نائبة في البرلمان الإيراني لـ”زاد إيران”: ضعف تنفيذ القانون دفع معدل النمو السكاني نحو الشيخوخة

Ad 4nxcrafssnvavk42hhyf07 eb0wn6n x4jfdt ho90dnuu6osvuwwxtkcvpp9p4n9s8psn0s idrbf n2af8eixkldad8uqs9 h wjdlllc7hg jpxc mxtuhdawaur6khdcpb5z4bgkeyhyxo8oiowkxp78o37k3m4q

كتبت: مطهرة میرزائي

تمت المصادقة على قانون دعم الأسرة وتعزيز الشباب السكاني، المكوّن من 73 مادة و81 بندا، خلال جلسة اللجنة المشتركة لمشروع “تعزيز الشباب السكاني ودعم الأسرة” في البرلمان، وذلك استنادا إلى المادة الخامسة والثمانين من الدستور الإيراني، بتاريخ 16 أكتوبر/تشرين الأول 2021. 

وبعد موافقة البرلمان على تنفيذه بشكل تجريبي لمدة سبع سنوات، أُقرّ القانون من قِبل مجلس صيانة الدستور بتاريخ 1 نوفمبر/تشرين الثاني 2021. ويُذكر أن آخر التعديلات التي طرأت على هذا القانون كانت في عام 2023.

وقد وُضع هذا القانون بأركانه المتعددة وتفصيلاته الدقيقة بهدف توفير بنية تحتية شاملة تسهّل على المواطنين تكوين الأسرة وتعزيز مكانتها، مع ضمان بيئة ملائمة لذلك من مختلف الجوانب الاجتماعية والاقتصادية. وشملت بنوده مجموعة من الحوافز، مثل تقديم مساكن، وتسهيلات للزواج، وامتيازات خاصة للنساء العاملات وربّات البيوت. 

إلا أن هذه البنود، شأنها شأن العديد من التشريعات الأخرى، بقيت بعيدة عن حيّز التنفيذ الفعلي، ولم تنعكس آثارها في واقع الناس، رغم أنهم المعنيون الرئيسيون بكل قانون أو سياسة عامة. ولو تم تنفيذ هذه البنود على أرض الواقع، لكانت ساهمت فعليا في حل جزء من المشكلات الاجتماعية القائمة.

وفي المقابل، فإن تنفيذ مثل هذه القوانين يتطلب بنية تحتية واقعية ومتكاملة. فكيف يمكن توقّع زيادة في معدلات الإنجاب في ظل ارتفاع جنوني في أسعار الإيجار والعقارات، وعزوف المُلّاك عن تأجير المنازل للعائلات التي لديها أكثر من طفل؟ وهل يملك جميع المواطنين في الوقت الراهن مساكن خاصة بهم؟ فضلا عن أن مسار الحمل الآمن والرعاية الصحية للأمهات بات يصطدم بواقع علاجي ودوائي باهظ الكلفة، حيث تُحسب معظم الأدوية الموصوفة بأسعار السوق الحر.

وكل ذلك يحدث في وقت لم نتطرق فيه حتى إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة الزوجية المستقرة. وهذه التحديات مجتمعة تُفسّر بشكل واضح سبب تراجع معدلات الزواج، وعدم إقبال الكثيرين على تكوين الأسر، سواء نتيجة انعدام الرغبة أو لغياب الظروف المواتية.

إغلاق نافذة الشباب السكاني يعني في الحقيقة تقلّصا في بصيص الأمل، وهو أمر عميق ومؤثر إلى درجة أن أهم رصيد اجتماعي، أي الرصيد البشري، مُعرض للزوال. وهذا الزوال ليس مجرد وداع، بل هو بمثابة تحية لعالم مظلم من الشيخوخة، وتلك التحية تُنذر بتهديد كبير قد يؤدي إلى انهيار جميع ركائز القوة والحضارة والثقافة وغيرها.

وفي الجلسة الثالثة للّجنة المركزية لتنسيق شؤون تعزيز الشباب السكاني، التي انعقدت في مقر وزارة الصحة، صرّح محمد رضا ظفر قندي بأن جزءا من قانون تعزيز الشباب السكاني يُعد من المهام الجوهرية لوزارة الصحة، لكن هناك جزءا آخر يتعلّق بمطالبتنا لبقية الجهات والأطراف المعنية بهذا القانون. وأضاف خلال الجلسة أن حوادث الطرق تُشكّل تهديدا حقيقيا للسكان، مشيرا إلى أهمية دور الإعلام والكوادر الطبية في ترسيخ ثقافة تعزيز الشباب السكاني.

وللوقوف على الإبهامات العالقة بشأن قانون دعم الأسرة والسكان، أجرى موقع زاد إيران حوارا مع فاطمة محمد بيكي، رئيسة كتلة السكان ودعم الأسرة في البرلمان الإيراني. وفي ما يلي نص الحوار:

في البداية، ما الوضع السكاني في إيران؟

الانخفاض الحاد في معدل الخصوبة وأزمة الشيخوخة التي تلوح في الأفق تُعدّ من أكبر التحديات التي تواجه القرن الحالي. كما أن التراجع السنوي بنسبة 5% في عدد النساء دون سنّ الـ49 منذ عام 2017 حتى اليوم، يُعدّ أمرا بالغ الأهمية. فقد شهدنا هذا العام انخفاضا بنسبة 7% في عدد السكان. وفي السنوات الخمس المقبلة، سنواجه انخفاضا سنويا بنسبة 5%، يتبعها في السنوات التالية انخفاضٌ حاد في عدد النساء والفتيات في سنّ الإنجاب.

في الوقت الراهن، لدينا 9 ملايين و400 ألف امرأة تتراوح أعمارهن بين 35 و49 عاما، وضمن السنوات العشر القادمة، ستخرج جميع هؤلاء من سنّ الإنجاب. أي أننا سنفقد ما يقرب من 10 ملايين امرأة قادرة على الإنجاب.

لابد من إعداد بنية تحتية ثقافية واقتصادية خاصة تركز على الأسرة وتواجه أزمة التناقص السكاني بجدية. ويجب على المسؤولين في المحافظات أن يتحملوا مسؤولياتهم ويساهموا في رفع معدل المواليد في مناطقهم.

قبل عشرين عاما كان معدل دعم صناديق التقاعد سبعة أفراد يعملون مقابل كل متقاعد، أما خلال السنوات القليلة المقبلة، فسيتعيّن على ثلاثة أفراد فقط أن يعملوا لتغطية رواتب أربعة متقاعدين.

أزمة السكان ليست أزمة جهة أو مؤسسة بعينها، بل تمسّ كل أسرة، وكل مسؤول، وكل فرد من أفراد المجتمع. فالإسكان، والزواج، والإنجاب بحاجة ماسة إلى حملات توعية وثقافة شاملة.

وأخاطب من هذا المنبر رئيس الجمهورية، والسادة النواب، والوزراء المحترمين، والمسؤولين الوطنيين والمحليين: إن لم تتحركوا الآن، فالغد سيكون متأخرا جدا. يجب بشكل عاجل إزالة العوائق أمام تنفيذ قانون تعزيز الشباب السكاني ودعم الأسرة، مثل عدم تخصيص السيارات للأمهات، أو تأخر منح الأراضي للأسر التي لديها أكثر من طفل، وعدم تفعيل التسهيلات المقررة.

لقد مرّت عدة سنوات منذ إقرار هذا القانون الحيوي وتعميمه، وما زلنا نشهد تقاعسا واضحا، وإهمالا كبيرا من قبل المسؤولين في التعامل مع قضية السكان وقانون دعم الأسرة.

ومن جهة أخرى، لا ينبغي أن تكون المهور المرتفعة عائقا أمام الزواج؛ فتأخر الزواج والإنجاب يجرّ وراءه العديد من الأضرار الاجتماعية. واليوم، وبحسب تأكيدات المرشد الأعلى علي خامنئي، فإن الإنجاب يُعدّ جهادا في سبيل الله، وخطوة عملية في تنفيذ السياسات السكانية لإيران.

ما الأسباب التي دفعت إلى إقرار قانون دعم الأسرة وتعزيز الشباب السكاني؟

انطلقت الأبحاث الخاصة بهذا القانون في عام 2010،  وذلك استجابة لتأكيدات المرشد الأعلى وقلقه من مستقبل البلاد السكاني، وهو ما دفعني شخصيا للشعور بالقلق، ومنذ ذلك الوقت بدأتُ أبحاثي السكانية بشكل جاد.

استغرقت الدراسات نحو أربع سنوات، وكنتُ أدرّس هذا الموضوع في الجامعات أيضا. وفي عام 2014  توصّلت إلى قناعة بأننا بحاجة ماسّة إلى قانون جديد، لأن القوانين التي كانت لم تكن فقط غير منسجمة مع سياسات تعزيز الشباب السكاني، بل كانت تمثّل تهديدا حقيقيا للنمو السكاني.

كان هناك قانون سابق ينظم شؤون الأسرة، لكنه كان بحاجة إلى تعديل جذري. وفي ذلك الوقت، سعينا إلى نشر التوعية المجتمعية بهذا الخصوص. وعندما أصبحتُ نائبا في البرلمان عام 2020 حاولت منذ البداية تحويل هذه الدراسات التي جمعتها إلى قانون، ووجدت حينها أن هناك أكثر من 100 نائب يشاطرونني القلق ذاته بشأن التراجع السكاني.

بناء على ذلك، تم تأسيس اللجنة المشتركة لتعزيز الشباب السكاني، وكنت أعمل كنائب رئيس لهذه اللجنة. ومن خلال تعاون مثمر مع بقية النواب، استطعنا تحويل تلك المعطيات والدراسات إلى قانون شامل مكوّن من 73 مادة، تحت عنوان “قانون تعزيز الشباب السكاني ودعم الأسرة”.

ما تأثير هذا القانون في تحسين أوضاع البلاد؟

هذا القانون جاء في المقام الأول لتفعيل السياسات العامة التي أقرّها المرشد الأعلى والتي تم تبليغها رسميا منذ عام 2014،  إلا أن أحدا لم يستجب لها على نحو فعّال حتى عام 2020،  حيث لم يكن هناك سوى قوانين جزئية محدودة دون أي استجابة شاملة أو تنفيذ فعلي. ومن هنا، جاء هذا القانون ليُحوّل تلك السياسات النظرية إلى واقع عملي، ويُغيّر مسار السياسات السكانية من التناقص إلى النمو، ويوجّهها نحو دعم السكان، وتعزيز الأسرة، وتشجيع الزواج، ودعم الأزواج، والأمومة، سواء للمرأة العاملة أو ربة المنزل، والارتقاء بصحة الأم والطفل، وتسهيل تربية الأبناء.

لماذا لم يُنفّذ هذا القانون بالكامل في إيران؟

حتى الآن، لم يُنفّذ سوى نحو 30% من هذا القانون خلال العام الجاري. ومشكلة عدم تنفيذ القوانين ليست جديدة أو محصورة بهذا القانون فحسب، بل هي معضلة عامة على مستوى البلاد، حيث لا تتجاوز نسبة تنفيذ القوانين عادة 30 إلى 35%.

قانون تعزيز الشباب السكاني ليس استثناء من هذا الواقع، بل يواجه التحديات ذاتها، وأبرزها ضعف الإرادة التنفيذية لدى المسؤولين، ونقص الثقة والالتزام الإداري، إلى جانب قصور في الأنظمة التنفيذية واللوائح والإجراءات المكمّلة للقانون. كما أن هناك فجوة واضحة بين القوانين المقرّة واللوائح التنفيذية التابعة لها، من حيث التناسق والتطبيق الفعلي.

إضافة إلى ذلك، تبرز مشكلات هيكلية في منظومة تنفيذ القوانين، مثل غياب الهياكل المؤسسية المنظّمة، وافتقار منظومات الرقابة والتقييم، الأمر الذي يُعيق تنفيذ القانون بكفاءة، رغم ما يحمله من مضامين استراتيجية لإنقاذ البنية السكانية للمجتمع.

هل توجد في إيران القدرة والتسهيلات اللازمة لتنفيذ هذا القانون؟
نعم، هناك قدرة فعلية. أثناء صياغة القانون تمّ تقييم القدرات بشكل دقيق، وفي بلد واسع كإيران، بإمكاننا تخصيص ما يعادل ضعفي إلى ثلاثة أضعاف الأراضي الحالية المخصصة لبناء المساكن للسكان. للأسف، هناك نوع من الضيق الذهني أو خلل في إدارة الأراضي و اختلاف في وجهات النظر حول كيفية تنظيمها، مما يؤدي إلى ارتفاع أسعار المساكن. لو تمّ تبني سياسات مختلفة، لكنا شهدنا انخفاضا في أسعار العقارات. من هذه السياسات قانون “قفزة إنتاج المساكن” الذي صُوغ في البرلمان السابق، وقانون دعم الأسرة وتعزيز الشباب السكاني. ومع ذلك، من الضروري أن تنفذ الحكومة سياسات تسهّل توفير المساكن الرخيصة وتخصيص الأراضي مجانا للأسر التي لديها ثلاثة أطفال أو أكثر.

هل التسهيلات المنصوص عليها في القانون تتناسب مع الظروف الحالية؟
نعم، التسهيلات مناسبة. فعلى سبيل المثال، حين تقدم البنوك 70% من التسهيلات لموظفيها، إذا ما وُفرت هذه التسهيلات لجميع المواطنين، فسيمكن تنفيذ جميع التسهيلات الإضافية التي تقدمها الحكومة والقوانين البرلمانية. شرط أساسي لذلك هو أن تتوقف البنوك عن ممارسة الأعمال التجارية، لأن ذلك يعوق تنفيذ التسهيلات.

ما التحديات التي تواجه الحكومة في تنفيذ هذا القانون؟
تختلف مواقف الجهات الحكومية؛ فبعضها ملتزم وجاد في تنفيذ القوانين، وهناك مدراء يؤمنون بأهمية التنفيذ، بينما البعض الآخر لا يزال مترددا، وبعض الجهات لم توقع حتى عقود تعاون مع الوزارات المعنية.
الميزانية تمثل عاملا حاسما في هذا المجال، ولعبت منظمة التخطيط والميزانية دورا مهما، وقد تحسنت الأمور مقارنة بالأعوام السابقة، لكن الميزانية المخصصة لا تزال منخفضة نسبيا، خاصة بالمقارنة مع دول أخرى خصصت نحو 4% من ميزانيتها الداخلية لتعزيز النمو السكاني، بينما ميزانية بلادنا في هذا الجانب لا ترقى إلى ذلك المستوى.

في ظل ارتفاع تكاليف العلاج والدواء، ما الإجراءات المتخذة حتى الآن لتفعيل الحوافز وتخفيف الأعباء العلاجية والتأمينية ضمن القانون؟

تم اتخاذ عدة خطوات لتقليل تكلفة الأدوية وتحميل الناس أعباء أقل، وضمن إطار قانون تعزيز الشباب السكاني، تُغطى نسبة 90% من تكاليف علاج العقم تأمينيا، بينما تُقدّم الخدمات الطبية للأطفال دون سن السابعة مجانا.

من أصل 73 مادة في القانون، 34 مادة تركز على تعزيز صحة الأم والطفل، وتشمل الولادة الطبيعية المجانية، والإجراءات الخاصة برعاية الأم والطفل، والحمل والوليد، حيث تُنفذ هذه الخدمات في شبكة الصحة الحكومية بتكاليف منخفضة أو مجانا. ومع ذلك، تبقى بعض الأدوية الأساسية المستوردة باهظة الثمن وغير مغطاة بالتأمين.

أدوية تعزيز الخصوبة وتربية الأطفال متوفرة مجانا أو بتكاليف مخفضة، أما أدوية باقي الفئات فتظل مرتفعة التكلفة. مراكز علاج العقم التابعة لقانون تعزيز الشباب تشمل مستويات من 1 إلى 3 وهي مغطاة بالتأمين، لكن هناك نقص في بعض المحافظات بالمراكز المتقدمة، مما يضطر المرضى إلى دفع تكاليف العلاج بشكل خاص. في هذا الصدد، توجد أيضا مبادرة وطنية تسمى “نمو الأمل” تقدم دعما تأمينيا لمدة خمس سنوات لنصف الأمهات في مرحلة الإنجاب، ضمن خدماتها العلاجية المقدمة من المتطوعين.

أحد التحديات الرئيسية لتعزيز الشباب السكاني هو قلة رغبة الشباب في الزواج، فما التدابير والإجراءات التي وُضعت لمواجهة هذا التحدي؟

تم سن العديد من القوانين بهذا الخصوص، لكن المشكلة لا تقتصر على التشريعات فقط، بل يلعب التوعية الثقافية دورا أساسيا وفعّالا، ويجب أن يشارك جميع المسؤولين ووسائل الإعلام في هذه الثقافة.

في عام 2005  صدر قانون دعم وتسهيل الزواج، واليوم لدينا قانون دعم الأسرة الذي يحتوي على بنود عدة مثل توفير مساكن للمتزوجين حديثا، وتقديم قروض زواج بقيمة سبعة أضعاف المبلغ السابق، وزيادة رواتب الجنود بنسبة 12 ضعفا، وتوفير مساكن للطلبة الدينيين، وتنظيم حفلات زواج بسيطة عبر بلديات المدن، لكنها جميعها تعاني من ضعف في التنفيذ.

لقد حلّت النظرة المادية والفردانية محل النظرة الروحية والإلهية، وأصبحت ثقافة التبذير، والتفاخر الاجتماعي، والمهور العالية، والمهر، وتجهيزات الزواج الفاخرة، والحفلات المبالغ فيها من العوائق التي تعيق الزواج، رغم أن الزواج هو ركيزة دينية وثقافية واجتماعية وصحية كاملة الأبعاد.

وفي الختام، هل هناك أي نقاط أو رسائل أخيرة ترغبين في إضافتها حول هذا الموضوع؟

في الختام، أود التنويه إلى أن ظواهر الشيخوخة السكانية، وتزايد الأسر ذات الطفل الواحد، والإفلاس المتكرر لصناديق التقاعد، وأزمة السكان بشكل عام، بالإضافة إلى إغلاق نافذة الفرصة الديموغرافية في البلاد، كلها ظواهر سلبية ومقلقة للغاية. هذه المشكلات تؤثر سلبا على الجميع، وبات من الضروري مواجهتها بشكل عاجل. إذا لم تُحل هذه التحديات خلال السنوات العشر إلى الخمس عشرة القادمة، سنضطر حينها إلى قبول الهجرة كحل، وهذا بدوره سيشكّل خطرا مباشرا على هويتنا وحضارتنا.