خبير إيراني: تثبيت السعر الحقيقي للعملة وتحديد أولويات الائتمان مفتاح صمود الاقتصاد الإيراني 

ترجمة: دنيا ياسر نور الدين 

أجرت صحيفة “فرهيختكان” الإيرانية الأصولية، الأربعاء 3 سبتمبر/أيلول 2025، حوارا مع مهدي بني‌طبا، مدير القسم الاقتصادي بمركز أبحاث البرلمان الإيراني والخبير في مجال الطاقة، حول التحديات والحلول في السياسات النقدية والمالية والأولويات الاقتصادية لإيران في ظل الحرب والعقوبات.

وفي ما يلي نص الحوار:

ما الأولويات العاجلة التي يجب أن تعتمدها إيران لتعزيز متانة اقتصادها وضمان قدرته على الصمود في مواجهة التهديدات الأمنية والضغوط الاقتصادية المتزامنة؟

إن أهم مواطن الخلل التي يعاني منها الاقتصاد الوطني منذ ما قبل الحرب الأخيرة التي دامت 12 يوما وحتى اليوم، تتمثل في ثلاثية: بيع النفط، والتسويات المالية بالعملة الأجنبية، واستيراد السلع الأساسية، فبيع النفط يجري بطريقة غير مركزية عبر مجموعة من الوسطاء التجاريين.

ومن جهة أخرى، فإن الأموال الناتجة عن بيع النفط تبقى تحت إدارة شركات وسيطة في الإمارات تعمل كحلقة مالية غير مباشرة، مما يجعل وصول هذه العائدات إلى الداخل معقدا ومعرّضا للمخاطر، ومن جانب ثالث تدخل السلع الأساسية عبر قنوات مستثناة من العقوبات الأميركية. 

وهذه الجوانب الثلاثة يمكن أن تتعرض للتعطيل في إطار الحرب الاقتصادية التي يشنها العدو، بما يؤدي إلى شلل الاقتصاد الوطني هذه هي المخاطر الثلاثة الرئيسة والدائمة التي سبق التحذير منها منذ ما قبل الحرب الأخيرة مع إسرائيل، وما تزال تشكّل نقاط ضعف قائمة. 

وهناك أيضا جوانب أخرى مثل نظام المدفوعات، وهو بدوره يمكن أن يتعرض إلى أضرار بالغة، كما حدث بالفعل في الحرب بالنسبة إلى أحد البنوك أو اثنين، وقد يتكرر الأمر على مستوى النظام بأسره.

وإلى جانب ذلك، فإن البنى التحتية في مواقع استراتيجية مثل حقل بارس الجنوبي المشترك مع قطر، ومدينة عسلويه الصناعية في جنوب إيران، ومصفاة “نجمة الخليج العربي” في بندر عباس، تُعد جميعها ذات أهمية بالغة.

في ظل أجواء الحرب وتنامي حالة عدم اليقين، كيف يستطيع البنك المركزي أن يوازن بين ضبط التوقعات التضخمية وتوجيه السيولة نحو القطاعات الإنتاجية؟ وهل يمتلك الأدوات الكافية لتبني سياسة نقدية هادفة تدعم استمرارية سلاسل الإنتاج؟

من حيث المبدأ، توجد طاقة لتطبيق سياسة نقدية هادفة، سواء من ناحية السيولة أو القاعدة النقدية، فذلك الجزء من القاعدة النقدية الذي ينمو بشكل داخلي بناء على معدل نمو السيولة المستهدف من البنك المركزي يمكن توجيهه بشكل هادف من دون أن يخلّ بالتوازنات التضخمية، لكن هناك مشكلتين أساسيتين:

الأولى تتعلق بالعقلية السائدة داخل البنك المركزي؛ فمع أن الفهم قد تحسّن خلال السنوات الأخيرة، إلا أن الرؤية ما زالت قاصرة، إذ ينظرون إلى خلق النقود كأمر خارجي ويظنون أن كل وحدة نقدية تُمنح تتضاعف سبع مرات.

أما المشكلة الأهم والأكثر تعقيدا فهي: مَن يستحق الدعم؟ فالسياسات لا تصل في أي نموذج إلى حصيلة واضحة تحدّد أولويات الدعم، ففي الخطة السابعة للتنمية، جرى الحديث عن العديد من القطاعات باعتبارها قطاعات دافعة، وفي المقابل وضعت الحكومة مسودة وثيقة بديلة جاءت أضعف. حتى المادة 48 من برنامج وزارة الصناعة والتجارة لم تصل إلى شيء محدد ولم تضع أولويات حقيقية.

إن جوهر الإشكالية في توجيه الائتمان يكمن في العملية التي تحدّد أولويات البلاد، سواء على مستوى القطاعات المختلفة أو على مستوى أدق وهو اختيار المؤسسات الاقتصادية، وبما أن البلاد لا تمتلك إستراتيجية صناعية واضحة، فإن الأمر يصبح بالغ الصعوبة، فما إن يُطرح “شيء مغر” على الطاولة حتى يتهافت الجميع للمطالبة به.

وأنا شخصيا، خلال مشاركتي في إعداد بند “القطاعات الدافعة” في الحكومة  وهي تجربة مهمة شاهدت كيف خُصصت مبالغ ضخمة خارج الموازنة من دون أي إنجاز ملموس، لكن مجرد الإغراء دفع أصحاب رؤوس الأموال إلى الادعاء بأنهم يمثلون القطاعات الدافعة، فيما افتقد المسؤولون القدرة على المقاومة، فصار الجميع يُصنَّفون كذلك. 

وهكذا تعقّد الأمر، وفي النهاية لا بد من جهة حاسمة تحدد مسار الائتمان، وهي غائبة حاليا، ما يجعل المهمة شديدة الصعوبة.

Image

بعد سنوات من اعتماد السياسة النقدية في إيران على ضبط السيولة عبر التحكم في الميزانيات، هل يمكن للبنك المركزي في أوقات الأزمات أن يلجأ إلى أدوات أكثر حداثة وفاعلية؟ وما المتطلبات المؤسسية لذلك؟

فيما يتعلق بالسياسة النقدية، من الضروري العودة إلى جذور موضوع “التحكم في الميزانية العمومية” أي حجم الأموال المتاحة لفهم أسباب اعتماده، إذ جاء هذا الطرح نتيجة فشل الأدوات التقليدية في أداء دورها، سواء بسبب الأزمة المصرفية أو قصور آلية سعر الفائدة، وقد دفعت هذه العوامل السلطات إلى اعتماد التحكم في الميزانية العمومية كأداة استثنائية وغير تقليدية، بهدف كبح التضخم ومنع ارتفاعه إلى مستويات أعلى.

واليوم، لم تتغير هذه المعطيات؛ فالأزمة المصرفية لم تُعالج بعد، ولا تزال البنوك غير السليمة قائمة، كما لم يتم إصلاح آلية تحديد سعر الفائدة، فعلى الرغم من إعلان سعر الفائدة عند 23%، إلا أن الواقع الفعلي يظهر مستويات تتراوح بين 34 و38%، ما يعكس إشكالية واضحة في التمويل سواء للحكومة أو للقطاع الخاص، مع استمرار وجود اختناقات كبيرة.

وبناء على ذلك، يرى الخبراء ضرورة استمرار التحكم في الميزانية العمومية مع إدخال بعض الإصلاحات، وفي حال معالجة إشكالية القطاعات المحركة للاقتصاد، يُقترح تحديد معدل نمو عام للسيولة عند 25%، على أن يُوجه 5% من الائتمان بشكل هادف نحو أولويات محددة، أما إلغاء هذه الآلية أو الانتقال إلى سياسة استهداف سعر الفائدة في الوقت الحالي، فهو خيار غير ممكن في ظل الظروف الراهنة.

في ظل تقلبات أسعار الصرف وضغوط الحرب على الاقتصاد، ما  الإطار السياسي الأنسب لضمان استمرار الإنتاج المحلي مع السيطرة على التضخم؟

في ما يخص السياسة النقدية وسعر الصرف، يشدد الخبراء على أن ما يؤثر فعليا في حياة الناس ليس سعر الدولار الرسمي ولا الدولار المدعوم، إذ إن الاعتماد على هذه الأسعار وحدها يضعف المنتج المحلي ويهدد احتياطيات النقد الأجنبي.

الاقتراح المطروح هو تثبيت السعر الحقيقي للعملة الأجنبية، بحيث لا ينخفض عن حد معين ولا يرتفع فوق مستواه الطبيعي، مع تقليص التذبذبات إلى الحد الأدنى، ويجب أن يُعلن هذا التوجه بشكل واضح من البنك المركزي ليكتسب ثقة الناس والفاعلين الاقتصاديين.

وفي الوقت ذاته، ينبغي تنفيذ الإصلاحات اللازمة لتحويل الإنتاج المعتمد على العوائد النفطية تدريجيا نحو قاعدة إنتاج موجهة للتصدير، لضمان استقرار الاقتصاد ودعم المنتج المحلي على المدى الطويل.

في حال تراجع عوائد النقد الأجنبي أو اضطراب التجارة الخارجية، كيف يمكن لصانع القرار تحديد أولويات استخدام العملة الصعبة لضمان توفير المواد الأساسية والمعدات الإنتاجية، وكيف يجب أن تتكامل السياسات النقدية والتجارية للحفاظ على استمرارية الإنتاج المحلي؟

تواجه البلاد تحديات كبيرة في توجيه الائتمان بسبب غياب إطار مؤسسي واضح لتحديد الأولويات، حيث تُترك صلاحية التخصيص لموظفين في وزارة الصناعة أو البنك المركزي عبر ما يُعرف بـ”التوقيع الذهبي”.

كما أن ضمان التنفيذ يواجه صعوبات بسبب شبكات التهريب الرسمية وغير الرسمية، مثل “الكولبري” التهريب البري  و”الملواني” التهريب البحري، التي تدخل سنويا بضائع بقيمة نحو 8 مليارات دولار، ما يجعل سعر السوق هو الفيصل في نهاية المطاف.

وبالتالي، حتى مع تخصيص العملة النفطية لمجموعة محددة من السلع، تظل الآثار السلبية للتخصيص الإداري قائمة، وتبقى قدرة صانع السياسة على التحكم في السوق محدودة جدا.

Image

في ظل غياب التنسيق بين المؤسسات الاقتصادية والأمنية في إيران، هل يمكن إنشاء “قيادة اقتصادية حرب” لتوحيد القرارات وزيادة فعالية السياسات، وكيف ستعمل عمليا؟

لا أحد ينكر تحدي غياب التنسيق بين المؤسسات الاقتصادية في إيران، ما يُطرح تحت اسم “القيادة الاقتصادية الحربية” موجود جزئيا في مجلس رؤساء السلطات الثلاث، لكنه لم ينجح في أداء دوره، المشكلة تكمن أيضا في ضعف المؤسسات الخبيرة، وغياب الاستقلالية العلمية، وتحويل النقاشات العلمية إلى طابع سياسي.

القضية الجوهرية هي إصلاح نظام اتخاذ القرار، وهو مرتبط بجذور سياسية ويحتاج إلى جهود بحثية ودراسات معمقة بدون ذلك، تبقى القضايا الاقتصادية المهمة دون حل، كما حدث مع هيئة تنظيم السوق التي بقيت دون قرار لمدة عام.