الحكومة الإيرانية بين ضعف الإدارة وتذبذب السياسات: خبراء يحذرون من هشاشة الأداء

Image

ترجمة:ساره شعبان المزين 

في الوقت الذي تواجه فيه إيران تحديات إدارية هيكلية عميقة تؤثر على كفاءة المؤسسات العامة، تزداد حدة هذه المشاكل في ظل سياسات متذبذبة داخل الحكومة، حيث يشير خبراء إلى أن غياب التخطيط السليم واتخاذ القرارات المتناقضة يضعف الأداء المؤسسي ويحدّ من قدرة الدولة على الاستجابة لمتطلبات التنمية والتغيير. 

ومن منظور شامل، يتضح أن أزمة الإدارة ليست مجرد مسألة حكومة أو قيادة بعينها، بل هي نتيجة تراكمات هيكلية تحتاج إلى إعادة بناء شاملة، وفي الوقت نفسه تكشف التجارب الحكومية الراهنة عن أهمية الانسجام والوضوح في السياسات لضمان تحقيق نتائج ملموسة ورفع مستوى الثقة العامة.

أولا: أزمة الكفاءة البنيوية وإدارة الدولة

ذكرت صحيفة “ستارة صبح” الإيرانية، الأربعاء 17 ديسمبر/كانون الأول 2025، أن الدولة تواجه اليوم تحديات وأزمات متشابكة تمتد من الاقتصاد إلى التعليم والثقافة والصناعة والزراعة وإدارة المياه والبيئة، مشيرا إلى أن مقارنة إيران بالدول الأخرى تكشف عن قصور في هيكل الإدارة الحكومية. 

Image

رغم غياب البرامج الواضحة لتحقيق أهداف مثل مكافحة الفساد والقضاء على الفقر وتعزيز النمو الاقتصادي، يبرز بشكل واضح أن أزمة الكفاءة هي جوهر المشكلة. 

وأوضح محمد شعباني، خبير القانون والإدارة العامة، أن عدم مراعاة الجدارة في النظام الإداري والحكومي ليس نتيجة الحروب أو العقوبات، بل إن المشكلات هي هيكلية بطبيعتها، حيث أن البنية الإدارية ووزارات الدولة هي السبب الرئيسي في ضعف الكفاءة، مؤكدا أن الجدارة يجب أن تكون محور جميع البرامج.

وأشار إلى أن القانون الإداري في البلاد يعاني من خلل، والنظام الإداري ضعيف في هذا الجانب، مشددا على ضرورة تحقيق توازن بين الحقوق والواجبات، وأن كل مسؤول يجب أن يتحمل المسؤولية وفق صلاحياته، وعدم استغلال السلطة لتحقيق مصالح شخصية على حساب الصالح العام.

ولفت شعباني إلى أن هذا الوضع أصبح يُعتبر على أنه ممارسة طبيعية لدى العديد من المسؤولين، حيث يظن بعضهم أن هذه الممارسات الروتينية تمثل قانونا، رغم أنها تؤثر سلبا على هيكل الإدارة.

وأكد أن لكل مدير يجب أن يكون هناك تفهم واضح لمهامه ومسؤولياته، وأن حكم الإدارة ينبغي أن يكون على شكل ورقتين: الأولى تشمل جميع مسؤوليات المدير، والثانية تتضمن التزامه بأداء مهامه وأن المدير يجب أن يدرك مهامه بالكامل قبل استلام منصبه، وأن يتعهد بالمسؤولية الكاملة عن تنفيذ هذه الالتزامات.

وأشار شعباني إلى أن البرامج الإدارية ليست مجرد حضور اجتماعات أو إلقاء كلمات أو إصدار أوامر، بل هي نصوص مكتوبة تحدد كيفية الانتقال من الوضع الحالي إلى الوضع المستهدف، مع تحديد المدة الزمنية للتقدم، وتقدير التكاليف، وتوفير الموارد، ووضوح الأهداف المرجوة. 

وأوضح أن المفهوم الحقيقي للبرنامج هو التغيير وليس مجرد الخطابة أو إصدار الأوامر، وأن المدير يجب أن يعرف بوضوح الوضع المثالي المستهدف وكيفية سد الفجوة بين الوضع الحالي والمستقبلي.

واختتم محمد شعباني حديثه بالتأكيد على أن الدولة ملزمة بتوفير الرفاهية والأمن للمواطنين، وأن الناس ليسوا وسيلة لتحقيق أهداف الحكومة، مؤكدا على ضرورة إعادة النظر في رؤية الدولة بمهامها، مشددا على أن الدولة يجب أن تضمن الرفاهية والأمن والاستقرار الاقتصادي، وأن قبول التغيير على الأقل من الناحية المفاهيمية أمر ضروري لبقاء الدولة.

