- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 726 Views
نشرت صحيفة كيهان الأصولية، مساء السبت 9 أغسطس/آب 2025، تقريرا ذكرت فيه أن جنوب القوقاز أصبح مرة أخرى مركز تحولات جيوسياسية حادة بعد توقيع اتفاق بين قادة أرمينيا وأذربيجان في البيت الأبيض برعاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وأضافت الصحيفة أن ممر زانغزور المزعوم لم يكن مجرد مشروع اقتصادي أو طريق ترانزيت، بل أصبح بوابة مباشرة لنفوذ أمريكا وحلف الناتو والنظام الإسرائيلي في المنطقة، مما يشكل تهديدا استراتيجيا لإيران وروسيا والمنطقة بأسرها، كما يمنح الاتفاق أذربيجان وصولا مباشرا إلى نخجوان، فيما تتنازل أرمينيا عن جزء من الممر، مع تعاون حصري مع الولايات المتحدة لتطويره لفترة قد تصل إلى 99 عاما.
وتابعت أن محتوى الاتفاق يكشف عن مخاطر كبيرة من تدخل غربي يهدد استقرار المنطقة، ويفتح الباب أمام فوضى وأمن هش قرب حدود إيران، ما يشكل تهديدا سياسيا واقتصاديا وأمنيا خطيرا لإيران، رغم أن الاتفاق يعلن إنهاء النزاع بين البلدين وتحسين العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية.
أهمية الممر
أوضحت الصحيفة أن ممر زانغزور، أو مسار ترامب، مشروع استراتيجي يربط أذربيجان بمنطقة نخجوان عبر أرمينيا، وأصبح محورا رئيسيا في السياسة الإقليمية منذ حرب كاراباخ الثانية، ورغم ادعاءات أذربيجان وتركيا والولايات المتحدة بأنه مشروع تنموي وترانزيت، إلا أنه يحمل رسائل استراتيجية تهدد الأمن والمصالح الوطنية لإيران.
وأردفت أن إيران كانت ممرا رئيسيا لنقل الطاقة والبضائع بين آسيا الوسطى والصين والقوقاز وأوروبا، لكن هذا المشروع سيقلل من دورها ويتيح لأذربيجان التواصل المباشر مع تركيا وأوروبا دون المرور بأراضيها، ما يؤدي إلى تراجع عائدات النقل وضعف موقع إيران في مبادرات كالحزام والطريق، كما يمنح تركيا وأذربيجان دورا مستقلا في سوق الطاقة الأوراسية ويقلل نفوذ إيران عبر استبعادها من خطوط الأنابيب والسكك الحديدية.
وبيَّنت أن الممر يحمل أهدافا جيوسياسية أوسع لتعزيز نفوذ الناتو والغرب في جنوب القوقاز، وتضعيف إيران وروسيا والصين، وتنفيذه سيقطع الاتصال البري لإيران مع أرمينيا وأوراسيا، ويغير الجغرافيا السياسية، ويهدد الأمن القومي الإيراني بتقليل نفوذ إيران وروسيا، وتعزيز حضور الناتو قرب حدود إيران، وتقليل عائدات النقل، وفرض قيود على وصول إيران للأسواق المجاورة.
وأفادت بأن إيران تعارض بشدةٍ إنشاء الممر الذي يغير الحدود السياسية في المنطقة، مؤكدة رفضها لأي تعديل جغرافي، ورغم ذلك، زعم رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان أن المشروع سيوفر اتصالا سككيا بين أرمينيا وإيران، مع إمكانية تعاون إيجابي عبر بناء طرق وسكك حديد جديدة، واصفا المشروع بأنه ملتقى السلام لتعزيز التعاون بين الدول التي تواجه مشاكل في المنطقة.
أكدت الصحيفة أن فهم حساسية إيران تجاه ممر زانغزور يتطلب العودة إلى جرح قديم نجم عن خطأ استراتيجي جسيم ارتكبه مؤسس الأسرة البهلوية الشاه رضا خان بهلوي في عقد 1930، حين تنازل عن جزء من أراضي قاراسو لصالح تركيا، وهذا الخطأ لم يحقق أي مكاسب أمنية لإيران، بل مهد لربط بري مباشر بين تركيا ونخجوان، ما أصبح لاحقا أداة ضغط جيوسياسي على إيران.
وأبلغت أنه قبل هذا التنازل، كان لإيران وصول بري مباشر وقريب إلى يريفان وقلب أرمينيا، لكن فقدان قاراسو قطع هذا المسار الطبيعي، وأتاح لتركيا وجودا دائما على حدود نخجوان، وهذا التغيير، الذي جاء دون دعم أمني أو منطقي، قضى على ورقة جيوسياسية مهمة لإيران.
