- زاد إيران - المحرر
- 597 Views
ترجمة: دنيا ياسر نور الدين
أجرت صحيفة “آرمان ملي” الإيرانية الإصلاحية، الاثنين 14 يوليو/تموز 2025، حوارا مع الأكاديمي والنائب السابق في البرلمان الإيراني والناشط السياسي الإصلاحي أحمد شيرزاد، حيث تحدّث خلاله عن مشهد التلاحم الشعبي الذي ظهر خلال الحرب الأخيرة بين إيران وإسرائيل، واستعرض سبل الحفاظ على هذا الانسجام وتعزيزه، كما تطرّق إلى الدور الذي كان على الدولة ومؤسسات الحكم القيام به في هذا السياق.
وفي ما يلي نص الحوار:
أظهرت الحرب الأخيرة بين إيران وإسرائيل تلاحما وطنيا لافتا تجاوز الخلافات الفكرية والسياسية. كيف يمكن الحفاظ على هذا التماسك الشعبي وتعزيزه في المستقبل؟
لا شك في أن ما حدث خلال الحرب الأخيرة كان تجليا قويا للوحدة الوطنية في لحظة مصيرية، حيث التقت مختلف التيارات والتوجهات على أرضية الدفاع عن الوطن. وإذا أردنا أن نحافظ على هذه الروح ونحوّلها إلى ثقافة دائمة لا تقتصر على لحظات الأزمات، فإن الخطوة الأولى تكمن — برأيي — في الاعتراف الجاد والصريح بالتعدد داخل المجتمع الإيراني.
إن كثيرا من الأزمات الاجتماعية والسياسية التي عرفناها في السابق لم تنبع من مجرد اختلاف في الآراء، بل من رفض أطراف معينة للاعتراف بشرعية هذا الاختلاف. حين يتبنى أي فاعل مجتمعي أو سياسي رؤية أحادية، ويحاول فرضها على الآخرين، تظهر حينها بوادر التوتر والانقسام. أما إذا بدأنا من قناعة بأن لكل إنسان الحق في أن يرى الحياة من زاويته الخاصة، وأن يختار نمط حياته بما يتناسب مع قناعاته وميوله، فإننا نكون قد وضعنا الأساس لتعايش حقيقي ومستقر.
المجتمع الإيراني، بطبيعته، متعدد ومتباين. هناك من يلتزم بالتعاليم الدينية بكل جدية، ويتخذ من القيم الشرعية مرجعية أساسية في سلوكياته اليومية، وهذا أمر جدير بالاحترام. وهناك، في الوقت نفسه، من لا يشارك هذه الدرجة من الالتزام، ويميل إلى نمط حياة مختلف. وهذه الحقيقة يجب ألا تُعامل كإشكالية، بل كواقع اجتماعي يجب احتواؤه والتعامل معه بحكمة.
في هذا السياق، أستحضر عبارة بالغة الدلالة لقاسم سليماني، حين قال: “إيران هي وطن الفتاة غير المحجبة، كما هي وطن المرأة الملتزمة بالحجاب”. هذه العبارة، برأيي، تختزل الرؤية الوطنية المطلوبة: إيران للجميع، بمختلف أطيافهم، ما داموا ملتزمين بالإطار العام للقانون، ويحترمون العقد الاجتماعي الذي ينظم العلاقة بينهم.
ما نحتاجه اليوم ليس فرض تطابق فكري أو سلوكي، بل الالتفاف حول الثوابت الجامعة التي لا يختلف عليها أحد، مثل: استقلال الوطن، وحدة أراضيه، كرامة مواطنيه، وضمان رفاههم. هذه القيم يمكن أن تشكّل القاعدة الصلبة لبناء وحدة وطنية تتجاوز الحساسيات الجزئية والخلافات الظرفية.
خلاصة القول القبول بالآخر المختلف، واحترام خياراته، والبحث عن القواسم المشتركة بدلا من التركيز على نقاط التباين، هو الطريق الأجدى للحفاظ على نسيجنا المجتمعي موحدا وصلبا في مواجهة التحديات المقبلة.
برأيكم، كيف ينبغي للحكومة والنظام أن يتفاعلا مع هذا الموقف الشعبي، خاصةً أنه أفشل مخططات العدو في زرع الخلافات الداخلية خلال الحرب الأخيرة؟
الدولة، باعتبارها أحد أركان النظام الاجتماعي، مطالبة بأن تنظر إلى جميع المواطنين بعين واحدة. يجب ألا يكون هناك أي تمييز أو استثناء في التعامل مع القانون. ينبغي أن تسعى مؤسسات الدولة إلى احترام الجميع بشكل متساو، والاهتمام بمطالب كل فئات المجتمع.
على سبيل المثال، توزيع الموارد يجب أن يكون عادلا بين مختلف المدن والمناطق، رغم ما تحمله من تنوع في المذاهب والأعراق والطبقات الاجتماعية. الدولة مطالبة بأن تنظر للجميع باعتبارهم مواطنين متساوين، بغض النظر عن خلفياتهم، وهذا هو جوهر العدالة الاجتماعية.
