هايدغر الإيراني في مفترق الحداثة: قراءة في فكر داوري أردكاني (الجزء الأول)

كتب: محمد سعید خورشیدي

نقله إلى العربية: الترجمان

رضا داوري أردكاني، فيلسوف ومفكّر إيراني بارز، وُلد عام 1933 في مدينة أردكان بمحافظة يزد وسط إيران. بعد حصوله على شهادة الثانوية من دار المعلمين في أصفهان عام 1951، التحق بوزارة الثقافة واشتغل بالتدريس لسنوات في مدن مختلفة. وفي عام 1967 نال درجة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة طهران، ليصبح عقب ذلك عضواً في هيئتها التدريسية.

وفي عام 1981 رُقّي إلى درجة أستاذ في قسم الفلسفة، ولا يزال إلى اليوم منخرطاً في التدريس والبحث العلمي. كما انضمّ عام 1990 إلى عضوية الأكاديمية الإيرانية للعلوم، وتولّى رئاستها بين عامَي 1998 و2023.

ويُعدّ داوري أردكاني من الشخصيات الفكرية البارزة في إيران، نظراً لغزارة إنتاجه العلمي الذي يزيد على سبعين كتاباً، فضلاً عن دوره المؤثر في صياغة الرؤى الثقافية والفكرية المعاصرة في البلاد.

يتجاوز فكر داوري أردكاني حدود التأمّل الفلسفي المجرّد، ليغدو مسعى تنويرياً يروم فهم المصير التاريخي لإيران في زمن هيمنة الحضارة الحديثة. فقد تبلورت رؤيته في سياق انشغالات عميقة تتصل بغياب التفكير الأصيل، وبالطريقة الانفعالية التي واجه بها المجتمع الإيراني الحداثة.

ولم يكن هدف داوري الأساسي صياغة حلول سياسية أو وضع خطط اقتصادية، بقدر ما كان حاملًا لدعوة إلى التعقّل وإعادة النظر الوجوديّة في الوضع الراهن لإيران، وإلى فهم العلاقة التي تربط الإيرانيين بتاريخهم وفلسفتهم وبالتراث الفكري الغربي.

لطالما اتّخذ داوري أردكاني موقفاً نقدياً وسائلاً تجاه التيار الفكري والأكاديمي السائد في إيران. فانتقاده للفلسفة التقليدية، التي يرى أنها عاجزة عن الإجابة عن أسئلة العصر الراهن، وكذلك نقده للتيار التحديثي المتأثّر بالفكر الغربي، يعكسان سعيه لفتح أفق تفكير مستقلّ، والخروج من هيمنة أي سلطة فكرية، سواء كانت داخلية أم خارجية.

ومنذ بداياته الأولى، عمل في مؤلفاته على إتاحة فضاء لطرح أسئلة جوهرية تتعلّق بالهوية والتاريخ، وتمهيد الطريق أمام تفكير يستأنف جذوره ويعيد النظر في أساس علاقته بالعالم.

العلاقة الفكريّة مع أحمد فرديد ومارتن هايدغر

تتجذّر أفكار داوري أردكاني بعمق في تقاليد الفلسفة القاريّة (الأوروبية)، وقد وصل هذا الإرث إليه بصورة أساسيّة عبر مفكّرين اثنين: أحمد فرديد ومارتن هايدغر.

Image

يُعدّ داوري من أبرز شارحي فكر أحمد فرديد. فقد ورث عنه المنظور الوجودي ـ التاريخي، والنظرة النقديّة الراديكاليّة تجاه الحضارة الغربيّة. فالغرب هنا لا يُفهم بوصفه ظاهرة ثقافيّة أو اقتصاديّة فحسب، بل باعتباره قدراً تاريخياً لا مفرّ منه.

