المهمة المستحيلة لنائب الرئيس: هل يملك «عارف» فك شفرة أطول انقطاع للإنترنت في إيران؟

كتب: الترجمان

تشهد الساحة السياسية والاجتماعية في إيران حالة من الغليان والترقب غير المسبوق، بالتزامن مع تجاوز مدة الانقطاع الشامل والانسداد الرقمي لشبكة الإنترنت الدولية حاجز الـ 76 يوما. هذا الانقطاع الطويل، الذي يوصف بأنه الأقسى والأطول تاريخيا، تحول من مجرد عطل فني أو إجراء احترازي مؤقت إلى أزمة سياسية واقتصادية بنيوية تضرب عمق الاستقرار المجتمعي، وتضع مصداقية حكومة الوفاق الوطني بقيادة الرئيس مسعود بزشكيان على المحك. 

وفي محاولة جادة لكسر هذا الجمود وتفكيك العقدة الرقمية التي تكبل البلاد، أقدم الرئيس الإيراني على خطوة استراتيجية حاسمة بتأسيس “الهيئة الخاصة لتنظيم وإدارة الفضاء السيبراني”، مسنداً رئاستها وصلاحياتها التنفيذية الواسعة إلى نائبه الأول، محمد رضا عارف، في خطوة يراها المحللون بمثابة مانيفستو سياسي جديد لإعادة صياغة حوكمة الفضاء الرقمي والوفاء بالوعود الانتخابية المعطلة.

جذور الأزمة الرقمية وسياقات الانسداد الأمني

لم يكن هذا الانقطاع الممتد لشبكة الإنترنت الدولية وليد الصدفة، بل جاء نتاج سلسلة من الأزمات الأمنية والعسكرية المتلاحقة التي عصفت بالبلاد على مدار الشهور الماضية. وتكشف التقارير أن هذا الانسداد الرقمي الحاد سبقته جولتان من الإغلاق؛ الأولى جرت خلال حرب الأيام الاثني عشر، والثانية تلت أحداث احتجاجات شهر يناير/كانون الثاني 2026 وصولا إلى الأزمة الأخيرة المرتبطة بحرب الأربعين يوما، والتي دفعت بالمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني (شعام) إلى اتخاذ قرار بفرض قيود صارمة الشبه كلية على الشبكة الدولية لمنع الاختراقات السيبرانية والهجمات المنظمة. 

ومع دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ وتبدد غيوم الحرب، تصاعدت المطالبات الشعبية والنخبوية بضرورة عودة الحياة الرقمية إلى طبيعتها، خاصة بعد أن سجلت مراكز رصد شبكات الإنترنت العالمية قفزة قياسية غير مسبوقة في فترات الحجب داخل إيران، مما جعل الملف يتحول تدريجيا من مربع التدابير الأمنية المؤقتة إلى أزمة سياسية واجتماعية خانقة تهدد البنية الاقتصادية للدولة.

Image

فخ “إنترنت برو” وعمقت الفجوة الطبقية والرقمية

تفاقمت الأزمة وتعددت أبعادها مع ظهور ما بات يُعرف بـ “إنترنت برو” (Internet Pro) أو “الإنترنت الطبقي”، وهو نظام دسترة وتوزيع خاص للشبكة يمنح وثائق اتصال دولية لبعض الشركات، والمؤسسات، والنقابات، والطبقات الميسورة ماديا مقابل مبالغ مالية طائلة ومجحفة. 

هذا التمييز الرقمي الواضح فجر موجة عارمة من الاستياء الشعبي، حيث تحول الإنترنت من كونه خدمة عامة وحقا أساسيا للمواطنة إلى امتياز طبقي يُباع ويُشترى في الأسواق الرسمية والموازية، مما عمق الشرخ والتمييز بين المواطنين على أساس قدراتهم المالية. 