إلى أي مدى ترون أن معالجة الأزمات الاقتصادية وتوسيع الحريات الاجتماعية يمكن أن يساهما في تعزيز الوحدة الوطنية في إيران؟
أعتقد أن هذا السؤال لا ينبغي أن يُوجَّه فقط إلى حكومة الدكتور مسعود بزشكيان، بل إلى كافة أجهزة الدولة ومؤسساتها. فالوحدة الوطنية، كما أثبتت التجارب، لا تتحقق بالشعارات أو الإجراءات الفوقية، بل من خلال سلوك يومي يتسم بالمرونة والواقعية في التعامل مع المواطنين، ومنح الأعراف الاجتماعية الفرصة لأداء دورها دون تضييق أو وصاية.
في هذا السياق، يمكن الإشارة إلى التعامل المختلف الذي تبنّته حكومة بزشكيان مؤخرا حيال مسألة “العفة والحجاب”. فعلى الرغم من الضغوط الرامية إلى تمرير قانون صارم بهذا الشأن، جاءت مقاربة الحكومة الجديدة أكثر اتساقا مع المزاج العام في المجتمع الإيراني، وأكثر فهما لتعقيداته وتحولاته.
ولو أن هذا القانون فُرض قبل أشهر بأسلوب متشدد ومن دون حوار، وفي ظل إدارة لا تُحسن قراءة التحولات الاجتماعية، لربما تسبّب ذلك في حالة من التوتر العام، بل وربما أضعف من قدرة النظام على حشد الدعم الشعبي في أوقات الأزمات الكبرى، كما حدث في الحرب الأخيرة.
مثال آخر يعكس مدى وعي الشعب الإيراني واستعداده للتضحية من أجل المصلحة الوطنية، يتمثل في تقبُّل الناس للقيود المؤقتة التي فُرضت على الإنترنت خلال الحرب مع إسرائيل. فرغم الأضرار الفعلية التي لحقت بالعديد من العاملين في مجال التجارة الإلكترونية، لم نشهد احتجاجا واسعا، بل صبرا مدنيا لافتا، لأن المواطنين شعروا بأن الإجراءات استثنائية وتخدم هدفا أسمى، هو الحفاظ على أمن الوطن واستقراره.
لكن هذا التفهُّم الشعبي لا يمكن استغلاله في فرض أنماط حياتية أو أيديولوجيات لا تعبّر عن الجميع. حين يُفرض نمط حياة فئة واحدة على مجتمع متنوع، فإننا نكون بصدد تقويض مقومات الوحدة بدلا من تعزيزها. المطلوب اليوم أن يشعر المواطن بأن الحكومة تمثّله، بكل تنوّعه وتناقضاته، وأن وسائل الإعلام الرسمية، وعلى رأسها الإذاعة والتلفزيون، تعبّر عن جميع شرائح المجتمع وليس عن تيار واحد فقط.
إن الوحدة الوطنية الحقيقية لا تُبنى على الإقصاء، بل على الاعتراف بالاختلاف واحترامه، وعلى الثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع، وهي ثقة تتغذى على العدالة الاجتماعية، والإنصات لمطالب الناس، وتوفير هوامش كافية من الحرية التي تحفظ كرامة الفرد وتفتح أمامه آفاق الأمل.

هل ما جرى قد يفتح الباب لمراجعة السياسات وتعزيز الوحدة الوطنية؟
رأى البعض أن ما حدث قد يشكّل نقطة تحوّل مهمة في مسار السياسات العامة، وربما يكون بداية لمراجعات تُفضي إلى تعزيز الوحدة الوطنية وتضييق فجوة الانقسام. وبينما لا يمكن تجاهل هذا الطرح المتفائل، فإن القراءة الواقعية للمشهد تستدعي شيئا من التريث والحذر في تقدير الآثار المحتملة.
فالأمل، كما يقول مراقبون، يبقى عنصرا إيجابيا لا غنى عنه في لحظات التحوّل، لكن من غير المنطقي البناء على حدث واحد – مهما بلغت أهميته – باعتباره كفيلا بحل جميع الإشكاليات المزمنة. ذلك أن التحديات المتراكمة والمتشابكة لا تزول بمجرد لحظة مفصلية، بل تتطلب مسارا طويلا من العمل الجاد والمشاركة الفعلية لجميع القوى الفاعلة.
ويرى محللون أن اللحظات التاريخية، وإن لم تكن كافية وحدها لتغيير المعادلات، فإنها تفتح نوافذ جديدة يمكن البناء عليها، شرط أن تُفتح قنوات الحوار على مصراعيها، وأن يُتاح لجميع الأطراف التعبير عن رؤاها وهمومها، ويُستجاب لتطلعاتها. عندها فقط يمكن القول إن حدثا ما أفضى فعلا إلى بداية تحول حقيقي نحو مزيد من التماسك الوطني.