ويرى داوري أنّ هذا القدر قائم على الميتافيزيقا الغربيّة الممتدّة من أفلاطون إلى نيتشه، وعلى غلبة النزعة الذاتيّة والإنسانيّة التي تُفضي في نهايتها إلى العدمية ومن هذا المنطلق، فإنّ الاستلاب للغرب يعني القبول القسري والسلبي بهذا النّظام الفكري والوجودي، ولا سبيل للخروج منه إلا بإعادة التفكير في ماهية الغرب والكشف عن جذوره العميقة.

وبحسب تحليل داوري وأساتذته، فإنّ بزوغ ديكارت والثورة العلميّة أدّيا إلى جعل الإنسان المعيار الوحيد للحقيقة. وهذه الذاتية المطلقة دفعت إلى النظر إلى العالم الخارجي على أنّه مجرّد مجموعة من الموضوعات (أشياء) قابلة للسيطرة. ومن هذا المنظور تحديدًا ظهرت العقلانيّة الأداتيّة والتقنية الحديثة. لذلك يرى داوري أنّه لا يمكن فصل العلم عن ماهية الغرب، لأنّهما يصدران عن أصل واحد في بنية التفكير.

أما تأثير مارتن هايدغر في فكر داوري فهو تأثير لا يمكن إنكاره. فقد أكّد داوري باستمرار على أهمية سؤال الوجود الذي اعتبره هايدغر «الغياب الأكبر» في تاريخ الميتافيزيقا الغربية. 

كما يستند نقد داوري للتقنية الحديثة إلى فلسفة هايدغر، حيث لا يُنظر إلى التقنية بوصفها أداة محايدة، بل باعتبارها أسلوبا تجلّي الوجود في العصر الراهن، والذي يجعل الموجودات كلها تتحوّل إلى موارد جاهزة للاستغلال الفوري. وهذا المنطق التقني لا يحصر العالم فحسب، بل يحاصر التفكير ذاته، إذ يختزله إلى حسابات عقلانية نفعية، ويحول دون انبثاق تفكير أصيل يتأمل الوجود بمعناه العميق.

وبسبب هذا التأثر العميق، أطلق البعض على داوري لقب “هايدغر الإيراني”.

داوري والثقافة

يُعرف داوري في إيران أيضاً بكونه فيلسوف الثقافة. وهذا الوصف لا يأتي على سبيل المجاز أو التبسيط، بل يعكس تركيزه على الثقافة بوصفها الشرط الأساسي لإمكان أي تحول أو تقدّم اجتماعي.

Image

يرى داوري أن الثقافة تسبق وجوديا جميع مظاهر الحياة الجماعية اللاحقة. وبعبارة أوضح، فإن كل نظام سياسي، وكل مسار تنموي، وكل شكل من أشكال المعرفة في مجتمع ما، ليس سوى تجلّ لاحق ومادي للثقافة التي يحملها ذلك المجتمع. لذلك، فإن السعي إلى التقدّم التكنولوجي أو إصلاح البنية السياسية دون حدوث تحول جذري في الثقافة، مآله الفشل أو التحول إلى تقليد أعمى واستلاب.

وعلى خلاف مارتن هايدغر، الذي اعتبر اللغة هي بيت الوجود وأساس كل تجلٍّ إنساني، يرى داوري أن الثقافة هي بيت الوجود، وهي الحامل الذي تتجلى فيه حقيقة الأمة وتُدرك من خلاله ذاتها وموقعها في العالم.

ومن هذا المنظور، يوجّه داوري نقدا حادا إلى المقاربات الشائعة لما يُعرف بـ الهندسة الثقافية. فهو يرى أن الثقافة ليست شيئًا يمكن التخطيط له من الأعلى أو إنتاجه بأوامر إدارية، بل هي الإطار الذي نعيش في داخله ونتكوّن من خلاله.

وبناء على ذلك، لا ينبغي البحث عن أزمة إيران في «نقص الميزانيات الثقافية» أو «ضعف الإدارة»، بل يجب إدراك أن الأزمة الحقيقية كامنة في بنية الثقافة ذاتها، وأن العلاج لا يكون إلا بفهم هذا الخلل العميق ومعالجته من الداخل.