- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 446 Views
شهد المشهد السياسي الإيراني خلال الفترة الأخيرة تصاعدا ملحوظا، ليس فقط في وتيرة التظاهرات أو الخطاب العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، بل أيضا في وتيرة الشائعات السياسية، خصوصا تلك التي ارتبطت بأسماء شخصيات بارزة من التيار الإصلاحي، وذلك في سياق داخلي شديد الحساسية وما رافقها من توترات أمنية واقتصادية. هذه الشائعات، التي روج لها على نطاق واسع عبر وسائل إعلام وشبكات اجتماعية محسوبة على التيار الأصولي المتشدد، أعادت إلى الواجهة النقاش حول دور الأخبار غير الموثقة في توجيه الرأي العام والتأثير في التوازنات السياسية.
الشائعات الأصولية… من الهامش إلى مركز التأثير
خلال الفترة الأخيرة، استخدم التيار الأصولي المتشدد، حسب قراءات صحافية متعددة، أسلوب الشائعات السياسية، بوصفه أداة ضغط فعالة، منخفضة الكلفة، وسريعة الانتشار، لا سيما في ظل التوترات الاقتصادية والقلق المجتمعي المتزايد.

فمن أبرز هذه الشائعات ما تردد حول اعتقال الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف، وهي رواية نسبت إلى تصريحات غير رسمية لبعض النواب والناشطين السياسيين، قبل أن يتم نفيها بشكل قاطع من مصادر رسمية وأطراف مقربة من الشخصيتين، ورغم سرعة النفي، إلا أن الشائعة كانت قد أدت دورها في إثارة البلبلة وخلق حالة من الترقب والقلق.

شائعة أخرى حظيت بتداول واسع تمثلت في الادعاء بأن حسين فريدون، شقيق حسن روحاني، قام بتقليد صوت الرئيس السابق للتأثير على قرارات اقتصادية وإدارية حساسة، هذه الرواية، التي نقلت عن نائب برلماني معروف بمواقفه المتشددة، طرحت من دون تقديم أدلة ملموسة، ومع ذلك استمرت في التداول بوصفها حقيقة خفية لدى بعض الأوساط الإعلامية.

كما برزت إلى الواجهة مجددا شائعة اللقاء المزعوم بين الرئيس الأسبق محمد خاتمي والممول الأمريكي جورج سوروس، وهي شائعة قديمة جرى إحياؤها مرارا خلال السنوات الماضية، وكان من أبرز مروجيها حسين شريعتمداري، رئيس تحرير صحيفة كيهان المنبر الأصولي الأكبر، وعلى الرغم من النفي المتكرر وعدم تقديم أي وثيقة تثبت صحة الادعاء، فإن هذه الرواية استخدمت مرارا لتغذية خطاب التخوين والارتياب.

لا تقتصر هذه الشائعات على الشخصيات السياسية، بل تمتد إلى قضايا معيشية واقتصادية حساسة، فقد شهدت الفترة الأخيرة تداول أخبار غير مؤكدة حول رفع مفاجئ لأسعار البنزين، أو انهيار وشيك للعملة الوطنية، أو قرارات سرية بتشديد الرقابة الاجتماعية، وغالبا ما تنشر هذه الأخبار، حسب خبراء، من دون مصادر واضحة، أو بالاستناد إلى معلومات خاصة أو مصادر مطلعة.
ويرى محللون أن خطورة هذه الشائعات لا تكمن فقط في عدم صحتها، بل في توقيتها وسياقها، فهي تطلق عادة في لحظات تشهد فيها البلاد توترا اجتماعيا أو سياسيا، ما يجعل الرأي العام أكثر قابلية للتأثر، كما أن تكرار هذا النمط يسهم في تآكل الثقة بين المجتمع والمؤسسات الرسمية، ويعزز الشعور بانعدام الشفافية.
على الرئيس أن يكون أكثر وضوحا مع الأصوليين
في خضم هذا المشهد، برز النائب البرلماني جلال رشيدي كوجي، الذي شن هجوما غير مسبوق على التيار الأصولي المتشدد، محملا إياه مسؤولية إفشال فرصة نادرة لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع بعد الحرب، وجاءت تصريحاته في سلسلة مقابلات إعلامية، أخرها مع موقع خبر أونلاين، الثلاثاء 27 يناير/ كانون الثاني 2026، حيث تحدث بلهجة نقدية مباشرة وغير معتادة.
فقد اعتبر رشيدي كوجي أن الوحدة الوطنية التي تشكلت خلال حرب يونيو/ حزيران، والتي وصفها بأنها اتحاد مقدس، لم تترجم إلى سياسات عملية تخفف الضغوط عن المواطنين، وأشار إلى أن المسؤولين اكتفوا بخطاب الشكر والثناء، من دون اتخاذ خطوات ملموسة في مجالات الاقتصاد والحريات العامة والإصلاحات الهيكلية.