ولم تقتصر تداعيات هذا النظام على الغضب الشعبي فحسب، بل امتدت لتحدث انقساماً حادا داخل أروقة الحكم؛ حيث سارع وزير الاتصالات والمدعي العام للبلاد إلى الكشف عن وجود مخالفات وفساد مالي وإداري واسع النطاق في آلية توزيع هذا الإنترنت الخاص، مع توعد بالملف وكشف تفاصيله للرأي العام، في حين أعلن الرئيس مسعود بزشكيان تبرؤه الكامل من هذا التمييز، مؤكدا عبر منصات التواصل الاجتماعي ومداخلاته الرسمية التزامه الصارم بالقضاء على هذه الفجوة وتوفير وصول عادل وآمن لجميع أطياف المجتمع الإيراني.

Image

دلالات اختيار عارف والوزن السياسي للأستاذ الجامعي

يحمل قرار تكليف النائب الأول للرئيس، محمد رضا عارف، برئاسة الهيئة الخاصة لإدارة الفضاء السيبراني دلالات سياسية وفنية بالغة الأهمية؛ فهو يمثل أعلى سلطة تنفيذية بعد رئيس الجمهورية، مما يمنح هذه الهيئة الجديدة نفسا سياسيا قويا وقدرة مناورة وتشبيك واسعة داخل هيكل القيادة الإيرانية. 

ومن الناحية الفنية، لا يعد عارف مجرد رجل سياسة تقليدي، بل هو أكاديمي بارز حائز على شهادة الدكتوراه في هندسة الاتصالات من جامعة ستانفورد العريقة، وعضو الهيئة العلمية بجامعة شريف للتكنولوجيا، فضلا عن توليه حقيبة وزارة الاتصالات سابقا، وهي خلفية علمية تجعله قادرا على فهم أبعاد الأزمة التقنية بدقة.

ويرى تيار واسع من السياسيين، ومنهم نائب وزير العلوم الأسبق غلام رضا ظريفيان، أن عارف يمتلك وزنا سياسيا وقدرة تفاوضية عالية تؤهله لبناء إجماع وطني وجسر الهوة بين الجهات المتعددة والموازية التي تتحكم في ملف الإنترنت، والانتقال به من مرحلة التفتت الإداري والقرارات الجزرية إلى مرحلة السياسة الموحدة والمرنة.

Image

الفاتورة الباهظة ونزيف الاقتصاد الرقمي والسيبراني

على الجانب الآخر من المشهد، تدق الهيئات الاقتصادية والتقنية في إيران ناقوس الخطر جراء استمرار هذا الانقطاع الطويل الذي ألقى بظلاله القاتمة على قطاع الأعمال والاستثمار. وتشير التقديرات الصادرة عن منظمة النظام الصنفي للحواسب في طهران إلى تراجع مخيف في عائدات الشركات الرقمية يتراوح بين 30% إلى 70%. 

في حين أعلن نائب وزير الاتصالات لشؤون الاقتصاد الرقمي، إحسان جيت ساز، أن الخسائر الإجمالية المباشرة للقطاعين الحكومي والخاص بلغت أرقاما فلكية، حيث خسر القطاع الحكومي قرابة 420 تريليون ريال، بينما تكبد القطاع الخاص خسائر قُدرت بـ 8.4 همت، موزعة بين قطاعات الاتصالات والتجارة الإلكترونية والشركات الرقمية الكبرى. 

ولم تتوقف التحذيرات عند الشق المالي فحسب، بل امتدت للشق الأمني السيبراني؛ إذ نبه خبراء الاتصالات إلى أن الإغلاق الطويل للشبكة يحجب الرؤية عن الثغرات الأمنية داخل البنية التحتية، وعند إعادة تشغيل الإنترنت فجأة، ستكون هذه الأنظمة والمنشآت أكثر عرضة للهجمات الخارجية والقرصنة، فضلا عن فقدان الدولة لـ “السردية الوطنية” وتأثيرها على الرأي العام بعد ترك الساحة الرقمية بالكامل للمنصات ووسائل الإعلام الخارجية.

Image

مأمورية عارف وخارطة الطريق نحو يونيو/حزيران

تتجه الأنظار حاليا صوب الاجتماع الأول للهيئة الخاصة والمقرر عقده خلال الأسبوع المقبل برئاسة عارف، حيث وُضعت على عاتقه ملفات شائكة ومعقدة تتجاوز الحلول الترقيعية المؤقتة. 

وتشمل المهام المسندة إلى الهيئة تدوین وتنفيذ خارطة طريق شاملة للتحول في حوكمة الفضاء السيبراني، وإعادة هيكلة وتنظيم مراكز اتخاذ القرار مثل الأمانة العامة للمجلس الأعلى والمركز الوطني للفضاء السيبراني، إلى جانب تأسيس نظام مراقبة استراتيجي لرصد أداء المؤسسات المعنية. 

ووفقا للتسريبات السياسية الموثوقة، يسعى عارف إلى الاستعانة بنخبة من أساتذة علوم الاتصال البارزين مثل هادي خانيكي وعلي ربيعي، بالإضافة إلى إشراك منظمات المجتمع المدني لبلورة مقاربة متوازنة تضمن تلبية المتطلبات الأمنية والسيادية المقرة من المجلس الأعلى للفضاء السيبراني ورهنا بـ “إذن المرشد الأعلى مجتبى خامنئي”، دون التضحية بالحقوق الرقمية للمواطنين؛ مع وجود مؤشرات قوية وتطلعات حكومية لبدء التطبيق الفعلي لرفع الانسداد والعودة التدريجية للإنترنت الدولي بحلول الأسبوع الأول من شهر يونيو/حزيران 2026.

Image

الشكوك البرلمانية ومطالب الانتقال من الوعود إلى الأفعال

رغم الأجواء الإيجابية والآمال المعقودة على هذا التحرك الحكومي، فإن المشهد لا يخلو من مشاعر التشكيك والتحفظ، لا سيما داخل أروقة البرلمان الإيراني. وفي هذا السياق، ينقسم النواب بين تيار متفائل يرى في تشكيل الهيئة خطوة عقلانية ومدروسة لتفكيك الأزمة وتفنيد حجج الداعين لاستمرار الحجب، وبين تيار آخر يبدي وعيا نقديا حادا يمثله النائب مصطفى بور دهقان، والذي اعتبر أن قرارات التكليف والتعيين داخل أجهزة الدولة قد تحمل أحيانا طابعا نفسيا أو تجميليا لتسكين الغضب الشعبي دون إحداث تغيير حقيقي على أرض الواقع. 

ويطالب هذا التيار النقدي رئيس الجمهورية بضرورة استخدام صلاحياته الدستورية والقانونية الواسعة بشكل مباشر وجريء، ومواجهة الشعب بالحقيقة كاملة عبر حوار صريح يوضح الأبعاد الأمنية الحقيقية بدلا من نقل الكرة من ملعب إلى آخر، مشددا على أن الشارع الإيراني قد سئم التصريحات المنمقة والوعود الشفهية، وبات ينتظر إجراءات عملية ملموسة تعيد للإنترنت صفته كـ “مساحة بيضاء” متاحة بعدالة لجميع المواطنين دون تمييز أو ريع طبقي.

Image

بين دقة الحسابات الأمنية التي فرضت هذا الانسداد الرقمي غير المسبوق، ونزيف الاقتصاد الذي كبّد البلاد خسائر فلكية، يقف نائب الرئيس محمد رضا عارف أمام اختبار سياسي وفني هو الأصعب في مسيرته؛ فاختياره بما يملكه من وزن أكاديمي وخلفية تخصصية يُمثّل ورقة بزشكيان الأخيرة للوفاء بوعوده الانتخابية وتفكيك “فخ الإنترنت الطبقي”. 

ومع اقتراب موعد حسم الملف في يونيو/حزيران 2026، تظل الأيام المقبلة هي الحكم الفصل لمعرفة ما إذا كانت هذه “الهيئة الخاصة” ستنجح في إيجاد معادلة متوازنة تفك شفرة أطول انقطاع للإنترنت في تاريخ إيران، أم أن مأمورية عارف ستصطدم بجدار الحسابات السيادية والتشكيك البرلماني، لتبقى الوعود الحكومية مجرد مسكنات مؤقتة لشارع شارف صبره على النفاد.

كلمات مفتاحية: