- زاد إيران - المحرر
- 712 Views
في لحظة سياسية حسّاسة تمر بها إيران، تتكثف المؤشرات على اقتراب تغيير كبير في المجلس الأعلى للأمن القومي، أحد أبرز مراكز صنع القرار في إيران، ومع تصاعد الحديث عن عودة علي لاريجاني إلى موقعه السابق، وتراجع دور سعيد جليلي، يبدو أن المشهد مقبل على إعادة تموضع قد تفتح الباب أمام تحولات أوسع في السياسات الإقليمية والدولية لطهران.
نشرت وكالة أنباء “خبر أونلاين” الأحد 3 أغسطس/آب 2025، تقريرا حول التحول في تركيبة المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، واحتمالية عودة علي لاريجاني إلى موقع القيادة وتراجع دور سعيد جليلي، بما يعكس تغيّرا في توجهات النظام نحو نهج أكثر براغماتية وابتعادا عن الخط المتشدد.
وذكرت أنه من المتوقع أن تُدفع التيارات المتشددة إلى عزلة تاريخية في حال تولّي علي لاريجاني منصب الأمانة العامة للمجلس الأعلى للأمن القومي، إذ إن حضوره قد يُضعف من نفوذهم ويحد من تأثيرهم.
عودة لاريجاني إلى قلب القرار
ذكرت الوكالة أن علي لاريجاني يعود إلى المجلس الأعلى للأمن القومي بعد غياب دامَ خمس سنوات، وقد شغل سابقا عضوية هذا المجلس لمدة 13 عاما بصفته عضوا حقيقيا، و12 عاما كعضو حقوقي خلال رئاسته للبرلمان.
وأضافت أنه الآن، وفي عهد رئيس جمهورية يوصف بالمعتدل، يُتوقع أن يتسلم لاريجاني منصب الأمين العام لهذا الجهاز السيادي المؤثر في إدارة المفاوضات والعلاقات مع الغرب.
وأشارت إلى أن لاريجاني، بعد تسليم رئاسة البرلمان ورفض أهليته في انتخابات رئاسة الجمهورية عامي 2021 -2024، قد اكتفى بدور المستشار لدى المرشد الأعلى، غير أن المرحلة الحالية، بما تحمله من تحديات داخلية وخارجية، أعادت تسليط الضوء عليه، وطُلب منه مجددا أن يلعب دورا محوريا في صياغة مستقبل القرار الإيراني.
خبر يلوح في الأفق
ذكرت الوكالة أن زيارة لاريجاني الأخيرة لموسكو ولقاءه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اعتبرها بعض المراقبين مؤشرا على تحوّل وشيك في السياسة الإيرانية، وفي الوقت ذاته، نشر علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الإيراني، عبر منصة “إكس” تصريحا لمَّح فيه إلى ضرورة مراجعة بعض السياسات.
وأضافت أنه ورغم التغيير الذي أشار إليه ولايتي كان يتعلق أساسا بالسياسات الاجتماعية وبالاقتراب أكثر من الشعب، فإنَّ تزامن هذه التحركات الإعلامية والدبلوماسية أعاد للواجهة توقعات ببدء فصل جديد في مسار “إيران”.
وتابعت بأنه حتى مساء الجمعة 1 أغسطس/آب 2025، حين أعلنت وكالة أنباء فارس عن تغييرات هيكلية في المجلس الأعلى للأمن القومي، مشيرة إلى أن مجلسا جديدا بصلاحيات استراتيجية في مجال السياسات الدفاعية للبلاد سيتم تشكيله، على أن يُستكمل هيكله قريبا.
وأضافت الوكالة أن علي لاريجاني سيُعيَّن خلال الأيام المقبلة أمينا عاما للمجلس الأعلى للأمن القومي”، في حين “سيتولى علي أكبر أحمديان، الأمين الحالي، على الأرجح الإشراف على عدد من الملفات الخاصة والاستراتيجية في الدولة، وهي ملفات تتطلب إدارة وتنسيقا عالي المستوى لما لها من طابع تقدمي واستراتيجي.
وأشارت إلى أنه من جهته، أكد موقع “نورنيوز” المقرب من علي شمخاني وقوع تغييرات هيكلية في المجلس، دون أن يذكر اسم علي لاريجاني أو يقدم تفاصيل إضافية.

مفاوضات كانت تقترب من النجاح.. ولكن
أردفت الوكالة أن أهمية تعيين علي لاريجاني أمينا عاما للمجلس الأعلى للأمن القومي تبرز من كونه كان عضوا في هذا الجهاز السيادي طيلة 25 عاما.
وتابعت أنه دخل الساحة السياسية من معسكر الأصوليين، وتقلد مناصب حساسة كوزارة الإرشاد ورئاسة مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، وفي عام 1995 وخلال رئاسته للإذاعة والتلفزيون، تم تعيينه ثاني ممثل للمرشد في المجلس الأعلى للأمن القومي، واستمر في هذا المنصب حتى عام 2008.
وأشارت إلى أنه وبعد خروجه من الإعلام الرسمي، انخرط في التفاوض مع الغرب، ما أدى إلى بروز خلافات حادة بينه وبين الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد، وأصبح في موقع مغاير لتيار اليمين المتشدد، فلم يكن أحمدي نجاد يحتمل وجود حسن روحاني في الأمانة العامة للمجلس، فعين لاريجاني بدلا منه، ليشغل هذا المنصب من عام 2005 حتى 2007، متوليا ملف المفاوضات النووية.
وأضافت أن مفاوضاته كانت مع خافيير سولانا، مسؤول الملف النووي الأوروبي آنذاك، على وشك أن تثمر عن اتفاق نهائي، غير أن تدخل أحمدي نجاد حال دون الوصول إلى نتائج حاسمة.
لاريجاني رحل.. وجليلي جاء
ذكرت الوكالة أن الروايات تفيد بأن خافيير سولانا سلّم رسميا إلى علي لاريجاني، الذي كان حينها أمينا عاما للمجلس الأعلى للأمن القومي وكبير المفاوضين النوويين الإيرانيين، عرضا قدمته الولايات المتحدة.
وبموجب هذا العرض، كان من المقرر أن تحصل إيران على مفاعلات متطورة تعمل بالماء الخفيف، مع السماح باستمرار تشغيل أجهزة الطرد المركزي المخصصة للأبحاث، مقابل وقف تخصيب اليورانيوم والتعاون في الملف العراقي.
وأضافت أنه كان يُنتظر حضور لاريجاني اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، حيث كان يُخطط لتوقيع الاتفاق في لقاء يضم وزراء خارجية الدول الأوروبية الثلاث، إلى جانب الصين وروسيا والولايات المتحدة، لكن في اللحظة الأخيرة، توجه محمود أحمدي نجاد إلى نيويورك بدلا من لاريجاني، ثم عاد ليقيله ويعيّن سعيد جليلي بديلا له.
وأشارت إلى أنه خلال فترة رئاسته للبرلمان التي امتدت 12 عاما حتى عام 2020، حافظ لاريجاني على عضويته القانونية في المجلس الأعلى للأمن القومي، ومع بداية هذه المرحلة، تم تعيين سعيد جليلي خلفا له كممثل للمرشد في المجلس، وفي تلك السنوات، ازدادت الهوة بين لاريجاني والتيار المتشدد، وأصبح من المغضوب عليهم لدى معسكر أحمدي نجاد.
وتابعت الوكالة أنه بلغ الغضب من لاريجاني ذروته حين قام متشددون في مدينة قم خلال احتفالات ذكرى انتصار الثورة الإسلامية برشقه بأحجار في مشهد عنيف يختزل حجم التوتر.
ومن صور هذا الصراع أيضا، ما جرى في “الأحد الأسود” داخل البرلمان، حيث دار سجال علني بين لاريجاني ورئيس الحكومة حينها.
وأردفت أنه خلال سنوات رئاسة روحاني، تعرض لاريجاني لهجوم مستمر من المتشددين بسبب دعمه للحكومة وللاتفاق النووي (برجام)، حتى أنهم ركبوا موجة رفض أهليته في الانتخابات الرئاسية لعامي 2021 و2024.
لكن في الحرب التي استمرت 12 يوما بين إيران وإسرائيل، وفي الوقت الذي لاذ فيه رموز التشدد كسعيد جليلي ومحمود أحمدي نجاد بالصمت، أعاد النظام السياسي الإيراني الالتفات إلى لاريجاني مجددا.
شهرة لاريجاني عالمية
ذكرت الوكالة أنه برغم مسؤوليته عن الملف النووي في أول عامين من حكم أحمدي نجاد، كانت وسائل الإعلام الدولية تنظر إليه كشخص براغماتي، وقد وصفته مؤسسات فكرية مثل “مجلس العلاقات الخارجية” و”مجلس الأطلسي” و”مؤسسة كارنيغي” بأنه رجل واقعي، كان يمكنه—لو أُتيح له دعم أكبر—أن يحول دون تفاقم الأزمات.

عودة لاريجاني.. ونهاية حقبة جليلي؟
ذكرت الوكالة أنه في خضم التحولات الجارية داخل المجلس الأعلى للأمن القومي، أكّد غلام علي جعفر زادة، النائب السابق وأحد المقربين من علي لاريجاني، أن تعيينه بات وشيكا، مشيرا في حديث لموقع اقتصاد نيوز إلى أن “من لا يملكون الكفاءة، يجب ألا يكونوا جزءا من عملية اتخاذ القرار في الدولة.
وأشارت إلى أنه ورغم أنه لم يسمِّ أحدا بالاسم، فإن المؤشرات داخل تركيبة المجلس توحي بأن المقصود بشكل غير مباشر هو سعيد جليلي.
وأوضحت أن المجلس الأعلى للأمن القومي يتكون من 12 عضوا، هم رؤساء السلطات الثلاث، ورئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، ورئيس منظمة التخطيط والميزانية، ووزيرا الداخلية والخارجية، ووزير الاستخبارات، وقائدا الجيش والحرس الثوري، إلى جانب ممثلَين عن المرشد الأعلى.
وأضافت أنه رغم هذا الحضور الثقيل من كبار المسؤولين، فإن متابعة تنفيذ قرارات المجلس تقع على عاتق أمانته العامة، التي تؤدي دورا تنفيذيا حاسما في صياغة وتحريك السياسات الأمنية والاستراتيجية للبلاد.
وأشارت إلى قول الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني، الذي يُعدّ أطول من شغل منصب أمين عام المجلس، في كتابه الأمن القومي، كيف أن طبيعة عمل الأمانة العامة تغيّرت مع تطورات المشهد الإقليمي والدولي، لا سيما بعد هجمات 11 سبتمبر:
“كنا نلحظ أحيانا أن الهيكل الرسمي للمجلس لا يفي بمتطلبات التعامل مع القضايا المتسارعة، فلو اقتضى الأمر عقد جلسة رسمية لكل قرار أو تفصيل، لتعطلت الكثير من الملفات، من هنا، توصّلنا إلى أن المجلس عليه اتخاذ القرارات الاستراتيجية، ثم تفويض متابعة تنفيذها للأمانة العامة، التي تتابع التفاصيل بتركيبة مناسبة وبموافقة رئيس الجمهورية وتصديق المرشد الأعلى.”
وأضافت أنه بهذا المعنى، لا يُعدّ منصب أمين عام المجلس مجرد موقع إداري، بل هو مفتاح الفعل التنفيذي في منظومة الأمن القومي، ومن هنا، فإن استبدال سعيد جليلي بعلي لاريجاني لا يحمل فقط دلالات وظيفية، بل يعكس تحولا سياسيا أوسع في مزاج النظام تجاه مسار أكثر براغماتية وانفتاحا.
ذكرت الوكالة أن أحمديان، الأمين العام الحالي، سيقود قريبا “مجلس الدفاع”، وهو ما يعني أنه سيبقى ممثلا للمرشد في المجلس، أما جليلي، المعروف بمواقفه المتشددة، فقد كان في صلب التعقيدات التي شابت المفاوضات النووية خلال فترة مسؤوليته، كما كان أحد أبرز المعارضين للاتفاق النووي (برجام) خلال رئاسة حسن روحاني.
وأضافت أنه الآن، ومع سريان “روح التغيير” داخل المجلس الأعلى للأمن القومي، يبدو أن جليلي، الذي طالما شكّل عقبة أمام الخطاب البراغماتي، سيُقصى أو على الأقل سيتراجع دوره، وحتى لو لم يُستبدل رسميا، فإن مجرد تعيين لاريجاني، بخبرته الدبلوماسية ونهجه العملي، كفيل بتقليص نفوذ جليلي داخل المجلس.
وأوضحت أن لاريجاني، الذي يمارس دوره حاليا كمستشار للمرشد الأعلى، يبدو مرشحا لاستعادة موقعه داخل المجلس كممثل رسمي للقيادة، ولكن هذه المرة بـ”يد أكثر تحررا” وصلاحيات أكبر.
واختتمت بالإشارة إلى أنه في المحصّلة، حتى لو لم يُقصَ جليلي رسميا من المجلس، فإن صعود لاريجاني وحده كفيل بإضعاف موقعه، ليجد التيار المتشدد نفسه أمام واقع جديد، تُطوى فيه صفحة سيادة جليلي، وتبدأ مرحلة سياسية جديدة قد تحمل معها تحوّلا حقيقيا في مسار الدبلوماسية الإيرانية.