وأشارت إلى أنه رغم مرور تسعين عاما، يظهر اليوم كيف أن هذا الخطأ التاريخي، إلى جانب ممر زانغزور المزعوم، قد يكتمل ليشكّل حصارا جيوسياسيا لإيران في جنوب القوقاز، وتستغل تركيا هذا الربط القديم وطموحاتها التوسعية، بدعم أمريكي وإسرائيلي، لتقوية نفوذها في القوقاز الغربي، وتؤكد التجربة التاريخية أن التقليل من شأن التغيرات الحدودية، حتى الضيقة منها، قد يؤدي إلى تهديدات استراتيجية طويلة الأمد يصعب تعويضها.
زانغزور.. مشروع بتوقيع واشنطن
أوردت الصحيفة أن تطورات جنوب القوقاز في السنوات الأخيرة تظهر أن ممر زانغزور ليس مشروعا إقليميا عاديا، بل جزء من الاستراتيجية الأمريكية لمحاصرة إيران وروسيا جيوسياسيا، فالاجتماع الأخير في البيت الأبيض بين ترامب والرئيس الأذربيجاني إلهام علييف وباشينيان، المعروف بالتفاهم الاقتصادي، مثّل بداية رسمية لهذا المشروع، الذي انطلق بسبب ضعف حكومة باشينيان في أرمينيا.
وأضافت أن باشينيان، الذي أضعف موقع أرمينيا الجيوسياسي بسياساته الموالية للغرب، يفتح يريفان أمام الناتو وإسرائيل بتشجيع من واشنطن، رغم أن أرمينيا كانت ضحية للألعاب الجيوسياسية للقوى الخارجية، والآن تواجه خطرا وجوديا حقيقيا.
ولفتت إلى أن المرشد الأعلى الإيراني خامنئي أعلن بوضوح في أغسطس/آب 2024، أن إيران تعتبر ممر زانغزور ضارا بأرمينيا وتمسكت بموقفها الرافض، مؤكدا وحدة الأراضي الأرمينية ورفض التدخلات الخارجية، ومشددا على أن الأمن القومي للدول يعتمد على الاعتماد على الذات والأصدقاء المقربين.
وأقرَّ بأن هذا الموقف جاء استمرارا لتأكيدات في يوليو/تموز 2022 مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، حيث رفضت طهران أي تغيير جيوسياسي في القوقاز، مؤكدا أن هذا هو الخط الأحمر الذي لا يمكن تجاوزه دون المساس بالأمن القومي الإيراني.
إرث رئيسي، وتحذير صارم للناتو
أبلغت الصحيفة أن الرئيس الإيراني السابق إبراهيم رئيسي كان واعيا تماما لخطورة ممر زانغزور، وحذر مرارا من كونه ميدانا لنفوذ الناتو وتهديدا للأمن القومي، وعارض بشدة هذا المشروع، وجاء هذا الموقف نتاج إجماع الخبراء الوطنيين، ولهذا دعم نشر قوات عسكرية على الحدود الشمالية الغربية لإرسال رسالة واضحة بأن طهران لن تسمح بتغيير الحدود في جنوب القوقاز.
وأفادت بأن الرئيس الإيراني مسعود بزشکیان أدلى بتصريح مثير للجدل قلل فيه من أهمية ممر زانغزور، مما أثار قلق المحللين، إذ يُعتبر هذا التقليل من شأن المشروع تهديدا للأمن القومي في ظل تسارع أعداء إيران لإحكام الحصار الجيوسياسي.
ونوهت إلى أن شعبي غزة وفلسطين يعانيان من أبشع جرائم الاحتلال الإسرائيلي، في حين لم تتخذ أنقرة أي موقف ضد تل أبيب، بل تركز على منافسة إيران وفتح بوابات نفوذ للغرب في منطقة القوقاز.
وأوضحت أن هذا النهج لا يخدم أمن المنطقة، بل يعزز العداء الأمريكي-الإسرائيلي في الشرق الأوسط، والتاريخ يثبت أن الولايات المتحدة وإسرائيل لن يسمحا لأي لاعب إقليمي بدور مستقل، وستدفع تركيا ثمن طموحاتها التوسعية عاجلا أم آجلا، لكن مصالح حكام أنقرة لن تُنسى من شعوب المنطقة وإيران.
أهمية جنوب القوقاز لإيران
أفادت الصحيفة بأن جنوب القوقاز ليس مجرد منطقة على الخريطة بل هو جزء أساسي من الهوية والتاريخ الإيراني، حيث قاوم الإيرانيون على مدى قرون قوى أجنبية كالعثمانيين والروس، وأي وجود أجنبي كالولايات المتحدة أو الناتو أو إسرائيل هناك يعني تهديدا مباشرا لأمن الحدود الشمالية لإيران، وهو أمر لا يمكن تجاهله.
