- زاد إيران - المحرر
- 428 Views
في سابقة سياسية نادرة، يشهد البرلمان الإيراني تصاعدا لافتا في الانتقادات الموجهة إلى وزير الاستخبارات والأمن الوطني، إسماعيل خطيب زاده، على خلفية الإخفاقات الاستخباراتية خلال حرب الـ12 يوما بين إيران ودولة الاحتلال، فبين جلسة غير علنية اتخذت طابعا صداميا، وحملات تنديد برلمانية، وصولا إلى حملة توقيعات تهدف إلى استجوابه رسميا، يبدو أن الوزير يواجه منعطفا خطيرا قد ينتهي بأن يصبح أول وزير استخبارات في تاريخ الجمهورية الإيرانية يحال إلى الاستجواب، والثاني في حكومة بزشكيان الذي تسحب منه الثقة.
جلسة مغلقة بطابع مفتوح
كانت بداية الأزمة عندما حضر خطيب زاده جلسة مغلقة في البرلمان برفقة كبار مساعديه في 15 يوليو/تموز 2025، وبحسب ما صرح به المتحدث باسم هيئة رئاسة البرلمان، عباس غودرزي، فإن الهدف من الجلسة كان تقديم تقرير حول أداء وزارة الاستخبارات خلال الحرب الأخيرة بين إيران وإسرائيل، والتي أسفرت عن تداعيات أمنية وإعلامية وسياسية كبيرة داخل البلاد.

خلال الجلسة غير العلنية، قدم وزير الاستخبارات تقريرا تناول فيه محاور متعددة، منها مواجهة شبكات التجسس، ومراقبة تحركات الجماعات المعادية للثورة، وتوفير الدعم المعلوماتي للقوات المسلحة، كما أشار إلى وجود ثغرات بنيوية داخل الوزارة، وعرض خططا إصلاحية من بينها تشكيل أربع مجموعات عمل لتحسين الخدمة العامة.

هذا إلا أن معظم النواب رأوا أن التقرير يفتقر إلى حلول تنفيذية فعالة، مشيرين إلى أن الحرب الأخيرة لم تكن مجرد اشتباكات محدودة، بل عملية معقدة تدل على وجود تخطيط طويل الأمد من جانب العدو، وهو ما كان يتطلب استعدادا استخباراتيا أكبر، وسرعان ما تحولت إلى ساحة مواجهة كلامية، عبر فيها عدد من النواب عن سخطهم من ضعف مضمون التقرير، واعتبروه خاليا من أي نقاط جوهرية، وكان من أبرز هؤلاء النواب علي حسن أخلاقي، النائب البرلماني عن مدينة مشهد، ومحمد تقي نقد علي، نائب مدينة خمين، اللذان أعربا عن عدم اقتناعهما بالإجابات التي قدمها الوزير ونوابه.


شرارة الاستجواب وتوقيعات تتزايد
لم يكتف أخلاقي بالانتقاد، بل أعلن صراحةً توقيعه على نموذج طلب استجواب الوزير، وكتب في تدوينة مطولة: “بدأت الجلسة غير العلنية بحضور وزير الاستخبارات، حيث قرأ الوزير في البداية تقريرا مكتوبا كان يخلو تقريبا من أي نقاط جوهرية. بعد ذلك، طرح عدد من النواب، تم اختيارهم بالقرعة، ملاحظات مهمة تتعلق بعدم تحمّل المسؤولية عن التقصير خلال حرب الأيام الاثني عشر، وقدم الوزير ومعاونه بعض الردود، لكنها، في رأيي ورأي العديد من النواب، لم تكن مقنعة”، ويتابع “بناء على ذلك، وقعت على استمارة طلب استجواب وزير الاستخبارات”.

تزامنا مع هذه التصريحات، كشفت وسائل إعلام محلية، من بينها موقع إيران 24 المقرب من بعض الأوساط الأصولية، أن النائب محمد تقي نقد علي كان أول من بادر بطرح الاستجواب في اليوم ذاته، وجمع حينها 13 توقيعا، ورغم أن هذا الرقم لا يمثل أغلبية برلمانية، فإنه مؤشر على بداية جدية لتحرك سياسي داخل البرلمان.
وزارة فوق المساءلة؟
جدير بالذكر أنه، ومنذ تأسيس وزارة الاستخبارات في ثمانينيات القرن الماضي، كان يتم التعامل معها باعتبارها إحدى المؤسسات الاستراتيجية التي تحظى بغطاء سياسي قوي، وعادةً ما كانت علاقاتها مع البرلمان تدار خلف الكواليس، حيث دعي الوزراء المتعاقبون في مناسبات عدة إلى لجان الأمن القومي أو جلسات مغلقة، لكن لم يطرح أي استجواب رسمي في العلن.
لذلك فيصف الخبراء ما يحدث اليوم مع خطيب زاده على أنه خرقا لهذا التقليد، ويعكس تغيرا في معادلة السلطة الداخلية، لا سيما بعد أن طالت الانتقادات أداء الوزارة في منع أو التنبؤ بالهجمات التي شنتها إسرائيل خلال النزاع الأخير، وبحسب ما نشره موقع فرارو، فإن الوزراء السابقين، ومن ضمنهم خطيب نفسه، كانوا يشاركون في جلسات رقابية دون أن تصل الأمور إلى مستوى استجواب، ما يُبرز حساسية اللحظة الحالية وخطورتها على مستقبل الوزير السياسي.
مواقف متباينة داخل البرلمان
على أن جميع الروايات لم تكن مطابقة لرواية أخلاقي، فقد صرح كامران غضنفري، النائب عن طهران، 19 يوليو/تموز 2025، ردا على سؤال للصحفيين حول هذا الموضوع، بلغة دبلوماسية، قائلا: “بعض النواب يتابعون القضية، وعلينا أن نرى إلى أين ستؤول الأمور”، ورغم أن هذا التصريح يبدو محايدا، فإن المحللين يرون أنه يشير إلى أن الضغوط على وزارة الاستخبارات لا تقتصر على مجموعة صغيرة من النواب فقط.

