- زاد إيران - المحرر
- 510 Views
أجرت صحيفة اعتماد الإصلاحية، الخميس 7 أغسطس/آب 2025، حوارا مع مجيد شريفي، الأستاذ المساعد في قسم العلاقات الدولية بجامعة الخوارزمي، حول أبعاد التصعيد الأخير في الملف النووي الإيراني، والتكهنات المتزايدة بشأن احتمال استئناف المفاوضات بين طهران وواشنطن، إضافة إلى تداعيات تفعيل آلية الزناد من قِبل أوروبا، ومواقف الأطراف المختلفة، ومدى إمكانية التوصل إلى اتفاق مستقر وسط هذه الظروف المتوترة، وفي ما يلي نص الحوار:
في حال افترضنا أن الظروف أصبحت مهيّأة لاستئناف المفاوضات، كيف تقيّم دور إسرائيل في هذا السياق؟
إنَّ تعارض إسرائيل مع أي اتفاق محتمل بين الولايات المتحدة وإيران أمر مؤكد، فكل اتفاق يُبقي على البرنامج النووي الإيراني، يُعدّ من وجهة نظر المسؤولين الإسرائيليين اتفاقا سيئا.
وحتى في حال قبول إيران بوقف التخصيب داخل أراضيها، فإن إسرائيل ستواصل جهودها لمنع التوصل إلى أي اتفاق، فهي تعتبر مجرّد وجود برنامج نووي وصاروخي لإيران تهديدا وجوديا لها، وتسعى لترسيخ هذا التصور في الرأي العام الإقليمي والدولي بوصفه حقيقة لا تقبل الجدل.
كما أن رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو لا يزال يرى أن الخيار العسكري، في حال توفّر الدعم الأميركي، هو المسار الأقصر والأكثر ضمانا لحل النزاع حول البرنامج النووي الإيراني، وذلك في ظل ما يعتبره إنجازات عسكرية متحققة في غزة ولبنان وسوريا، وحتى في الحرب التي استمرت اثني عشر يوما مع إيران، لذلك، فإن مواصلة الضغط على واشنطن لإبقاء التهديد العسكري قائما ضد طهران تبقى الخيار المفضل لنتنياهو.
وبالتالي، يمكن التنبؤ بأن إسرائيل، كما في السابق، ستبذل كل ما في وسعها لإفشال أي مفاوضات محتملة مع إيران.
ومؤخرا، وفي ردّ فعل على تهديد الدول الأوروبية الثلاث بتفعيل آلية الزناد، صرّح المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي بشكل واضح بأن الترويكا الأوروبية، من الناحية القانونية، غير قادرة على تنفيذ مثل هذا التهديد، وقد جاءت هذه التصريحات في وقت لا تزال فيه الترويكا الأوروبية – خلافا للولايات المتحدة – عضوا في الاتفاق النووي (برجام).
في ظل أخذ هذه المتغيرات بعين الاعتبار، كيف يمكن تفسير موقفه ضمن إطار القانون والأعراف الدولية؟
يجب أن نأخذ في الاعتبار أن الاتفاق النووي (برجام) هو اتفاق متعدد الأطراف، وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة الأميركية انسحبت من هذا الاتفاق بشكل أحادي، فإن الدول الأوروبية الثلاث، وروسيا، والصين، وإيران لا تزال أطرافا رسمية فيه، وبناء على ذلك، فإن الدول الأوروبية، بسبب عضويتها الرسمية في الاتفاق، تملك الحق في تفعيل آلية الزناد.
ومع ذلك، ينبغي التنويه إلى أنه وفقا للقانون الدولي، ونظرا إلى أن الدول الأوروبية الثلاث لم تندّد في تصريحاتها الرسمية بالهجمات على المنشآت النووية الإيرانية، بل وفي مستوى أعلى، أيدت العدوان الإسرائيلي والأميركي، فإن استنادها القانوني لتفعيل آلية الزناد يصبح موضع تساؤل واعتراض.
وحيث إن النص الصريح للاتفاق النووي ينصّ على أن الأطراف، في حال بروز أي خلافات، يجب أن تحلّها عبر السبل السلمية، فإن لجوء إسرائيل وأميركا إلى التحرك العسكري، والدعم الرسمي الذي أبدته الدول الأوروبية الثلاث لهذا السلوك، يُعدّ في تعارض تام مع مضمون الاتفاق.
ومن هذا المنظور، يمكن الطعن في المشروعية القانونية لتهديد الدول الأوروبية، ومع ذلك، ومن خلال تأمل مسار الأحداث، يتّضح أنه حتى مع وجود أسباب قانونية لرفض مزاعم الدول الأوروبية الثلاث، فإن الدوافع السياسية، والسعي لتشكيل جبهة غربية موحّدة ضد إيران، تُعدّ الدوافع الأساسية لكل من فرنسا وألمانيا وبريطانيا في لجوئها إلى آلية الزناد.
ما السيناريوهات المحتملة وكيف ستردّ إيران إذا فُعّلت آلية الزناد؟
لقد أصبحت التفاعلات بين إيران والغرب بشأن برنامجها النووي مشحونة بالتوتر وذات طابع عدائي لدرجة أن أفق التوصل إلى اتفاق وحل الخلافات عبر التفاوض بات مظلما تماما، ورغم أنه لا يمكن تجاهل الإمكانات الكامنة في الدبلوماسية لإيجاد حلول تُخفّف من حدة العداء وتمهّد الطريق نحو اتفاق، فإن الطبيعة المتضادة تماما لمطالب إيران والغرب جعلت من التوصل إلى اتفاق، إن لم يكن مستحيلا، فغاية في الصعوبة.
ويبدو أن نتائج الهجمات العسكرية على المنشآت النووية الإيرانية والظروف الداخلية في طهران، دفعت القادة الغربيين إلى الاستنتاج بأن تحقيق النتائج المرجوة يتم في الوقت الراهن من خلال تصعيد الضغوط والحفاظ على التهديدات، بدلا من التفاوض والتوافق، وهو النهج الأكثر احتمالا للنجاح. 
وفي ظل بروز هذا التقدير، يمكن توقّع أن تُقدِم الدول الأوروبية الثلاث، في تنسيق مع الولايات المتحدة وإسرائيل، على تفعيل آلية الزناد بهدف إعادة فرض العقوبات الدولية وزيادة الضغط على إيران، والجدير بالذكر أن الضمانات المتعلقة بتعاون إيران مع مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إلى جانب تسهيل وتسريع المفاوضات مع الولايات المتحدة للتوصل إلى اتفاق نهائي، هي وحدها التي قد تُثني الأوروبيين عن تفعيل آلية الزناد.
وفي المقابل، يُحتمل أن ترد إيران على مثل هذا الإجراء بتهديد بالانسحاب من معاهدة حظر الانتشار، وفرض مزيد من القيود على تعاونها مع الوكالة الدولية، وانتهاج سياسة الغموض النووي، ولا شك أن هذا المنزلق التصادمي قد يؤدي إلى تصعيد أكبر للتوترات وزيادة احتمال وقوع مواجهة عسكرية.
ما نتيجه سفر نائب مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى طهران بدون مرافقة المفتشين، في ظل التوتر بين إيران والوكالة؟ وما السيناريوهات الممكنة في تعامل إيران مع الوكالة؟
إن العامل الأهم الذي قد يؤدي إلى تصاعد التوترات بين إيران والغرب، ويزيد من احتمال وقوع مواجهة عسكرية، هو استمرار غياب نشاط مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية في إيران، ومن خلال نظرة واقعية تستند إلى العقلانية التي تحكم العلاقات بين الدول، خصوصا في ظل أزمة خطرة كالقضية النووية، يمكن القول إن غياب المفتشين لا يؤدي إلا إلى تعميق الغموض وتصعيد التوترات.
وإذا استمرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية في إعلان جهلها بطبيعة البرنامج النووي الإيراني، كما فعلت في السابق، ولكن هذه المرة على مستوى أعلى، واعتبرت غياب الشفافية دليلا على تزايد الشكوك، فمن الواضح أن النتيجة المتوقعة ستكون مزيدا من التوتر، وأعتقد أن العامل الرئيسي الذي قد يؤدي مجددا إلى مواجهة عسكرية بين إيران والغرب، هو استمرار الوضع الراهن في علاقة إيران بالوكالة الدولية.
