- زاد إيران - المحرر
- 24 Views
كتب: الترجمان
تعيش البيئة الرقمية في إيران خلال العامين الأخيرين حالة من الترقب والاضطراب البنيوي، حيث تحول الوصول المستقر إلى شبكة الإنترنت العالمية من ميزة تكنولوجية إلى مطلب شعبي واقتصادي. ومع تفاقم التوترات الإقليمية والأمنية، لجأت الأجهزة السيادية إلى خيارات راديكالية تمثلت في القطع الكامل والواسع للشبكة، مما ألقى بظلال قاتمة على الوعود الانتخابية التي قطعتها الحكومة الحالية برفع الحظر.
وفي محاولة لإعادة ترتيب الأوراق وإيجاد مخرج لهذا الانسداد، أصدر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان قرارا بتعيين نائبه الأول ، محمد رضا عارف، رئيسا لـ “الهيئة الخاصة لتنظيم وإدارة الفضاء السيبراني”، وهو القرار الذي فتح الباب على مصراعيه أمام نقاشات سياسية وقانونية حامية حول زاوية المعالجة الحقيقية للأزمة: من يملك حقا مفتاح الإنترنت في البلاد؟ هل انتقلت الصلاحيات إلى الكيان الجديد بقيادة عارف، أم أن الثقل القرارى لا يزال حبيس جدران المجلس الأعلى للفضاء السيبراني؟
تشابك الصلاحيات وتنازع الشرعية
أحدث التعيين الأخير لمحمد رضا عارف حالة من الغموض السياسي والقانوني في الأوساط الإيرانية، حيث تساءل مراقبون وسياسيون عن حدود الفصل بين هذا الكيان المستحدث وبين “المجلس الأعلى للفضاء السيبراني” الذي يمتلك تاريخيا الصلاحيات العليا في رسم السياسات الرقمية للدولة.
ويرى تيار واسع من السياسيين، من بينهم وجوه أصولية بارزة، أن تشكيل هذه الهيئة دون توضيح خطوطه الطولية مع المجلس الأعلى يخلق حالة واضحة من التداخل والموازاة الإدارية، ما قد يؤدي في نهاية المطاف إلى رفع سقف التوقعات الشعبية من الحكومة ومحاصرتها سياسيا في حال عجزها عن إحداث خرق حقيقي في ملف الحظر.
وتتزايد المطالبات بضرورة خروج الحكومة أو النائب الأول للرئيس شخصيا لشرح الآلية القانونية لهذه الهيئة، وما إذا كان تمتلك سلطة اتخاذ القرار التنفيذي أم أنها مجرد واجهة تشريفية لن تفلح إلا في تعميق الضبابية المحيطة بالجهة المسؤولية عن إدارة ومراقبة الإنترنت في البلاد.
وفي مقابل هذه المخاوف، تدافع الحكومة عن خطوتها عبر تصريحات مسؤوليها، ولا سيما وزير الاتصالات، الذي أكد أن الهيئة الخاصة لا تهدف إلى إلغاء أو موازاة المجلس الأعلى للفضاء السيبراني، بل جاءت كإجراء استثنائي ومؤقت فرضته ظروف الحرب الاستخباراتية والأمنية الصعبة التي مرت بها البلاد، والتي أسفرت عن فقدان قيادات أمنية وتكنولوجية رفيعة المستوى كانت تشكل حلقة الوصل والهمزة المحركة لانسجام القرار الرقمي.
وتتلخص الرؤية الحكومية في أن هذه الهيئة تمثل أداة تنسيقية عاجلة لتوحيد الخطاب الرسمي، ومنع التشرذم وسد الفراغ القيادي، في حين تظل الكلمة الفصل والنهائية في القوانين والتشريعات ومصاديق الحجب بيد المجلس الأعلى للفضاء المجازي واللجان القانونية المرتبطة به، مما يعني أن عارف لن يكون صاحب القرار المنفرد بالفتح أو الإغلاق بل ميسرا لآليات التوافق بين الأجهزة الأمنية والتنفيذية.

تجارة الحظر: ولادة “الإنترنت برو” كظاهرة ريعية
من رحم الحظر العام المفروض على الشبكة العالمية وفشل منصات التواصل المحلية في كسب ثقة الشارع الإيراني، ولدت استراتيجية بديلة أثارت الكثير من الجدل القضائي والشعبي، وتعرف بمشروع “الإنترنت الطبقي” أو تجاريا باسم “الإنترنت برو” (Pro).
هذا المشروع الذي صممته قيادات تنفيذية في شركات الاتصالات الكبرى، كان يهدف في البداية إلى منح خطوط اتصال بيضاء ونظيفة وخالية من الحجب لجهات حركية وصحفية رسمية لتيسير أعمالها الحيوية في أوقات الأزمات، غير أن الطرح سرعان ما انزلق إلى مسار التسليع والخصخصة، ليتحول من امتياز سيادي إلى أداة ريعية وتجارية ضخمة تدر مبالغ ضخمة على حساب المواطن العادي، وتخلق تقسيما طبقيا حادا يفصل المجتمع إلى فئتين: فئة الأثرياء وأصحاب النفوذ المتصلين بالعالم، وفئة الأغلبية المعزولة رقميا.
ولم يتوقف الأمر عند الفوارق السعرية الهائلة، حيث تباع باقة الـ 50 جيجابايت من هذا الإنترنت الخاص بأكثر من عشرة أضعاف السعر الرسمي للإنترنت العادي، بل تعدتها إلى نشوء سوق سوداء موازية قوامها التزوير والفساد الإداري. ونظرا للاشتراطات الصارمة التي تفرضها شركات الاتصالات بضرورة تقديم وثائق وسجلات تجارية رسمية للشركات لإتاحة الخدمة، ظهرت شبكات دلالة وسماسرة يقومون بتزوير الهويات التنظيمية وخطابات التوصية وإدراج أسماء مواطنين وفريلانسرز عاديين كعاملين في شركات صورية مقابل مبالغ مالية باهظة تُدفع كعمولات.
هذا واقع لم يحرم الخزانة العامة من ضبط السوق فحسب، بل عرّض المواطنين لمخاطر أمنية وقانونية جمة نتيجة تسليم وثائقهم الشخصية لجهات مجهولة، فضلا عن غياب أي غطاء قانوني يمكن المتضررين من استرداد أموالهم في حال وقوع عمليات نصب واحتيال.

الفجوة الرقمية وانعكاساتها البنيوية على إحصاءات الشبكة
إن السياسات المتشددة في تقييد الشبكة لم تدمر الاقتصاد الرقمي فحسب، بل أحدثت تشوها كبيرا في البنية الإحصائية لتوزيع الترافيك وبنية الاستخدام داخل إيران، وهو ما كشفت عنه بوضوح المؤشرات الدولية الصادرة عن مراكز رصد حركة البيانات العالمية مثل Statcounter. فبعد حملات الحجب الواسعة التي طالت برامج كسر البروكسي والفيلترشكن المجانية، سُجل هبوط حاد وغير مسبوق في حصة ترافيك الأجهزة العاملة بنظام “أندرويد” في إيران، يقابله صعود مفاجئ وصاروخي لحصة الأجهزة العاملة بنظام “iOS” (الآيفون).
هذا التحول الدراماتيكي لا يعني مطلقا طفرة شرائية جماعية لهواتف آبل في ظل الأزمات الاقتصادية، بل يترجم تقنيا حقيقة أن مستخدمي نظام أندرويد، وهم يمثلون الطبقات الوسطى والفقيرة، عجزوا عن تحمل تكاليف الـ VPN المدفوعة أو حزم “الإنترنت برو” فخرجوا تماما من معادلة الاستهلاك والترافيك الدولي، بينما يظهر الأثرياء من حاملي هواتف الآيفون ومشتري الإنترنت الطبقي النظيف على الشبكة العالمية مباشرة وبأرقام ترافيك نقية تُحسب لصالح جغرافيا إيران.
امتدت ارتدادات هذا الفساد الهيكلي لتصل إلى أعلى مستويات سلطات الدولة، حيث فُتحت ملفات التجاوزات المالية والإدارية المرتبطة بـ “الإنترنت برو” في ردهات القضاء الإيراني وبحضور وزير الاتصالات ورئيس منظمة التفتيش العامة. وأظهرت التحقيقات القضائية المدعومة بالوثائق وأرقام التتبع أن هذه الخطوط والامتيازات الاستثنائية وُزعت على أشخاص لا يمتلكون أي صفة مهنية أو حاجة وظيفية تبرر حصولهم عليها، مما دفع رئيس السلطة القضائية لإصدار أوامر صارمة بمحاسبة المدراء التنفيذيين في شركات الاتصالات الذين تغاضوا عن هذه الاختراقات.
وفي المقابل، تعكس المواقف الرسمية للحكومة نوعا من التناقض والارتباك؛ فبينما تخرج المتحدثة باسم الحكومة لتنفي أي شرعية قانونية للإنترنت الطبقي مؤكدة سعي الدولة لإلغائه، تعود في ذات الوقت لتبرير وجوده كمظهر من مظاهر إدارة الأزمات والاحتياجات الخاصة، وهو تناقض يكشف عجز الأجهزة الرقابية أو تغلغل المصالح المالية الناتجة عن مبيعات هذه الباقات الاحتكارية.

الرؤية الأيديولوجية وأثرها على الأمن القومي والاجتماعي
يرجع صمود هذه الأزمات الرقمية وتكرارها إلى طبيعة العقيدة الفكرية والأيديولوجية التي تنطلق منها النخب المسيطرة على صناعة القرار في المجلس الأعلى للفضاء السيبراني. فالتصريحات الصادرة عن أعضاء بارزين في البرلمان، والتي تشبه منصات التواصل العالمية والتطبيقات الدولية بالأسلحة الحربية الثقيلة مثل المقاتلات النفاثة والصواريخ الهجومية، تبرهن على هيمنة المقاربة الأمنية الصرفة التي تخلط خلطا معيبا بين “البنية التحتية الفنية للشبكة” وبين “المنصات والمحتوى”.
إن هذه العقلية تكلف الاقتصاد الإيراني خسائر يومية فادحة ناهيك عن تدمير هائل في حصة الاقتصاد الرقمي العام، وتسريح آلاف المشتغلين في قطاعات التكنولوجيا وسلاسل التوريد، وتدفع بجيل كامل من النخب والشباب المهرة إلى الهجرة الجماعية خارج البلاد بحثا عن بيئة عمل تحترم العقل والاتصال الإنساني.
ومن جهة أخرى، يبرز التناقض الصارخ في سلوك صناع القرار أنفسهم؛ إذ في الوقت الذي تحظر فيه هذه المنصات على عامة الشعب بدعوى أنها أدوات حرب ناعمة للعدو، يلاحظ حضور مكثف ونشط للوزراء والنواب والمسؤولين والمؤسسات السيادية الرسمية على ذات المنصات لتقديم رواياتهم السياسية والدبلوماسية.
هذا الكيل بمكيالين يضعف السند الأخلاقي والسياسي لقرارات الحجب في عيون الرأي العام الإيراني، ويرسخ القناعة بأن التقييد ليس له أي أبعاد أمنية حقيقية، بل هو آلية مصممة لربط المجتمع بمنصات محلية خاضعة للرقابة، أو لإجباره على شراء خدمات اتصال باهظة الثمن لا يستفيد منها سوى كبار المتنفذين والشركات الاحتكارية.

في النهاية، يظهر المشهد الرقمي في إيران كمرآة تعكس صراعا أعمق بين عقلية أمنية تقليدية ترى في الفضاء السيبراني تهديدا سياديا يستوجب السيطرة، وبين واقع اقتصادي واجتماعي يختنق خلف جدران الحجب والتسليع الطبقي؛ ومع بقاء “المجلس الأعلى” كصاحب الكلمة الفصل في هندسة الحظر، فإن “هيئة عارف” المستحدثة تظل مجرد أداة تنسيقية لإدارة الأزمات لا يملك رئيسها مفتاحاً حقيقياً للتغيير، مما يضع الوعود الحكومية بالانفتاح الرقمي على المحك، ويُنذر باستمرار مأزق الحوكمة الذي لم ينتج عنه سوى تعميق الفجوة بين السلطة والشارع، وتحويل الاتصال بالعالم من حقّ عام إلى امتياز ريعي للأثرياء والمقربين.