من أبرز النقاط التي ركز عليها رشيدي كوجي مسألة رفع الحجب عن الإنترنت، فبحسب رأيه، كان من الطبيعي بعد انتهاء الحرب واستقرار الأوضاع أن تبادر الحكومة إلى تخفيف القيود الرقمية بوصفها خطوة رمزية وعملية في آن واحد، تعكس تقدير الدولة لصبر المواطنين وتضحياتهم، إلا أن هذا لم يحدث، بل عاد المشهد إلى ما كان عليه قبل الحرب.
كما انتقد النائب البرلماني بشدة إعادة طرح قضية الحجاب بوصفها أولوية قصوى في خطب الجمعة والمنابر الرسمية، معتبرا أن ذلك يعكس انفصالا عن هموم المواطنين الحقيقية، وأكد أن التركيز المفرط على هذه القضية، في ظل أزمات معيشية خانقة، أسهم في تعميق الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الاجتماعي.
وفي السياق الاقتصادي، طرح رشيدي كوجي أرقاما لافتة تتعلق بالموازنة العامة، مشيرا إلى أن حذف ميزانيات بعض المؤسسات التي وصفها بأنها عديمة الجدوى كان يمكن أن يتيح زيادة كبيرة في رواتب المعلمين، والعسكريين، والمتقاعدين، وموظفي الدولة. واعتبر أن الإبقاء على هذه الميزانيات يعكس قوة نفوذ التيار الأصولي داخل مفاصل الدولة.

وذهب رشيدي كوجي أبعد من ذلك حين أكد أن المتشددين يتمتعون بحاشية أمن تحميهم من المساءلة، وهو ما يفسر، بحسب رأيه، جرأتهم في مخالفة توجيهات القيادة العليا أو تفسيرها بما يخدم أجنداتهم الخاصة، واستشهد بحوادث سابقة ادعى فيها بعض النواب نقل مواقف عن القيادة، قبل أن يتبين عدم صحتها.
في تحليله لأسباب هذا الوضع، أشار رشيدي كوجي إلى تغلغل التيار الأصولي في مؤسسات متعددة، وإلى تقديمه نفسه بوصفه الحارس الوحيد للثورة، وهو خطاب يمنحه شرعية ذاتية ويصعّب مواجهته سياسيا، واعتبر أن هذا الخطاب كان سببا مباشرا في دفع البلاد، أكثر من مرة، إلى حافة الأزمات الكبرى.
كما دعا النائب البرلماني رئيس الجمهورية، مسعود بزشكيان، إلى اتخاذ موقف أكثر وضوحا وحزما في مواجهة هذا التيار، ليس عبر الخطابات، بل من خلال قرارات عملية، على رأسها إعادة توجيه الموارد المالية، والاستجابة للمطالب الاجتماعية، ووقف استغلال القضايا الثقافية والدينية لأغراض سياسية.
بين الشائعة والسياسة… أي مستقبل للمشهد الداخلي؟
تكشف قراءة متأنية لتصاعد الشائعات الأصولية وهجوم رشيدي كوجي عن صراع أعمق داخل النظام السياسي الإيراني، صراع لا يدور فقط حول أشخاص أو قضايا بعينها، بل حول طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وحدود استخدام الأدوات غير الرسمية في إدارة الخلافات السياسية.
فالشائعة، حين تتحول إلى أداة ممنهجة، تفقد طابعها العابر وتصبح عنصرا فاعلا في تشكيل السياسات والقرارات، وفي المقابل، فإن الأصوات المنتقدة من داخل النظام تعكس وجود تيار يرى في هذه الممارسات خطرا على الاستقرار الداخلي وعلى شرعية المؤسسات.
ويبقى السؤال مفتوحا حول قدرة النظام السياسي على استيعاب هذه الانتقادات وتحويلها إلى إصلاحات ملموسة، أو ما إذا كانت الشائعات ستظل أداة حاضرة في الصراع السياسي، تستخدم كلما ضاقت السبل القانونية والمؤسساتية. وفي ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة، يبدو أن مستقبل هذا الصراع سيكون له أثر بالغ في تحديد مسار الثقة بين المواطن والدولة في المرحلة المقبلة.