ولا ينبغي أن ننسى أن عدم التعاون مع هذه الهيئة الدولية، رغم الشكوك الجدية في مصداقية تقاريرها، يمكن أن يُستخدم ذريعة لمنح الشرعية لأي تحرك عسكري، لذا، فإن إيجاد آلية لإزالة هذه الذريعة هو الخطوة العاجلة التي ينبغي اتخاذها.
هل ينهي الاتفاق مع الوكالة الدولية الجمود في ظل خلافات التخصيب والصواريخ؟
في الواقع، بلغ تعارض المطالب بين إيران والغرب بشأن البرنامجين النووي والصاروخي حدّا يجعل من الصعب توقّع مخرج من المأزق الحالي أو التوصّل إلى اتفاق، ما دامت المواقف المتبادلة على حالها، فطبيعة الخلافات بين الطرفين تنطوي على قدر كبير من التوتر، بحيث تبدو توقعات التصعيد أكثر واقعية من آمال التوصّل إلى اتفاق.
وفي الأزمات الأمنية، يجب دائما أخذ هذا الواقع في الحسبان: إذا اعتقد أحد الطرفين أن بإمكانه تحقيق نتائج أفضل من خلال وسائل بديلة، كالإجراء العسكري، وبتكاليف مقبولة، فإن مواصلة المفاوضات لحلّ الخلاف ستكون صعبة، وطالما أن إسرائيل والولايات المتحدة وأوروبا يظنون أنّهم قادرون على استخدام القوة العسكرية ضد البرنامج النووي والعسكري الإيراني، فإنّهم لن يستمرّوا في التفاوض بأي ثمن أو مهما كانت النتائج.
ومن هنا، يمكن القول إنّ التوصّل إلى ترتيب أمني جديد في المنطقة يضمن مصالح الطرفين هو السبيل الوحيد لمنع المواجهة العسكرية.
هل تبقى مواقف بكين تجاه شراء النفط الإيراني ثابتة أم قد تتغير تحت تأثير متغيرات مختلفة؟
تزايدت الخلافات بين الولايات المتحدة والصين مع عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، فإلى جانب النزاعات السابقة حول قضية تايوان، أدّت سياسات بكين في بحر الصين الجنوبي والسياسات العسكرية الأمريكية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بالإضافة إلى اندلاع حرب أوكرانيا ودعم الصين لروسيا والحرب التجارية، إلى اتساع نطاق التوترات بين بكين وواشنطن.
وعلى الرغم من سعي الصين إلى توسيع نفوذها والحدّ من الحضور الأمريكي في المناطق الاستراتيجية المحيطة بها، فإن تاريخ سياستها الخارجية ورؤيتها المستقبلية يشيران إلى أن القادة الصينيين لا يزالون يحرصون على تجنّب الانزلاق إلى دوامة صراع وتوتر مع الولايات المتحدة.
وبناء على ذلك، تواصل الصين ترتيب أولوياتها في السياسة الخارجية، فتحاول مقاومة واشنطن في القضايا التي تمسّ مصالحها الاستراتيجية، بينما تبدي مرونة وتسعى إلى التفاهم في المسائل التي لا تُهدّد تلك المصالح، فمثلا، لا تقبل الصين التسوية مع الولايات المتحدة في قضية تايوان، لكن إذا وجدت أن استمرار شراء النفط من إيران يضرّ بمصالحها الاقتصادية، فمن الممكن أن توافق على خفض وارداتها.
ومع ذلك، يجب عدم تجاهل حقيقة أن الضغط الأمريكي لوقف شراء النفط الإيراني سيؤدي إلى زيادة مبيعات النفط الروسي للصين، وبما أن إدارة ترامب تسعى للضغط على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لعقد اتفاق بشأن حرب أوكرانيا وإبعاده عن بكين، فإن استمرار صادرات النفط الإيراني إلى الصين يبدو مرجّحا.

