- زاد إيران - المحرر
- 638 Views
كتب: الترجمان
يعكس جدول أعمال لجان البرلمان الإيراني لهذا الأسبوع 4 – 8 يناير/كانون الثاني 2025 حالة من الاستنفار البرلماني الموزع بين ثلاثة مسارات رئيسية وهي إدارة الأزمة الاقتصادية عبر الموازنة، وتشديد الرقابة على الأداء الوزاري، والاستجابة للتحولات الإقليمية.
موازنة 2026: إدارة “العجز” والبحث عن موارد
تتصدر لائحة الموازنة جدول أعمال لجان (المادة 90، والاقتصادية، والعمران). وتأتي هذه المناقشات في وقت حرج يتميز بالانكماش المالي، فتوصيف الموازنة بأنها “انكماشية” يضع الحكومة والبرلمان أمام تحدي سد العجز دون إثارة موجات تضخمية جديدة.
إضافة إلى ملف النفط والعملة، فاستدعاء وزير الصناعة والتجارة لمناقشة “عائدات التصدير” في لجنة المادة 90، وتقديم وزارة النفط تقاريرها للجنة الاقتصادية، يكشف عن قلق برلماني عميق بشأن تأمين النقد الأجنبي واستقرار الريال الذي يواجه ضغوطا تاريخية.
المواجهة المباشرة: الوزراء في “مرمى الأسئلة
تحوّل البرلمان إلى ساحة محاسبة لوزراء حكومة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وهو ما يظهر في الملف الاجتماعي والمعيشي.
حضور وزير العمل في لجنتين (الاجتماعية والصحة) للإجابة على تساؤلات النواب، يعكس حجم الضغط الشعبي بسبب الفجوة بين الأجور (التي اقتُرحت زيادتها بنسبة 20%) ومعدلات التضخم التي تتجاوز ذلك بكثير.
كما أن مساءلة وزير الشباب والرياضة تشير إلى رغبة البرلمان في إثبات قدرته الرقابية على الملفات التي تهم القواعد الانتخابية الشابة.
السياسة الخارجية: قراءة ما بعد التصعيد
استدعاء وزير الخارجية عباس عراقجي في لجنة الأمن القومي بالبرلمان الإيراني تأتي في توقيت إقليمي حساس. يسعى البرلمان من خلال هذا اللقاء إلى تقييم أداء الدبلوماسية الإيرانية في التعامل مع التهديدات الإقليمية، التأكد من مواءمة التحركات الدبلوماسية مع الاستراتيجية الكلية للنظام، خاصة فيما يتعلق بالملف النووي والعلاقات مع دول الجوار.

أداء الحكومة والتلويح بالاستجواب
يأتي هذا في حين وجّه النائب في البرلمان، حسين علي حاجي دليكاني، انتقادات حادة لأداء عدد من وزراء حكومة بزشكيان، مؤكداً أن المجلس لن يقف مكتوف الأيدي أمام “عدم الكفاءة” التي تسببت في تفاقم الأزمات المعيشية واضطرابات سوق العملة.
وأوضح دليكاني أن وزراء قطاعات حيوية مثل الزراعة والصناعة فشلوا في الحصول على “درجة قبول” شعبية أو برلمانية نتيجة الارتفاع الجنوني في أسعار السلع الأساسية، مشددا على أن البرلمان سيُفعل أدواته الرقابية، وعلى رأسها “الاستجواب”، ما لم تبادر الحكومة بإصلاح كابينتها وترميم القدرة الشرائية للمواطنين التي تآكلت بفعل السياسات الاقتصادية الراهنة.
السياسات النقدية وغياب الشفافية
وفيما يخص الملف الاقتصادي، انتقد دليكاني توجهات البنك المركزي بقيادة عبد الناصر همتي، واصفا إياها بأنها “بعيدة عن الواقع المعيشي” وتفتقر للشفافية، خاصة فيما يتعلق بقرار حذف سعر الصرف المدعوم. كما دعا الرئيس بزشكيان إلى التحلي بالشفافية وتوضيح الجهات التي ضغطت لتعيين وزراء أثبتوا فشلهم ميدانيا، بدلا من إلقاء اللوم على البرلمان ككيان مؤسسي.

وختاما، لا يمكن قراءة هذا الحراك البرلماني المكثف بوصفه مجرد نشاط روتيني لبداية عام تشريعي جديد، بل كمرآة دقيقة لحالة القلق العميق داخل بنية النظام السياسي الإيراني إزاء ما يصفه كثيرون بـ«الاختناق الاقتصادي المزمن». فـ«شتاء الموازنة» لا يهدد فقط قدرة الحكومة على إدارة الموارد، بل يضع شرعية الأداء التنفيذي برمتها تحت مجهر المساءلة البرلمانية والشعبية معا.
البرلمان، وهو يخوض معركة الموازنة والرقابة بالتوازي، يسعى إلى إعادة تعريف موقعه في معادلة الحكم، عبر الانتقال من دور المصادقة الشكلية إلى محاولة فرض شراكة قسرية في القرار الاقتصادي. غير أن فعالية هذا الدور تبقى رهنا بقدرته على تجاوز الخطاب النقدي إلى إنتاج بدائل واقعية، في ظل اقتصاد محاصر بالعقوبات، ومجتمع يرزح تحت تضخم متسارع وتآكل مستمر في القدرة الشرائية.
وفي المقابل، تواجه حكومة الرئيس مسعود بزشكيان معضلة مزدوجة، فمن جهة، تضيق هوامش المناورة المالية مع تراجع عائدات النقد الأجنبي واهتزاز الثقة في السياسات النقدية، ومن جهة أخرى، تتسع رقعة الضغط البرلماني الذي يلوّح بأدواته الدستورية، وعلى رأسها الاستجواب، كرسالة تحذير مبكر من أن الصبر السياسي ليس مفتوحاً إلى ما لا نهاية.
أما على مستوى السياسة الخارجية، فإن استدعاء وزير الخارجية في هذا التوقيت يعكس إدراكا برلمانيا بأن تخفيف الضغوط الاقتصادية لا ينفصل عن نجاح الدبلوماسية في إدارة الملفات الإقليمية والنووية. فالمعادلة باتت أوضح من أي وقت مضى، وأي إخفاق خارجي سينعكس مباشرة على الداخل، وأي تصعيد إقليمي غير محسوب سيضاعف كلفة الموازنة ويعمّق أزمات المعيشة.
في هذا السياق، يبدو أن البرلمان والحكومة يقفان أمام مفترق طرق حاسم، إما الانخراط في مسار إصلاحي شفاف يعيد ترتيب الأولويات الاقتصادية ويستعيد الحد الأدنى من الثقة العامة، أو الاستمرار في إدارة الأزمات بأسلوب الترقيع، بما يحوّل التصعيد الرقابي إلى مجرد أداة لتنفيس الغضب الشعبي، لا مدخلا حقيقيا لتغيير السياسات. وبين هذين الخيارين، يظل «شتاء الموازنة» اختبارا قاسيا لقدرة النظام على الصمود والتكيّف في آن واحد.