ثانيا: ضعف وفاق الحكومة وتأثيره على الأداء السياسي

وفيما يسلط شعباني الضوء على التحديات البنيوية والإدارية، يظهر حوار غلام رضا انصاری، الناشط السياسي الإصلاحي، والخبير في الشؤون الحكومية في صحيفة آرمان ملی كيف انعكست هذه المشكلات على الوفاق الحكومي وقدرة الحكومة على اتخاذ القرارات وتطبيق السياسات.

Image

وفيما يلي نص الحوار

هل وقعت حكومة بزشکیان، مثل الحكومات السابقة، في الروتين اليومي؟

واقع الأمر أن مفهوم الوفاق أصبح منذ بداية حكومة بزشکیان وحتى اليوم أكثر الكلمات استخداما في خطاب الحكومة وهو مصطلح بدأ ظاهريا كنوع من التوزيع السياسي لصالح الأقلية الأربعة بالمئة.

تُظهر تجربة العام الواحد وعدة أشهر الأخيرة أن “الوفاق” لم يتحول إلى ائتلاف برامجي قابل للقياس، ولم يؤدي إلى انسجام في اتخاذ القرارات داخل الحكومة وما يلاحظ بوضوح هو الفجوة بين الشعارات وآليات التنفيذ.

الوفاق الذي لا يمتلك تعريفا عمليا يتحول عاجلا أم آجلا إلى غطاء لتأجيل القرارات الصعبة وتبرير التذبذب الإداري كما أن الغموض وعدم الوضوح حول مفهوم الوفاق جعله يقترب من كونه مجرد توصية أخلاقية، يمكن أن تشبه القول: “ليكن الجميع متعاونين”.

إدارة الدولة لا يمكن أن تتم بالكلمات أو التوصيات الأخلاقية فقط كان يجب على الحكومة أن توضّح: الوفاق يعني الاتفاق على أي الأولويات الوطنية، وبأي جدول زمني، وبأي أدوات إلزامية.

وعندما لا يكون هذا الإطار واضحا، فإن كل تراجع أو كل تعيين مثير للجدل قد يُصنَّف كوفاق، وكل مطلب إصلاحي قد يُفسَّر على أنه إثارة للفرقة هذا الانحراف يشكل خطورة كبيرة، إذ بدلا من أن يقوي الوفاق قدرة الحكومة على اتخاذ القرار، فإنه يضعف قدرتها على المحاسبة والاستجابة.

هل واجه مفهوم الوفاق ضعفا نظريا من الداخل أم تم تهميشه بفعل الضغوط الخارجية؟

أعتقد أن ما حدث هو تحويل الوفاق إلى منح امتيازات بلا جدوى مقابل المعارضين والمتشككين وقد أظهرت التجربة السياسية في إيران أن بعض التيارات المتشددة لا تعتبر التعاون عقدا ثنائي الطرف، بل ميدانا للضغط وكلما تراجعت الحكومة، ازداد الضغط عليها، وكلما تراجعت أكثر، أصبح المتشددون أكثر مطالبات.

إذا لم تطالب الحكومة بخروج ملموس وتعهد محدد مقابل هذه الامتيازات، أو إذا تحول التعاون في تمرير وتنفيذ السياسات الرئيسية إلى صفقة أحادية الجانب لصالح الآخرين، فإن الحكومة تدفع ثمنا بينما يكسب الخصوم.

في هذه الحالة، لا يرى الناس أي إنجاز، ويشعر مؤيدو الحكومة أن رأس مالهم الاجتماعي استُهلك لتقليل الاحتكاك السياسي، وليس لزيادة الكفاءة.

نقطة مهمة أخرى هي عدم التنسيق العملي داخل الحكومة نفسها فالحكومة لم تحقق بعد وفاقا داخليا وفي هذه الظروف، التحالفات غير المتجانسة لا يمكن أن تكون نقطة قوة، إلا إذا كان هناك قيادة واحدة، رسالة موحدة، وأولويات واضحة.

عندما تتواجد عدة قرارات، عدة روايات رسمية، وعدة سياسات متزامنة، ستكون النتيجة ترددا، تناقضا، وسياسات متذبذبة وفي هذه الحالة، يتلقى المجتمع رسالة بسيطة: إما أن الحكومة لم تتفق على مسار واضح، أو أنها غير قادرة على تنفيذ الاتفاق وهذا هو النقطة التي يتحول فيها الوفاق بدلا من أن يكون انسجاما، إلى تعليق مؤقت.

