- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 358 Views
كتب: الترجمان
في ظل تصاعد وتيرة المواجهة العسكرية والأمنية بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، برزت على السطح جبهة لا تقل ضراوة عن جبهة القتال المباشر، وهي جبهة “الحرب المعلوماتية” وسرقة البيانات الميدانية.
خلال الأيام القليلة الماضية، شهدت الساحة الإيرانية سلسلة من العمليات النوعية التي نفذتها أجهزة الاستخبارات المختلفة، أسفرت عن تفکيك شبكات تجسس واسعة النطاق كانت تعمل كـ “أذرع معلوماتية” للعدو في قلب المحافظات الإيرانية.
هذه العمليات لم تكن مجرد إجراءات روتينية، بل كشفت عن استراتيجية معادية تهدف إلى تحويل المواطنين العاديين أو الموظفين في مراكز حساسة إلى أدوات لجمع “الإحداثيات” وتوثيق الأضرار الناجمة عن الهجمات، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذه الاختراقات وكيفية تعامل الدولة معها في ظل ظروف توصف بأنها “حالة حرب”.
زلزال في أربع محافظات: تفكيك “خلايا المزدورين”
أعلنت منظمة استخبارات الحرس الثوري الإيراني عن توجيه ضربة قاسمة لأربع شبكات مرتبطة بأجهزة استخبارات أجنبية في أربع محافظات مختلفة، وهي العملية التي وصفت بأنها إحباط لمخططات تخريبية كانت تستهدف الأمن القومي في لحظة حرجة.
ففي محافظة “مرکزي”، تمكنت القوات الأمنية من اعتقال عنصر يعمل كـ “جاسوس” في أحد المراكز الحيوية والحساسة، حيث كان يجمع معلومات نوعية وتفصيلية بهدف إرسالها إلى ضابط استخبارات صهيوني لتنفيذ عمليات تخريبية داخل المنشأة.
وفي موازاة ذلك، شهدت محافظة “أذربيجان الشرقية” اعتقال عناصر كانت تعمل كحلقة وصل بين موساد والعديد من الجماعات الإرهابية مثل “المنافقين” (مجاهدي خلق) وتيارات سلطوية، بالإضافة إلى تعاونهم مع قناة “إيران إنترناشيونال” لتزويدهم بمواقع الأماكن الحساسة وإحداثيات الأماكن التي تعرضت للقصف، مما يوضح تكامل الأدوار بين التجسس العسكري والتحريض الإعلامي.
ولم تقتصر هذه التحركات على الشمال والوسط، بل امتدت إلى محافظة “قزوين”، حيث تم إلقاء القبض على أحد العناصر القيادية في أعمال الشغب التي شهدتها البلاد في يناير/كانون الثاني ،2025 هذا المتهم لم يكن مجرد محرض ميداني، بل كشف التحقيق عن قيامه بإرسال إحداثيات مراكز عسكرية ومواقع قادة عسكريين إلى الاستخبارات الإسرائيلية، مستغلاً التجمعات غير القانونية لتصوير المواقع وإرسالها عبر قنوات مشفرة.
هذه الشبكات الأربع تعكس حجم الجهد الاستخباري المعادي الذي يحاول اختراق النسيج الاجتماعي والمؤسساتي لإيران، وهو ما قابله الحرس الثوري بيقظة عالية حالت دون وقوع كوارث أمنية كانت قاب قوسين أو أدنى من التنفيذ.

الحرب الاقتصادية: احتكار السكر كأداة لزعزعة الاستقرار
في خضم الصراعات الأمنية، يبرز “الأمن الغذائي” كخاصرة رخوة يحاول العدو استغلالها عبر أدواته الداخلية. ففي مدينة “دهدشت” التابعة لمحافظة كهكيلوية وبوير أحمد، ضبطت استخبارات الحرس الثوري محمولا ضخما من السكر المحتكر يزن 23 طنا.
المتهم في هذه القضية لم يكن مجرد تاجر يسعى للربح، بل اعتبرته السلطات جزءا من منظومة تهدف إلى الإخلال بنظام العرض والطلب في ظل ظروف الحرب التي تمر بها البلاد،. إن تكديس السلع الأساسية في مثل هذه الأوقات يهدف إلى خلق حالة من السخط الشعبي والضغط المعيشي، مما يمهد الطريق لزعزعة الاستقرار الداخلي.
وقد قررت السلطات توزيع هذه الشحنة فوراً بالأسعار الحكومية المعتمدة، في رسالة واضحة بأن محاربة المفاسد الاقتصادية لا تقل أهمية عن محاربة الجواسيس، وأن التلاعب بأقوات الناس في “ظروف الحرب” سيواجه بأقصى درجات الحزم والقانون.
الجبهة الإعلامية: “إنترناشيونال” و”من وتو” تحت المجهر
تجاوز دور القنوات الفضائية المعارضة، مثل “إيران إنترناشيونال” و”من وتو”، مجرد النقل الإخباري ليتحول في نظر الأجهزة الأمنية الإيرانية إلى منصات لإدارة العمليات التجسسية.
ففي محافظة مازندران وحده، أعلنت استخبارات الشرطة (فراجا) عن اعتقال 50 شخصا منذ بداية “حرب رمضان” بتهمة التواصل مع هذه القنوات. المهام الموكلة لهؤلاء الأفراد كانت تتلخص في إرسال معلومات ومواصفات الأماكن الأمنية والعسكرية والمناطق التي تعرضت للقصف.
وفي أصفهان، تم تفكيك خلية مكونة من 15 شخصا، وأخرى من 5 أشخاص (بينهم ثلاث نساء)، تخصصوا في تصوير المواقع التي تعرضت للقصف الجوي ونقاط التفتيش ومراكز الإغاثة، وإرسالها فورا لتلك القنوات، مما يساعد العدو على تقييم دقة ضرباته وتصحيح إحداثياته في الموجات التالية من الهجوم.
هذا النمط من التجسس “الشعبي” أو “الإعلامي” يمثل تحديا جديدا، حيث يتم تجنيد أفراد عاديين عبر منصات التواصل الاجتماعي (مثل واتساب) للقيام بمهام تبدو في ظاهرها إعلامية لكنها في جوهرها استخباراتية بحتة. في شيراز، اعترف أحد المعتقلين المرتبطين بقناة “إنترناشيونال” بأنه كان يرسل مواقع تمرير القوات ومراكز الحرس الثوري والدفاع الجوي لكي يتم استهدافها.
هذه الاعترافات تسلط الضوء على خطر تحول الهواتف المحمولة إلى أدوات استدلال للعدو، وهو ما دفع المدعي العام في “رباط كريم” للتحذير من أن نشر أي صور أو مقاطع فيديو تخدم “أحجية العدو” في بث الرعب أو جمع المعلومات سيعتبر جريمة يعاقب عليها القانون، مستشهدا باعتقال الشخص الذي صور ونشر فيديو الهجوم على مصنع “صبا باطري” معبرا عن فرحته، معتبرا ذلك عمل خيانة يكمل أهداف المعتدي.
اعترافات صادمة: التجسس على جثث الأطفال والنساء
ربما كانت الأجزاء الأكثر إيلاما في تقارير الأجهزة الأمنية هي الاعترافات التي أدلى بها بعض الجواسيس المعتقلين، والتي عكست تجردا كاملا من الإنسانية والوطنية.
أحد الجواسيس، الذي وصف بأنه “ذراع الإجرام الإسرائيلي”، اعترف صراحة بأنه كان يشاهد جثث الشهداء من النساء والأطفال في المواقع التي قصفها العدو، ومع ذلك كان يستمر في تزويد المشغل الإسرائيلي بالإحداثيات المحدثة ليعاود القصف مرة أخرى على نفس المنطقة.
هذه الاعترافات كشفت عن غسيل مخ وتجنيد عميق يجعل العميل يتغاضى عن دماء أبناء جلدته في سبيل أهداف مشغله، مما أحدث صدمة في الشارع الإيراني وعزز المطالبات بإنزال أشد العقوبات بهؤلاء “المرتزقة” الذين باعوا وطنهم في أصعب لحظاته التاريخية.

بيان رقم 51: قائمة الشركات التكنولوجية في دائرة الاستهداف
في تطور دراماتيكي ونوعي، أصدر الحرس الثوري الإيراني البيان رقم 51، وهو بيان يمثل تحولا جذريا في قواعد الاشتباك. البيان لم يتوجه لإسرائيل فحسب، بل وجه إنذارا شديد اللهجة للإدارة الأمريكية والشركات التكنولوجية العملاقة.
واعتبر الحرس الثوري أن شركات تقنية المعلومات (ICT) والذكاء الاصطناعي (AI) هي “العنصر الأساسي” في تصميم وتعقب أهداف الاغتيالات والهجمات الإرهابية ضد المواطنين الإيرانيين.
ولأول مرة، تم إعلان قائمة تضم 18 شركة عالمية كـ “أهداف مشروعة” للقوات المسلحة الإيرانية، من بينها شركات كبرى مثل (Cisco, HP, Intel, Microsoft, Apple, Google, Meta, Nvidia, Tesla, Boeing).
هذا التهديد الإيراني دخل حيز التنفيذ ابتداء من الساعة الثامنة مساء يوم الأربعاء، الأول من أبريل/نيسان 2026، حيث توعد الحرس الثوري بتدمير الوحدات التابعة لهذه الشركات في المنطقة رداً على كل عملية اغتيال تقع في إيران. البيان تضمن تحذيراً لموظفي هذه الشركات وسكان المناطق المحيطة بها حتى شعاع كيلومتر واحد بضرورة إخلاء أماكنهم فورا.
هذا التصعيد يشير إلى أن إيران قررت نقل المعركة إلى مستوى “الحرب السيبرانية والتقنية” واستهداف البنية التحتية المعلوماتية التي يعتمد عليها التحالف الأمريكي الإسرائيلي في عملياته الأمنية، معتبرة أن هذه الشركات ليست مجرد مؤسسات مدنية بل هي أدوات تجسس وقتل عابرة للحدود.
الخروج من “NPT”: هل أصبح التفتيش الدولي غطاء للتجسس؟
على الصعيد السياسي والتشريعي، بدأ البرلمان الإيراني يتحرك في اتجاه قطع الروابط التي قد تُستخدم كقنوات تسريب معلوماتية تحت غطاء دولي. في هذا السياق، دعا “قاسم روانبخش”، أمين لجنة الشؤون الداخلية في البرلمان الإيراني، إلى ضرورة خروج إيران الرسمي من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT).
الحجة الرئيسية لهذا التحرك هي أن عضوية إيران لم تعد تحقق لها أي امتيازات تكنولوجية أو حماية أمنية، بل تحولت المعاهدة وفريق المفتشين التابع للوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى “فخ للتجسس”.
واعتبر روانبخش أن المفتشين، وعلى رأسهم رافائيل غروسي الذي وصفه بـ “الخائن”، يسعون من خلال زياراتهم لمعرفة ما تملكه إيران وما لا تملكه من قدرات، لتقديم تلك المعلومات على طبق من ذهب للدول المعادية لتسهيل ضرب المنشآت النووية.
وأشار إلى التناقض الصارخ في أن الدول التي تملك القنابل النووية (أمريكا وإسرائيل) هي نفسها التي تهاجم إيران وتطالب بتدمير صناعتها النووية.

يرى البرلمانيون الإيرانيون أن وقت “الصبر الاستراتيجي” تجاه هذه المعاهدة قد انتهى، وأن تحويل تقارير الوكالة الدولية إلى خرائط أهداف للعدو يوجب على الدولة إلزام الحكومة بالانسحاب الفوري لإنقاذ البلاد من التجسس المقنن الذي يهدد الأمن القومي في ظل الحرب القائمة.
إن هذا المشهد المتكامل، من تفكيك خلايا ميدانية إلى تهديد شركات التكنولوجيا العالمية وصولا إلى التوجه للانسحاب من المعاهدات الدولية، يرسم صورة لدولة استشعرت خطرا وجوديا وقررت أن تواجه “الاختراق” بكل الأدوات المتاحة.
الرسالة الإيرانية واضحة: الأمن القومي خط أحمر، وكل من يساهم في كشف ظهر البلاد أمام العدو، سواء كان مواطنا أو وسيلة إعلام محرضة، أو حتى شركة تكنولوجية عالمية، سيكون في مرمى النيران.