وأوردت أنه رغم المواقف العدائية لحكام باكو، حافظت إيران على موقف أبوي، ودعمت أذربيجان اقتصاديا وأمنيا بسبب الروابط التاريخية والثقافية، لكنها وضعت خطوطا حمراء واضحة.
وأبلغت أن إيران تحذر من أي خدمة تُقدَّم لأعدائها في المنطقة، وسترد بقوة على أي تهديد، وأثبتت التجارب السابقة أن باكو تواجه عواقب كبيرة عند تجاهل مصالح إيران، فجنوب القوقاز ليس مكانا للمغامرات، وإيران ستستخدم كل قدراتها لمنع أي خطر يهدد أمن واستقرار المنطقة.
موسكو: الخاسر الأكبر في مشروع زانغزور الأمريكي
روت الصحيفة أنه منذ القرن التاسع عشر، تعتبر جنوب القوقاز منطقة نفوذ طبيعي لروسيا، لكن انشغالها بحرب أوكرانيا أتاح للولايات المتحدة، والناتو فرصة للتوسع هناك، وعلى موسكو أن تدرك أن دخول أمريكا يشكل ضربة جيوسياسية كبرى تفوق تهديد أوكرانيا، وإذا لم تدعم روسيا إيران والمناهضين للتوسع الأمريكي الحالي، فستضطر لاحقا لتحمل نفوذ الناتو في حديقتها الخلفية.
وأوردت أن إيران أثبتت استقلالها في حماية أمن القوقاز سواء بدعم روسي أو بدونه، وستتصدى بحزم لأي تهديد مثل مشروع زانغزور، كما أن تهاون موسكو في مواجهة مخططات الولايات المتحدة والناتو سيؤدي لأزمة أكبر من أوكرانيا، إذ يعني انتشار الفوضى وقطع الممرات الجيوسياسية لروسيا، وستكون روسيا مضطرة لاحقا لدفع ثمن حصار واستنزاف استراتيجي وحدها، مما قد يفرض عليها تنازلات قسرية ومذلة.
الاستسهال.. وباء السياسة الخارجية
سلَّطت الصحيفة الضوء على أن الجانب الأخطر في ملف زانغزور يكمن في الاستهانة بالمخاطر من قبل بعض المسؤولين المحليين، مشيرة إلى أن تاريخ العلاقات الدولية مليء بالأمثلة التي نتجت عن تجاهل تغييرات بسيطة، مما أدى إلى اندلاع أزمات خارجة عن السيطرة.
وأقرَّت بأن إيران لا يمكنها ولا ينبغي أن تسمح بترسيخ ممر يهدد الأمن القومي على أراضي المنطقة مقابل بعض المكاسب الاقتصادية أو الوعود الوهمية من الغرب، وإذا لم يتم إيقاف ممر زانغزور اليوم، فسيتحول غدا إلى طريق رئيسي للنفوذ العسكري والاستخباراتي للعدو.
إيران مع روسيا أو من دونها
أبلغت الصحيفة أن الرسالة الاستراتيجية لإيران واضحة: سواء بدعم روسيا أو من دونها، فستمنع إيران إقامة الممر الأمريكي في جنوب القوقاز، طهران تملك أدوات متعددة، من الوجود العسكري إلى التحالفات الإقليمية، للدفاع عن أمن المنطقة.
ونقلت عن مستشار المرشد الأعلى علي أكبر ولايتي، تأكيده أن إيران ستتصدى لأي تهديد لأمن جنوب القوقاز، وأن المشروع يواجه رفضا شعبيا أرمينيا قويا، لأنه قد يقسم أرمينيا ويغير حدود إيران، محصرا طرق اتصالها بتركيا، مما يهدد الأمن الإقليمي، فالقوة الإيرانية في هذا الملف تأتي من عسكريتها وموقعها الجغرافي ونفوذها التاريخي وشرعيتها القانونية.
وفي الختام بيَّنت الصحيفة أن ممر زانغزور يشكل اختبارا استراتيجيا للحكومة الحالية في فهم الأمن القومي، وأي تهاون سيؤدي إلى وجود عسكري أمريكي وناتو قريب من الحدود، وعلى المسؤولين الاستماع لتحذيرات المرشد وتجارب الحكومة السابقة والخبراء الأمنيين، فالممر ليس مسألة صغيرة بل خط أحمر لأمن إيران ووحدتها، وأي تهاون فيه خيانة للأجيال القادمة كلها.