كما أن الحكومة تواجه نقصا في مؤشرات قابلة للقياس لتقييم نجاح الوفاق إذا كان الوفاق حقيقيا، يجب أن يكون له مخرجات واضحة ومن بين أهم نتائج هذا الوضع هو إقرار وتنفيذ سياسات رئيسية، استقرار في الفرق الرئيسية، رسالة اقتصادية واضحة، تقليل التوترات المستنزفة، وزيادة القدرة على التنفيذ.

مع ذلك، إذا بعد أكثر من عام وعدة أشهر، شهد الناس تعدد الأصوات، تأجيل القرارات الصعبة، والتحركات التكتيكية المتكررة، فلهم الحق في التساؤل: ما القضية التي حلها الوفاق فعليا؟

هل تعتقد أن هذا المفهوم لم يقدم أي مساعدة للحكومة؟

هذا السؤال يجب أن تجيب عليه الحكومة نفسها: ما الفائدة التي قدمها الوفاق لحل مسائل البلاد؟

ويجب على الحكومة أن تدرك أن الوفاق بلا مخرجات يتحول تدريجيا إلى علامة سياسية لإدارة الركود، وليس لإدارة الدولة بفاعلية.

وفي هذا السياق، يشير الحوار إلى عدة أمثلة تاريخية في التقاليد العلوية، لا يمكن أن يكون الوفاق مع تيار الساعين للسلطة على حساب المعايير القابلة للتبرير فقد كان اختلاف الإمام علي مع معاوية اختلافا في الحق والعدالة والحرية وآليات الحكم، وليس مجرد اختلاف في وجهات النظر يمكن حله بتقاسم الحصص أو تعديل المواقف هذا القياس ليس شعارا، بل تذكيرا بمبدأ حوكمة أساسي: إذا ضُبِطت المعايير، يتحول التصالح الظاهري إلى ظلم دائم.

كما أن الحكومة، إذا قامت بإخفاء حدود البرامج والمبادئ تحت اسم الوفاق، فإنها لا تصلح الوضع ولا تجلب الهدوء، بل تكسب الوقت على حساب تآكل ثقة الجمهور.

ويمكن تشبيه الأمر بكرة القدم: الفريق الناجح أولا يمتلك أسلوب لعب وانضباطا تكتيكيا، ثم يختار اللاعبين، وليس أن يستعير لاعبي الاحتياط من الفريق المنافس لإرضاء الجماهير مع توقع تنسيق مثالي، استقطاب القوى المتنوعة مفيد فقط إذا كان ضمن خطة واضحة ومحددة، وإلا ستكون النتيجة كما نراها اليوم: غرفة ملابس مفككة، رسائل متضاربة، وحكومة أكثر دفاعا عن مواجهة الضغوط اليومية من كونها مهاجمة لحل المشكلات.

ويخلص الحوار إلى أن الحكومة بزشكيان إذا أرادت تحويل الوفاق من شعار إلى واقع فعلي، يجب أن يكون برنامجها محكما، محددا بالزمن، وملتزما بتنفيذه.

ويجب أن تولي اهتماما لعدة نقاط مهمة: تحديد دقيق للأهداف والخطوط الحمراء، تحالف برامجي وليس مجرد تشكيل سياسي، قيادة واحدة، خطاب موحد، والأهم من ذلك تحميل المخالفين والمسؤولين المتخاذلين تكلفة أفعالهم.

إذا أرادت الحكومة حقا الالتزام بمفهوم الوفاق، فلا بد من مراعاة هذه العناصر بدقة.

Image

من خلال استعراض الحوارين، يتضح أن الحكومة الإيرانية تواجه تحديات مزدوجة: ضعف الكفاءة الإدارية في المؤسسات الحكومية وغياب التنسيق السياسي الفعّال، مما يعيق القدرة على اتخاذ القرارات وتحقيق الإصلاحات اللازمة. 

هذه البيئة تتطلب اعتماد خطط وبرامج واضحة، وأهداف زمنية محددة، وآليات محاسبة دقيقة لضمان تنفيذ السياسات وتحقيق النتائج المرجوة.

غياب هذه العناصر يؤدي إلى تذبذب القرارات، وتأخر الإصلاحات، وضعف الثقة بين الحكومة والمواطنين، ما يضعف قدرة الدولة على مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية.

يبقى السؤال المركزي أمام الحكومة والمرشحين: هل يمكن تحويل الخطابات والشعارات إلى برامج تنفيذية ملموسة تعزز كفاءة الإدارة وتعيد بناء الثقة الشعبية؟