كذلك، فقد نشر مجتبى زارعي، نائب آخر عن طهران، رواية مختلفة تماما عبر حسابه بمنصة إكس حول الجلسة نفسها غير العلنية، حيث قال: “تم استدعاء وزير الاستخبارات ومعاونيه المتخصصين إلى جلسة غير علنية في البرلمان اليوم؛ والخبر السار هو أن كافة المواقع الإدارية، والاستراتيجية، والسرية للكيان الصهيوني في مختلف أنحاء الأراضي المحتلة أصبحت بيد الجمهورية الإيرانية من خلال وثائق غنيمة تضم عدة ملايين من الصفحات حصلنا عليها من الكيان”.
وتابع: “أين إيران الشاسعة بمساحتها البالغة مليونا و648 ألف كيلومتر مربع، وأين هو الفقر والضيق الجغرافي والجيوسياسي للكيان؟! يا نتنياهو ويا كاتس! توقفا عن التبجح! الوزير ومعاونه قالا إن جميع الإحداثيات والمواقع الخاصة بالكيان قد تم تسليمها إلى القوات المسلحة! والدليل؟ المباني الخاصة التي جرى تدميرها”.

خطيب زاده جدل دائم منذ البداية
يذكر أن إسماعيل خطيب، وهو وزير الاستخبارات في حكومة إبراهيم رئيسي، واجه منذ البداية تحديات كبيرة خلال عملية منحه الثقة البرلمانية عام 2021، وقد واجه معارضة شديدة من قبل نواب التيار المحافظ الأصولي، لا سيما على خلفية شغله سابقا منصب مدير استخبارات مدينة قم، المدينة الدينية ذات الحساسية السياسية الخاصة.
فقد صرح البرلماني السابق حسين جلالي بأن “وجود خطيب في قم تزامن مع بدايات مؤامرات العدو داخل الحوزات العلمية”، مؤكدا أن الحوزة يجب أن تبقى ثورية، وأن الوزير كان من المفترض أن يتخذ خطوات استباقية للحيلولة دون تغلغل هذه المؤامرات.

ورغم كل هذه الاعتراضات، تمكن خطيب من تجاوز العقبة البرلمانية، فإن بقاءه في منصبه يبدو اليوم مهددا أكثر من أي وقت مضى.
هل يكسر البرلمان حاجز المحظور؟
حتى اللحظة، لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت حملة الاستجواب ستحظى بالدعم الكافي داخل البرلمان لعرضها في جلسة علنية. لكن مجرد طرح فكرة استجواب وزير الاستخبارات يُعد سابقة تنذر بتحول في الثقافة السياسية لإيران، فالبرلمان، الذي لطالما تجنب مساءلة المؤسسات السيادية ذات الطابع الأمني، بات اليوم يظهر توجها جديدا نحو المحاسبة حتى داخل هذه الدوائر المحصنة.
ويجمع عدد من المراقبين على أن مصير إسماعيل خطيب، سياسيا، سيحسم في الأيام والأسابيع القليلة المقبلة، تبعا لقدرته على إقناع الرأي العام والنواب الغاضبين، وفي حال عجزه عن ذلك، قد يسجل اسمه في تاريخ إيران بعد الثورة كأول وزير استخبارات يستجوب ويفقد الثقة علنا تحت قبة البرلمان.
في ظل التجاذبات السياسية الداخلية، والضغوط المتصاعدة من البرلمان ووسائل الإعلام، وموجة الانتقادات الحادة من قبل الرأي العام، يبدو أن وزير الاستخبارات إسماعيل خطيب أمام اختبار مصيري. فإما أن ينجح في امتصاص الغضب وإعادة ترتيب أوراقه داخل السلطة، أو أن يواجه الإقالة تحت عنوان “المساءلة البرلمانية”، في مشهد سيكون له ما بعده على مستقبل علاقة المؤسسات الأمنية بالرقابة التشريعية في إيران.

