من الدعم إلى التوجيه.. تحوّل دور الولايات المتحدة في عمليات إسرائيل ضد إيران

نشرت صحيفة فرهيختكان الأصولية، الاثنين 14 يوليو/تموز 2025، تقريرا أفادت فيه بأن العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية والنظام الإسرائيلي كانت، خلال العقود الأخيرة، واحدة من أكثر القضايا تعقيدا وفي الوقت نفسه من أبرزها أهمية في السياسة الدولية. 

وأضافت الصحيفة أن هذه العلاقة، التي تعود جذورها إلى تأسيس النظام الإسرائيلي عام 1948، تتجاوز كونها مجرد تعاون دبلوماسي أو عسكري بسيط، بل تُعد تحالفا استراتيجيا عميقا، تكون فيه أمريكا ليس فقط الداعم لإسرائيل، بل القائد والموجّه الرئيسي لتحركاتها.

وتابعت أن هذه الرؤية قد طُرحت بوضوح في التصريحات الأخيرة لبعض المسؤولين الإيرانيين، من بينهم رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، والمتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي، حيث أشاروا إلى الهجمات الأخيرة على المنشآت النووية الإيرانية، معتبرين أن الولايات المتحدة ليست مجرد داعم لتلك الهجمات، بل شريك مباشر وموجّه لها.

وأردفت أن العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل تُعد تحالفا استراتيجيا يتجاوز حدود الدعم التقليدي، إذ تؤدي واشنطن دور الموجّه، بل القائد في تحركات تل أبيب، خاصة في الهجمات على إيران. ويستند مفهوم الصدق الأميركي الذي طرحه قاليباف إلى تجارب إيران المريرة، مثل انسحاب واشنطن المفاجئ من المفاوضات ونقضها للاتفاق النووي، ما يعكس عدم التزامها بالاتفاقات الدولية عندما تتعارض مع مصالحها الأحادية.

وأوضحت أن إيران تنظر إلى الدبلوماسية كأداة نضال تُوظَّف للدفاع عن حقوقها، وتُصرّ على خوض المفاوضات من موقع قوة، من خلال اشتراط رفع جميع العقوبات وضمان عدم تكرار السلوكيات العدائية. كما أشارت إلى أن العلاقة الأميركية-الإسرائيلية تُلقي بظلالها على استقرار المنطقة والنظام الدولي، في حين يتوقف مستقبل الدبلوماسية الإيرانية على مدى قدرتها في كشف نوايا واشنطن وكسب التأييد الدولي لمواقفها.

جذور العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل

ذكرت الصحيفة أنه لفهم أعمق للادعاء بأن الولايات المتحدة تُوجّه تحرّكات إسرائيل، لا بدّ من العودة إلى الجذور التاريخية لهذه العلاقة. فقد تأسس النظام الإسرائيلي عام 1948 بدعم مباشر من بريطانيا، ثم من الولايات المتحدة. 

وأبرزت أنه منذ البداية، ظهرت واشنطن كداعم مالي وعسكري وسياسي رئيسي، حيث تُقدَّر المساعدات السنوية بمليارات الدولارات، إلى جانب بيع الأسلحة المتطورة والدعم الدبلوماسي المستمر في الأمم المتحدة، وكلها تمثل جوانب من عمق هذا التحالف الاستراتيجي

.

وبيَّنت أن قاليباف وصف، في حديثه مع هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية، إسرائيل بأنها الولاية الأمريكية الـ51، في إشارة إلى رؤية تعتبر إسرائيل أداة بيد السياسة الخارجية الأمريكية وليست فاعلا مستقلا. ووفقا لقوله أن إسرائيل لا تُقدِم على أي خطوة دون إذن من أمريكا. ويمكن تحليل هذا التصوّر من زاويتين: تاريخية وسياسية.

وأكَّدت أنه منذ ستينيات القرن الماضي، لعبت الولايات المتحدة دورا محوريا في دعم القدرات العسكرية لإسرائيل، كما تجلّى في حرب يوم الغفران، حين زوّدتها بأسلحة عاجلة حالت دون هزيمتها. 

ونوّهت إلى أن هذا الدعم يتجاوز الجانب العسكري، إذ تضطلع واشنطن بدور حاسم في اتخاذ القرارات السياسية والعسكرية الإسرائيلية، كما ظهر في مفاوضات كامب ديفيد، حيث لم تكن مجرد وسيط، بل موجّه رئيسي، ساهم في التوصل إلى الاتفاق من خلال تقديم مساعدات مالية وعسكرية لإسرائيل.

تنسيق طويل الأمد ضد المنشآت النووية

أشارت الصحيفة إلى أن تصريحات المسؤولين الإيرانيين بشأن الهجمات على المنشآت النووية تعكس تحوّلا في نظرتهم لدور الولايات المتحدة، حيث وصف إسماعيل بقائي الهجوم بالعدواني وغير القانوني، مؤكدا أنه وقع خلال مفاوضات دبلوماسية، ما قوّض المبادئ الأساسية للتفاوض وأفقد إيران ثقتها بواشنطن بشكل كامل، في دلالة على انعدام الثقة العميق في نواياها.

وأفادت بأن عراقجي أكد وجود تنسيق مؤكد بين الولايات المتحدة وإسرائيل في الهجمات على المنشآت النووية، معتبرا ذلك خيانة لطاولة التفاوض. كما أشار  قاليباف إلى أن واشنطن تحوّلت من داعم إلى شريك مباشر في الهجمات، موضحا أن العملية المنسقة وقعت قبيل الجولة السادسة من المفاوضات، حيث نسبت أمريكا الهجوم أولا لإسرائيل، ثم شاركت فيه مباشرة لاحقا.

وسلَّطت الضوء على أن الشواهد التاريخية تؤكّد وجود تعاون وثيق بين الولايات المتحدة وإسرائيل في العمليات الحساسة، ولا سيما تلك التي استهدفت البرنامج النووي الإيراني. فعلى سبيل المثال، يُعد فيروس ستاكس‌نت، الذي ضرب منشآت نطنز النووية عام 2010، عملية مشتركة واسعة النطاق بين الطرفين. وتدعم العديد من التقارير، بما في ذلك الوثائق المسرّبة عن طريق إدوارد سنودن، هذا التعاون الأمني بين الجانبين.

الصداقة المزيفة

أوردت الصحيفة أن أحد المفاهيم الرئيسية التي طرحها قاليباف في حديثه هو الصدق الأميركي. وقد استخدم هذا المصطلح على سبيل السخرية، مشيرا إلى تجربة له خلال فترة تولّيه رئاسة بلدية طهران، حين تمّ تركيب لافتات تحمل هذا الشعار. وبحسب قوله، فإن هذا التعبير يرمز إلى كشف النوايا الحقيقية للولايات المتحدة في المفاوضات والعلاقات الدولية.

وأضافت أن قاليباف نقل عن المرشد الأعلى الإيراني خامنئي إشارته إلى اليد الحديدية المغلّفة بقفاز مخملي، في وصف يعكس التناقض في السلوك الدبلوماسي الأميركي، حيث تُظهر واشنطن وجها ناعما في ظاهر الأمور، لكنها تخفي خلفه نيات عدوانية وسلوكا سلطويا.

وأبلغت أن هذا الادعاء لا يقتصر على كونه شعارا سياسيا، بل يستند إلى وقائع موثقة، من أبرزها الاتفاق النووي (برجام) المُبرم عام 2015، الذي جاء ثمرة لسنوات من التفاوض بين إيران والولايات المتحدة، واعتُبر حينها انتصارا دبلوماسيا لإيران والدول الست المعنية بالاتفاق النووي. وقد أكّد عراقجي، في لقائه الأخير مع السفراء، أن هذا الاتفاق أثبت سلمية البرنامج النووي الإيراني وأبرز إمكانية فاعلية الدبلوماسية.

ولفتت إلى أن الانسحاب الأحادي لإدارة ترامب من الاتفاق النووي عام 2018 شكّل ضربة قوية لثقة إيران في الدبلوماسية الأميركية، وتَبعه فرض عقوبات أشدّ ضمن سياسة الضغط الأقصى. ووفقا لقاليباف، فإن هذا الانسحاب يُظهر أن تعبير الصدق الأميركي، رغم طابعه الساخر، يستند إلى وقائع حقيقية تُبرز استعداد واشنطن للتراجع عن التزاماتها الدولية متى تعارضت مع مصالحها الأحادية.


العالم الموحّد في مواجهة إسرائيل

أوضحت الصحيفة أن العلاقة الوثيقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل لم تؤثّر فقط على العلاقات بين إيران وأمريكا، بل خلّفت تداعيات واسعة على منطقة الشرق الأوسط والنظام الدولي ككل. وقد أشار قاليباف، عن حق، إلى أنّ النظام الإسرائيلي لم يواجه منذ تأسيسه قبل ثمانين عاما مقاومة بحجم ما يشهده اليوم. واعتبر هذه المقاومة نتيجة لاتحاد دول المنطقة والدعم العالمي المتزايد لإيران.

وأشارت إلى أن تصريح المستشار الألماني بأن إسرائيل تنفّذ الأعمال القذرة نيابة عن الغرب، والذي أكّده قاليباف أيضا، يوضح دور إسرائيل كأداة لتنفيذ سياسات الغرب. وبيّن قاليباف أن كثيرا من دول الجنوب العالمي، خاصة في أفريقيا وآسيا، تعتبر إسرائيل ممثلا لمصالح الغرب الاستعمارية، ما يعكس تنامي الرفض العالمي لدورها خارج العالم الإسلامي.

وأبرزت أن هذا الأمر تجلّى بوضوح في ردود الفعل العالمية على الهجمات الأخيرة ضد إيران، إذ أظهر استطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث في أبريل/نيسان 2024، وشمل 24 دولة حول العالم، أن أعلى مستويات الكراهية تجاه إسرائيل سُجِّلت بين شعوب تركيا، وإندونيسيا، واليابان. كما لُوحظ أن دولا أوروبية مثل هولندا، وإسبانيا، والسويد جاءت ضمن الدول التي أبدت معدلات مرتفعة من النفور من إسرائيل.

وأردفت أنه، علاوة على ذلك، ومنذ بدء الإبادة الجماعية التي ترتكبها القوات الإسرائيلية في غزة خلال الحرب الأخيرة، باتت شوارع أوروبا وأمريكا بشكل متواصل ساحة لتظاهرات شعبية مناهضة لإسرائيل، إلى حدّ دفع بعض الساسة الغربيين إلى اتخاذ مواقف علنية تجاه الجرائم الإسرائيلية، رغم استمرار دعمهم لهذا النظام في الخفاء.

وواصلت أن بقائي أكّد تدهور صورة إسرائيل بشكل متزايد بعد الهجوم على إيران، قائلا أن العدوان الإسرائيلي قوبل بإدانة موحّدة في المنطقة والعالم. وتعكس هذه الإدانة تحوّلا في الرأي العام العالمي، الذي بدأ تدريجيا بالابتعاد عن السياسات الأحادية التي تنتهجها الولايات المتحدة وإسرائيل.

الدبلوماسية كأداة نضال

بيَّنت الصحيفة أن من أبرز النقاط التي شدّد عليها المسؤولون الإيرانيون الثلاثة، اعتبار الدبلوماسية أداة من أدوات النضال. فقد صرّح قاليباف بوضوح أن الدبلوماسية هي وسيلة من وسائل الكفاح، مؤكدا أن التفاوض لا يعني الاستسلام أمام العدو. من جهته، وصف بقائي التفاوض بأنه شكل من أشكال النضال، مشددا على أن من واجب الجهاز الدبلوماسي الإيراني استخدام هذا المسار لخدمة المصالح الوطنية.

وأضافت الصحيفة أن عراقجي أكّد استعداد إيران للتفاوض، مشترطا أن يضمن الطرف المقابل عدم انزلاق المفاوضات نحو التوتر أو الصدام.

وتابعت أن هذا الموقف يعكس رؤية استراتيجية في السياسة الخارجية الإيرانية؛ فخلافا لما يعتقده البعض من أن التفاوض علامة على الضعف، تنظر إيران إلى الدبلوماسية باعتبارها ساحة نضال للدفاع عن حقوقها. وقد شدد قاليباف على أن التفاوض ضروري لكشف الوجه الحقيقي للولايات المتحدة أمام العالم، مؤكدا أن أمريكا لا تلتزم إلا بمصالحها الأحادية، ولا تعير القوانين الدولية أو المبادئ الإنسانية أي اهتمام.

وأفادت بأن المفاوضات النووية الأخيرة أبرزت تمسّك إيران بحقها في تخصيب اليورانيوم وفق معاهدة عدم الانتشار، معتبرة ذلك حقا غير قابل للتفاوض. وأكد قاليباف أن التخصيب يتجاوز الخطوط الحمراء، فيما شدد عراقجي على أن أي اتفاق يجب أن يشمله، ما يعكس إصرار طهران على استقلال برنامجها النووي.

وأوردت أن المفاوضات النووية باتت، في ظل التطورات الأخيرة، تواجه تحديات كبيرة. وقد نبَّه عراقجي أن على الولايات المتحدة، قبل الشروع في أي جولة جديدة من المحادثات، أن تقدّم ضمانات بعدم تكرار الأعمال العدائية، مثل الهجمات الأخيرة، فضلا عن تعويض الخسائر التي لحقت بإيران. وتعكس هذه الشروط موقف إيران الحازم، إذ إنها، رغم تعرضها لحرب استمرت 12 يوما، ترفض العودة إلى طاولة المفاوضات من موقع ضعف أو بصورة أحادية.

ونقلت أن قاليباف طرح شرطين أساسيين لأي مفاوضات مستقبلية وهما تحقيق أمن دائم في المنطقة، وضمان استفادة إيران اقتصاديا.

وفي الختام، أفادت الصحيفة بأن قاليباف أكّد أن جميع العقوبات، مهما كانت تسمياتها- سواء حقوق الإنسان، أو الإرهاب، أو الملف النووي- يجب أن تُرفع، حتى تتمكن إيران من الانخراط بحرية في التجارة العالمية. وبذلك، تظل الدبلوماسية أداة فعّالة وقوية في يد إيران. كما أشار بقائي إلى أن إيران تمكّنت عبر منطق الدبلوماسية من فضح الوجه الحقيقي للولايات المتحدة أمام العالم.