كروبي يكسر الصمت: هجوم غير مسبوق على خامنئي.. وتصريحات تُحذف من الإعلام الإيراني

كتب: الترجمان
شهدت الساحة السياسية الإيرانية خلال الأيام الماضية تفاعلا واسعا بعد الكشف عن زيارة أبناء رئيس الوزراء الأسبق مير حسين موسوي — الخاضع للإقامة الجبرية منذ أكثر من 15 عاما — للزعيم الإصلاحي مهدي كروبي، الذي يقيم بدوره تحت الحصار المنزلي منذ احتجاجات الحركة الخضراء عام 2009. 

ورغم أن وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية قدّمت اللقاء على أنه زيارة اجتماعية “لتبادل التحيات” واستعادة ذكريات العمل المشترك في زمن الثورة والحرب، فإن قناة “سهام نيوز” التابعة لتيار كروبي نشرت نصا موسعا تضمّن انتقادا مباشرا للمرشد الأعلى علي خامنئي ودوره في قمع احتجاجات 2009، وهو الجزء الذي تم حذفه بالكامل من التغطية الإعلامية المحلية.
هذا التباين بين النسختين لا يكشف فقط حدود ما يُسمح بتداوله في الفضاء الإعلامي الإيراني، بل يعيد إلى الواجهة ملف الحركة الخضراء الذي حاولت السلطات طيّه عبر العزل والصمت.

استحضار أدوار موسوي ورهنورد في ذاكرة الثورة

استهل مهدي كروبي حديثه بالإشارة إلى مكانة موسوي السياسية، واصفا إياه بأنه “رئيس وزراء الإمام خلال أكثر السنوات قسوة في زمن الحرب”، ومشيدا بزوجته زهراء رهنورد بوصفها باحثة في القرآن وشخصية ثقافية خدمت الثورة. وأكد كروبي أن الخدمات المخلصة التي قدمها هذان الاثنان ليست خافية على أحد، في استعادة ضمنية لمكانتهما قبل أحداث 2009، حين كانا جزءا من منظومة الحكم.

هذا التذكير ليس عفويا؛ فهو يحمل رسالة سياسية ضمنية تقول إن الخلاف مع السلطة لم يكن يوما خلافا على أصل النظام، بل على طريقة إدارته ومسار تطوره، وهو ما يمنح الخطاب الإصلاحي شرعية تاريخية داخل بنية الجمهورية الإسلامية ذاتها.

Image

أحداث 2009: محاولة لوقف الانحراف

عاد كروبي للحديث عن لحظة الاحتجاجات التي فجّرتها نتائج الانتخابات الرئاسية عام 2009، قائلا: “لقد رأينا نحن الاثنان الانحراف، وشعرنا بالخطر على البلاد والثورة. جئنا لنمنع انحراف وُضع بذره عام 2005”.

بهذا يحدد كروبي نقطة التحول في مسار الدولة منذ وصول محمود أحمدي نجاد إلى الرئاسة، وهو ما يعتبره الإصلاحيون بداية تغوّل الأجهزة الأمنية والعسكرية داخل مفاصل الحكم.

ويقول كروبي في اللقاء إن دخول الحرس الثوري والباسيج والأجهزة الأمنية إلى مراكز القرار السياسي والاقتصادي أدى إلى تراجع دور مؤسسات الرقابة التي يفترض بها ضبط التوازن داخل النظام. وأضاف: “كل ما قلناه في الخطب والبيانات وقع بالفعل. لقد فقدت المؤسسات الرقابية فاعليتها، واستشرى الفساد بلا قيود”.

من انهيار العملة إلى تغيّر بنية السلطة

أحد أكثر المقاطع تداولا كان المقارنة الاقتصادية التي أطلقها كروبي: “يوم وُضعنا في الحصر كان الدولار بـ 900 تومان، واليوم وصل إلى 108 آلاف تومان. وإذا لم يُصلح هذا المسار، فالله يعلم ما الذي سيحدث قريبا”.

المفارقة بين التاريخين ليست مجرد وصف اقتصادي، بل إدانة سياسية مباشرة:
ما حدث منذ 2009 لم يكن مجرد أزمة عابرة، بل تغيير جوهري في نموذج توزيع السلطة وعوائد الدولة، بحيث أصبحت الموارد والقرارات الكبرى متركزة في يد الأجهزة المرتبطة بالحرس الثوري، بينما تحوّلت مؤسسات الحكم المدنية إلى واجهات شكلية.

البرلمان والدفاع عن روسيا… “تمزيق الياقات”

في سياق انتقاده لسياسات السياسة الخارجية والتحالفات الجيوسياسية، قال كروبي: “بلغ الانحراف عن أهداف الثورة حدا يجعل بعض العسكريين في البرلمان يمزقون الياقات دفاعا عن بوتين. ولا أظن أن حزب توده لو كان في السلطة لدافع عن الروس أكثر من هذا”.

تأتي هذه العبارة في ظل تصاعد التعاون العسكري بين طهران وموسكو، خصوصا بعد حرب أوكرانيا.

ويحمل هذا التصريح انتقادا مزدوجا وهو الانحراف عن استقلالية القرار الإيراني التي كانت أحد شعارات الثورة، وتغلّب العسكري السياسي على المدني السياسي داخل البرلمان.

التصريح المحذوف: الهجوم المباشر على خامنئي

الجزء الأكثر حساسية في اللقاء لم تنشره وكالة “إنصاف نيوز” ولا وسائل الإعلام الإيرانية، لكنه ظهر في قناة “سهام نيوز”، حيث قال كروبي:

“السيد خامنئي في انتخابات 2009 لم يتحمّل أصوات الشعب، بل دعم التزوير والقمع العنيف، واتهمنا نحن بالفتنة وقلة البصيرة، بينما هو — مدّعي البصيرة — دمّر الاقتصاد والثقافة والأمن والأخلاق. وما ترونه اليوم نتيجة ذلك النهج الخاطئ”.

اختفى هذا الجزء كليا من وسائل الإعلام المحلية، التي أعادت صياغة اللقاء بوصفه مجرد نقد سياسي داخلي، ما يعكس استمرار الرقابة القطعية على أي خطاب يعيد النظر في شرعية القرارات التي تلت أحداث 2009.

تقرير الأبناء: خمسة عشر عاما من الصمت الثقيل

قدّم أبناء موسوي ورهنورد خلال اللقاء تقريرا عن ظروف الإقامة الجبرية، وصفوه بأنه “مؤلم”، مشيرين إلى القيود الاجتماعية والإعلامية والصحية المفروضة على والديهم.
ورغم أن السلطات لم تصدر حكما قضائيا بحقهما، فإن الإجراء استمر بصيغة أمنية خالصة، ما يجعل القضية واحدا من أكثر ملفات حقوق الإنسان حساسية داخل إيران.

يكشف هذا اللقاء أن ملف الحركة الخضراء لم يتم طيّه بعد، وأن رموزه ما زالوا قادرين — رغم الحصار والإقصاء — على تشكيل هزة سياسية عند ظهور صوتهم. الفارق بين النسخة المنشورة والنسخة المحذوفة يعكس المعادلة الإعلامية في إيران: السماح بانتقاد الإدارة والاقتصاد، مقابل منع أي مساس بشرعية المرشد الأعلى ووحدة الولاية السياسية.

ومع تدهور الوضع الاقتصادي، واحتدام المنافسة على مستقبل القيادة السياسية في مرحلة ما بعد خامنئي، تعود رموز 2009 — ولو من خلف الأبواب المغلقة — كجزء من ذاكرة سياسية لا يمكن شطبها بالحصار وحده.

الرسالة الأساسية في خطاب كروبي ليست دعوة إلى مواجهة، بل إلى إعادة تعريف الشرعية السياسية عبر احترام إرادة الناس. وهذه الرسالة — مهما تم حذفها — وصلت.