفد جديد سيكون بلا معنى إذا ظل الطرف الأمريكي متمسكاً بنفس العقلية القديمة”. 

كما نقلت وكالة تسنیم عن مصدر مطلع أن “إيران قدمت مبادرات منطقية، والكرة الآن في الملعب الأمريكي”، محذرا من أنه “لا استعجال لدى طهران، ولن يطرأ أي تغيير على وضع مضيق هرمز ما لم تذعن واشنطن لاتفاق معقول”.

Image

آفاق ما بعد مفاوضات إسلام آباد

تخلص القراءة الكلية لمخرجات هذه الجولة إلى أننا أمام حالة من “الانسداد الفني” الذي يخفي وراءه صراعا وجوديا على النفوذ والسيادة. فرغم أن الدبلوماسيين عادوا إلى عواصمهم، إلا أن تبادل المسودات عبر القنوات الفنية والخبراء ما يزال مستمرا، مما يعني أن الطرفين يدركان خطورة الفشل النهائي. 

إن التحدي القادم يتمثل في قدرة الإدارة الأمريكية على التخلي عن لغة “الإملاءات” والقبول بالواقع الجيوسياسي الذي فرضته إيران في الميدان، خاصة فيما يتعلق بملف الطاقة والممرات المائية. 

وفي المقابل، تظل طهران متمسكة بنفس طويل في التفاوض، مستندة إلى أوراق قوة حقيقية تجعل من عامل الوقت يعمل لصالحها، بانتظار لحظة تدرك فيها واشنطن أن الطريق إلى اتفاق مستدام يمر حتماً عبر بوابة الاعتراف بالحقوق السيادية المتبادلة وليس عبر محاولات الالتفاف على نتائج الميدان

كلمات مفتاحية: