دبلوماسي إيراني سابق: مؤامرة دولية وراء العدوان.. وإيران لقّنت الغرب درسا قاسيا

في حوار أجرته صحيفة “آرمان ملي” كشف علي خرم، أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي الإيراني السابق، أبعاد ما يصفه بـ”مؤامرة دولية” قادت إلى العدوان على إيران، ويتناول الخلفيات السياسية والقانونية والعسكرية للهجوم، ويطرح مقترحات لمحاسبة الأطراف المتورطة وتعويض إيران عن خسائرها.

  يبدو أنه بعد تصاعد التوترات، تمّ التوصّل إلى نوع من الهدنة بوساطة أمريكية، هل هذا صحيح؟

نأمل وندعو أن تكون هناك هدنة بالفعل، لأنّ نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية والأمريكية، ووفقا للإعلانات الرسمية، قُتل حتى الآن 606 من مواطنينا الأعزاء الأبرياء، وأُصيب عدة آلاف آخرين. بأي ذنب قُتل هؤلاء؟ فقط بسبب أطماع ترامب ونتنياهو وطبيعة نتنياهو الإجرامية التي باتت واضحة خلال السنوات الأخيرة. 

نتنياهو تصوّر أنه يمكنه الاعتداء واغتيال سكان غزة العزّل كما يشاء، ثم توجه إلى شعوب لبنان وسوريا، وهم أيضا لم تكن لديهم جهة يعتمدون عليها ليقفوا في وجه إسرائيل.

 وبالوتيرة نفسها، توجّه إلى الشعب الإيراني وبدأ، في إطار مؤامرة دولية، اعتداءه على إيران، كان يتخيّل أن الطريق ممهد تماما، وأن بإمكانه أن يفعل ما يشاء، لكنه اصطدم بجدار أقسى مما كان يتصور.

يعلم العالم أجمع أن إيران كانت في خضمّ مفاوضات مع أمريكا، لكن ترامب خدع إيران ووجّه اهتمامها نحو المفاوضات، ثم قام بتعبئة إسرائيل لشنّ حرب ضد إيران. 

وقد تلقى ترامب درسا جيدا من هذه العملية، وفهم أن إيران ليست في قبضته، ولم تستسلم، بل ظهرت أقوى، وزرعت الرعب في قلوب أمريكا وإسرائيل.

لماذا دخلت الولايات المتحدة في مواجهة مع إيران ثم انسحبت سريعا؟

أولا، الولايات المتحدة دخلت الحرب عندما انتاب نتنياهو الرعب، فمدّ يده طالبا العون والمساعدة من أمريكا.

 إسرائيل، رغم كل ما تملكه من دعم وإمكانات من الغرب، عجزت أمام الهجمات الإيرانية، أمريكا أيضا دخلت المعركة وهي مفعمة بالغرور، وظنّت أنها إذا قصفت أربعة مواقع نووية، فإن إيران ستنهار وتُسلّم.

 لكنّ الطرفين أدركا أن إيران لم تُظهر أي ضعف، بل دافعت عن نفسها بغيرة وشجاعة نادرتين.

لست بصدد الإطراء المجاني أو المبالغة في وصف بلدي، ولكن خلال المئة وعشر سنوات الماضية، لم تواجه أمريكا خصما من هذا النوع.

 في كل مواجهة عسكرية خاضتها مع أي دولة، كانت تُسقطها خلال فترة قصيرة وتنهي المعركة، بحيث ترفع تلك الدولة يديها وتطلب وقف إطلاق النار.

 الحرب الوحيدة التي استمرت أكثر من عشر سنوات دون انتصار لأمريكا، وكانت في الحقيقة هزيمة، هي حرب فيتنام، التي اضطُرت فيها للانسحاب دون تحقيق أهدافها.

أما في حالة إيران، فالوضع مختلف تماما، ووفقا لما أعلنه أمير قطر، فإن أمريكا هي التي تواصلت معه وطلبت وساطته لوقف إطلاق النار. لماذا؟ لأن كلا من الولايات المتحدة وإسرائيل عجزتا أمام إرادة إيران، وأدركتا أن هذه القوة لا يمكن السيطرة عليها، وإذا استمرت الحرب، فربما ينتزعان من إيران بعض الأمور، لكن بالمقابل، سيفقدان أيضا الكثير، ولذلك سعوا لوقف إطلاق النار.

خلال الأيام الماضية، كَثُرَ الحديث في وسائل الإعلام العبرية والعالمية عن سعي نتنياهو للحصول على وقف لإطلاق النار، ما السبب وراء ذلك؟

الدمار الذي لحق بتل أبيب وحيفا وسائر المدن الأخرى نتيجة القوة الصاروخية الهائلة لإيران من جهة، والسخط الشعبي العارم الذي عمّ الشارع الإسرائيلي والذي لم يشهد من قبل مثل هذه المشاهد، من جهة أخرى، أثارا قلق نتنياهو من احتمال أن يثور الشعب الإسرائيلي عليه، أو أن يبدأ بالفرار من إسرائيل. 

وفي الوقت نفسه، لم يتبقَّ شيء تقريبا من المباني والمنشآت التحتية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

نتنياهو، الذي كان يسعى لأن يظهر بمظهر إله المنطقة، تحوّل إلى فأر يختبئ خلف أمريكا من شدّة الخوف، كانت هذه أول مرة في تاريخ إسرائيل، وفي ظرف 12 يوما فقط، رغم كل الدعم الدولي، ترفع يديها أمام خصمها، وتطلب من ترامب وقف إطلاق النار.

هل نسّق ترامب بالفعل مع إيران بشأن وقف إطلاق النار؟

كلا؛ فكما كانت إيران غير مطّلعة على بدء العدوان من قبل الاحتلال الإسرائيلي، لم تكن على علم أيضا بعملية وقف إطلاق النار.

 ترامب، الذي لا يعدو كونه رجل استعراض، عندما أدرك أن أي تأخير قد يؤدي إلى زوال إسرائيل تحت الضربات الصاروخية الإيرانية، سارع إلى التحرّك وأطلق رواية زائفة قال فيها إن وقف إطلاق النار سيبدأ بعد 6 ساعات، ثم غيّر إلى 12 ساعة. 

التوقيت تغيّر قليلا بوساطة قطر، واستقرّ عند الساعة 7:30 صباحا يوم الثلاثاء 24 يونيو/حزيران 2025، حينها اشترطت إيران أن تنفّذ الضربة الأخيرة، فشنّت في إطار ست عمليات ما يمكن وصفه بالضربة القاضية ضد إسرائيل.

إيران لم تكن البادئة في العدوان ولا كانت السبب في استمراره، ولهذا، لم تقاوم هذا العرض المسرحي لوقف إطلاق النار، وقبلته لأسباب إنسانية، ولم تُصرّ على مواصلة الحرب، ولحسن الحظ، كانت قطر هي الوسيط، وهو ما لا يترك مجلا لأي شكّ في العالم أو في الوثائق.

لماذا أطلق ترامب “مسرحية وقف إطلاق النار” بعد ساعات من استهداف القاعدة الأمريكية في قطر؟

انظر، كان بإمكان إيران، تماما كما هاجمت أمريكا المواقع النووية دون إنذار مسبق، أن تضرب قاعدة العديد في قطر دون أي إخطار، لكنها لم تستخدم هذا الحق. 

بل العكس، وبنظرة إنسانية، أبلغت إيران قبل ست ساعات من الهجوم، وأبلغت أمريكا أيضا بالطريقة ذاتها، ولم تستخدم حتى أقوى صواريخها.

النتيجة كانت أن إيران أثبتت إرادتها في مواجهة العدوان الأمريكي، لكنها تصرّفت بطريقة لا تؤدي إلى سقوط قتلى، وهي إنسانية لم تكن حاضرة لا لدى أمريكا ولا لدى إسرائيل، بعد هذا الهجوم المتّسم بالإنسانية، شعر ترامب بالابتهاج، وشكر إيران، وسعى نحو وقف إطلاق النار للأسباب التي ذكرتها سابقا.

 ذكرتم أن الاعتداء على إيران كان نتيجة مؤامرة دولية، هل يمكنكم توضيح ذلك أكثر؟

الجميع يعلم أن إيران، بطلب من الولايات المتحدة، شاركت في خمس جولات تفاوضية معها، وكانت في صدد مناقشة الشرط الأمريكي المتعلق بوقف كامل للتخصيب، تمهيدا للدخول في الجولة السادسة من المفاوضات. 

قبل أسبوعين، وبشكل مفاجئ، خرج المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، الذي يُفترض به أن يكون محايدا ودقيقا، وأن يتجنب أي مواقف قد تُستغل من قوة ضد أخرى، كما يُفترض به أن يسهر على سلامة المنشآت النووية للدول الأعضاء ويبقى بعيدا عن النزاعات العسكرية، خرج ليُعلن أنه لا يستطيع أن يضمن سلمية البرنامج النووي الإيراني.

بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وهي الدول الأوروبية الثلاث التي كانت تُعتبر أطرافا مرجعية في القرار 2231، والتي تم تهميشها من قبل أمريكا في مفاوضات الاتفاق النووي، ما اعتبروه إهانة ومساسا بمكانتهم، نسّقوا مع غروسي ليُدلي بهذا التصريح غير المهني، الذي شكّل ذريعة استخدمتها هذه الدول الثلاث إلى جانب الولايات المتحدة لاستصدار قرار من مجلس محافظي الوكالة يتهم إيران بتهديد السلم الدولي، تمهيدا لتسليمه إلى إسرائيل.

إسرائيل، التي وصفها وزير خارجية ألمانيا بأنها “المقاول القذر للغرب”، كانت تنتظر منذ سنوات وثيقة دولية تبرّر لها شن هجوم على إيران، وبمجرد صدور هذا القرار، اعتبرت أن اللحظة المناسبة قد حانت، فأقدمت على شن العدوان العسكري.

كما ترون، غروسي كان المتآمر الأول، ولعب دوره الظالم بإعلان معلومات معكوسة عن سلمية البرنامج النووي الإيراني، ما أدى إلى اندلاع حرب خلّفت خسائر بمئات المليارات من الدولارات واستشهاد 606 من مواطنينا.

أما الدول الأوروبية الثلاث، التي أُقصيت من مفاوضات الاتفاق النووي وسعت لإثبات نفسها ومعاقبة إيران، فهي المتهم الثاني، وعليها أن تتحمّل مسؤولية ذلك.

الولايات المتحدة من دون شك، واحدة من المتهمين الرئيسيين في هذه المؤامرة، فقد خدعت إيران وأشغلت مفاوضيها، بينما كانت تُعدّ العدّة للهجوم، ثم انضمت بنفسها إلى هذا العدوان بعد أيام قليلة، وهي مسؤولة عن استهداف منشآت “فردو”، “نطنز”، “أراك”، و”أصفهان”، وما ترتب عليه من أضرار تُقدّر بمليارات الدولارات.

المتهم الرئيسي الآخر في هذه المؤامرة هو إسرائيل، التي وصفها الألمان بدقة بـ”المقاول القذر للغرب”. هذا الكيان الإجرامي، الذي لا يلتزم بأي مبدأ، عمد منذ عدة سنوات إلى التخطيط لاعتداءاته عبر مؤامرات متعدّدة، ومن خلال استغلال عملائه المتسللين، ومنهم مهاجرون غير قانونيين، فأنشأ مصانع لإنتاج المسيّرات والطائرات الصغيرة في محيط طهران ومناطق أخرى من إيران، وتهيّأ لشنّ هجمات موجهة على أفراد ومبان، وكان يظن أن بإمكانه إسقاط النظام خلال ثلاثة أيام واحتلال طهران.

صدام حسين كان يحمل نفس الوهم قبيل حرب ايران والعراق، لكنه بعد ثماني سنوات عاد إلى نقطة البداية.

 نتنياهو، مستندا إلى تقرير غروسي والقرار المقترح من الدول الأوروبية الثلاث وأمريكا، أعلن للمرة المئة أن إيران بصدد إنتاج سلاح نووي، وقال إنه بصدد تنفيذ “ضربة استباقية”. 

وفي حينه، وبعد أن شنّت إسرائيل هجومها على إيران، عاد غروسي محاولا التغطية على الموضوع فأعلن مجددا أنه لا توجد أي أدلة تشير إلى أن إيران تنتج سلاحا نوويا، لكن ذلك الإعلان جاء متأخرا وبدافع الانتهازية.

بهذه الطريقة، اختبرت إسرائيل حظها على مدى 12 يوما، وانتهى بها الأمر إلى الاعتراف بأن القوة الصاروخية الإيرانية قوية بما يكفي لتخترق القبة الحديدية بسهولة، وتُحدث دمارا واسعا في تل أبيب وسائر المدن.

في النهاية، فإن إسرائيل، باعتدائها على الأراضي الإيرانية، كانت المصمّم والمنفّذ لهذه المؤامرة الدولية، هذا العدوان، الذي بفضل الله أُحبط، أثبت أن بلادنا، بتغلّبها على القوة العسكرية لكافة الدول الغربية، لقّنت إسرائيل درسا قاسيا، وأظهرت أنه حتى من دون امتلاك سلاح الجو أو التجهيزات الغربية المتطورة، يمكنها إخضاع إسرائيل.

ولو كانت إيران تملك عُشر معدات الغرب ودعمه السياسي الشامل، لما بقي من إسرائيل شيء يُذكر، وهذا هو الدرس الذي فهمته إسرائيل وأمريكا خلال هذه الأيام الاثني عشر.

ما مصير هذه المؤامرة؟

أنا أوصي وبشدة بإعداد لائحة ادعاء موثّقة على وجه السرعة، ضمن هذا الإطار الذي تمّت مناقشته، وتقديم شكوى رسمية إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي، أولا من أجل توثيق هذه المؤامرة التاريخية بكافة تفاصيلها، وثانيا للمطالبة بتعويضات من المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية بصفته المبادر إلى هذه المؤامرة، ثم من الدول الأوروبية الثلاث بصفتها المحرّك والمثير للصراع، وأخيرا من الولايات المتحدة وإسرائيل بصفتهما المعتديين الرئيسيين، إذ عليهما دفع مئات المليارات من الدولارات كتعويضات، وإلا فمن أين يمكننا تأمين الميزانية الضخمة لإصلاح ما دمّروه؟

أوصي أن تكون هذه المبادرة مشروعا مستقلا، يتولاه فريق من المفكرين والمتخصصين في القانون الدولي، بحيث لا يُثقل كاهل الحكومة والدولة. 

وفي هذا السياق، أقترح أن يتولّى الدكتور محمد جواد ظريف قيادة هذا المشروع الوطني، وأن يقوم بدعوة شخصيات فعّالة وذات كفاءة مثل الدكتور جمشيد ممتاز، الذي يُعدّ من الكنوز العلمية لإيران والعالم، حتى تُدفع هذه العملية قدما بسرعة وتُسجَّل في تاريخ إيران.

كما يمكن الاستفادة من مواقف وتجارب جمهورية جنوب إفريقيا في شكواها ضد إسرائيل، ومن خبرات الحقوقيين البارزين والمخلصين الذين حققوا نجاحا عالميا لافتا، ليكونوا نموذجا يُحتذى به في هذا المسار بالنسبة للفريق الإيراني.

وبناءً على ذلك، ما الذي ينبغي فعله تجاه هذا التحالف المتآمر ريثما يتم تشكيل الفريق القانوني وتصل شكوى إيران إلى نتيجة؟

يجب على الجميع أن يدرك أن مكانة إيران في المفاوضات النووية قد تغيّرت، بل أصبحت أثقل وأكثر تأثيرا.

 أولا، ينبغي منع غروسي من دخول إيران حتى نهاية ولايته، ثانيا، على الأقل، يجب تقليص عدد زيارات مفتشي الوكالة إلى إيران.

 ثالثا، لا ينبغي بأي حال من الأحوال السماح لهؤلاء الجواسيس بزيارة المواقع الأربعة التي تعرّضت للقصف.

رابعا، لا ينبغي لوزير الخارجية بعد الآن أن يسعى نحو أوروبا، وهذا لا يعني قطع المفاوضات أو إيقاف الجهود الدبلوماسية، بل يعني إعادة رسم الاتجاه وفق مصالحنا. 

خامسا، في ما يتعلق بأمريكا، ينبغي أن نتحرك فقط بما يتوافق مع مصالحنا، فلم يعد هناك أي استعجال في التعاون، لأن أمريكا ارتكبت ما لم يكن يجب ارتكابه، واستنفدت آخر أوراقها ضد إيران حين قصفت المراكز النووية.

سادسا، من جهة، يجب أن تُركّز كافة جهود الأجهزة الأمنية والاستخباراتية على مراقبة وتحديد دور موساد وسائر الأجهزة الأجنبية داخل البلاد، وبالأخص النشاطات الحرة التي يمارسها الأجانب في تنفيذ المؤامرات والاغتيالات.

 ومن جهة أخرى، ينبغي معالجة النواقص في منظومة الدفاع الجوي في أسرع وقت ممكن، لأن إسرائيل ستعود حتما من جديد.