هايدغر الإيراني في مفترق الحداثة: قراءة في فكر رضا داوري أردكاني (الجزء الثاني)

كتب: محمد سعید خورشیدي

نقله إلى العربية: الترجمان

الانقطاع التاريخي وسبب تخلفنا

يبحث داوري عن الجذور الأساسية لتخلف إيران في الأسس الفكرية والتاريخية، ويطرح مفهوم الدهشة (الحيرة) كأداة لفهم هذه الأزمة.

فبحسب داوري، فإن اللقاء الأول لإيران مع الغرب لم يتم عبر الأسئلة الفلسفية أو العلمية، بل من خلال ملاحظة القوة العسكرية للغرب والبضائع الاستهلاكية. وقد وقع هذا اللقاء على نحو غير إرادي ومن زاوية التخلف الاجتماعي، لا من موقع فلسفي أو ثقافي.

وقد أدى هذا اللقاء إلى نوع من الدهشة. ويميز داوري بين هذه الدهشة ودهشة العلماء والحكماء، التي تمثل بداية الفكر والسؤال النقدي. فحسب رأيه، فإن الدهشة التي عاشها الإيرانيون عند مواجهة مظاهر التكنولوجيا الغربية كانت دهشة ناتجة عن الصدمة والجهل، ومن ثم تحولت إلى تقليد أعمى، ومحاكاة، وفي النهاية أزمة هوية وضياع.

وهذا يدل على أنّنا دخلنا تاريخ الحداثة بوعي محدود وبلا مقدمة فكرية حقيقية، بينما لم نفهم الأسس الفكرية لهذا التاريخ بعد. ومن قلب هذا التحليل، يشير داوري إلى مفهوم الانقطاع التاريخي وفقدان التاريخية. 

فمقصوده من الانقطاع التاريخي هو أننا لم نبتعد فحسب عن تفكيرنا التاريخي الأصيل، بل إن دخولنا السلبي لتاريخ الغرب جعلنا فاقدين لمكانة أصيلة وفاعلة داخل سياقه.

بمعنى آخر، نحن نعيش في برزخ تاريخي؛ لا يمكننا العودة إلى التراث التقليدي، ولا يمكننا أن نكون حاضرين بشكل فاعل وحيوي في الحداثة.

Image

نقد العلم الحديث والعلوم الإنسانية (التفكير في العلاقة بالعلم)

يعتبر داوري أنّ العلم الحديث، على خلاف الوضعية الإيجابية، ليس أمراً مطلقًا وفوق تاريخي، بل هو شكل خاص ومحدود من المعرفة قائم على الميتافيزيقا الغربية، أي سُلطَة الذات على الموضوع. ويرتبط هذا العلم بسيطرة التقنية، بحيث يحوّل العالم إلى شيء قابل للقياس والسيطرة والاستغلال. ومن هذا المنظور، فإن العلم الحديث، رغم فعاليته، يكشف بُعدًا واحدًا فقط من الحقيقة.

ويرى داوري أنّ العلوم الإنسانية الحديثة (مثل علم الاجتماع، الاقتصاد، وعلم النفس)، التي ظهرت في الغرب لفهم وإدارة المجتمعات الحديثة، تواجه أزمة وظيفية في السياق الثقافي الإيراني. فالسبب أولاً أنّ هذه العلوم نشأت على أساس ثقافة وتاريخ مختلفين، وثانياً أنها في إيران استُخدمت بشكل تقليدي وتقني بحت، بينما الأسس الفكرية التي أُنشئت عليها — مثل مفهوم الفرد، والمجتمع، والعقلانية — غير موجودة في ثقافتنا.

وبناء على ذلك، يرى داوري أنّ أي تطوير محلي ومستقل يحتاج إلى إقامة علم جديد يتناسب مع عالمنا وثقافتنا الخاصة.

الحضور الاجتماعي لداوري …. جدال الهايدغريين والبوبريين
في أجواء الفكر خلال الفترة من 1980 إلى 2000 لعب داوري أردكاني دورًا محوريًا في النقاشات الفكرية التي عُرفت باسم جدال الهايدغريين والبوبريين. فقد وقف داوري، بوصفه أبرز ممثل للتيار المناهض للوضعية والمُرَكّز على الهايدغرية التاريخية، أمام مفكرين مثل عبد الكريم سروش، الذين استندوا إلى أفكار كارل بوبر للدفاع عن العقلانية النقدية، والعلم التجريبي، والمجتمع المفتوح.

وكان النقد الأساسي لداوري أن دعاة البوبرية قد اعتمدوا مفاهيم مثل المجتمع المفتوح بشكل شعاري وأيديولوجي دون فهم عميق لسياقهم التاريخي. ومن وجهة نظره، فإن الإيديولوجية في التعامل مع المفاهيم الفلسفية والعلمية تشكّل عائقا كبيرا أمام التفكير وفهم الحقيقة.

ويرى داوري أنّ الإجابة على قضايا إيران تستلزم العودة إلى الجذور الفلسفية، وأن تكرار شعارات المصلحين الاجتماعيين الغربيين لن يؤدي إلى أي نتيجة إيجابية.

فيلسوف الجمهورية الإسلامية

تُعدّ واحدة من أكثر مراحل حياة داوري الفكرية إثارة للجدل مكانته في هيكل السلطة والنقد الموجّه إليه من هذا الجانب.

لقد شدّد داوري دائماً على الفصل التام بين الفلسفة والأيديولوجيا والسياسة الحزبية. فهو يرى أنّ أصحاب الأيديولوجيا يوظفون الفلسفة لخدمة السياسة، وأن الخضوع لمثل هذه الانتهاكات دليل على ضعف الفلسفة.

 وبالنسبة له، فإن مهمة الفيلسوف تكمن في التفكير في حقيقة عصره وفهم علاقة الإنسان بالوجود، وليس في تقديم تبريرات سياسية أو الانخراط في الخلافات الحزبية.

وفي المقابل، يرى بعض النقاد أنّ نقده الراديكالي للغرب والحداثة الغربية قد أصبح عمليًا خادمًا للخطاب السياسي السائد، وقدم تبريرا نظريا غير مباشر لرفض الغرب سياسيًا. أما داوري، فيردّ على هذه الانتقادات بأنها نتاج سوء فهم وتحامل سياسي، وعجز عن التمييز بين الموقف الفلسفي والموقف السياسي، ويؤكد أنّ موقفه فلسفي وتاريخي بحت، لا سياسي.

Image

شرح الصورة:
من اليمين: مصطفى محقق داماد، رضا داوري أردكاني وعلي محمد كاردان وعبد الكريم سروش في الأكاديمية الإيرانية للعلوم للجمهورية الإسلامية.

يتّخذ داوري موقفاً مزدوجاً ومتميزاً بين الفكر والعمل. ففي الساحة الفلسفية، يوجّه نقدًا قوياً إلى الأسس الإنسانية والذاتية للديمقراطية. أما في الساحة السياسية والعملية، فيوضّح قوله:

“أنا في فلسفة السياسة لديّ نقد للديمقراطية، لكن عندما نتحدث عن السياسة والاختيار السياسي، فهل يمكن القول إن الاستبداد جيد والديمقراطية سيئة؟ هل يمكن القول إن حكم النرويج أو بلجيكا أسوأ من حكم أفغانستان أو فيتنام؟ هذه مسائل واضحة ولا مجال للنقاش فيها. لكن عندما ينتقد شخص ما الديمقراطية، امنحه بعض الاهتمام وانظر ماذا يريد أن يقول”.

هذا التمييز يبيّن أنّ فكره يحافظ على الحد الفاصل بين النقد الوجودي للحداثة والخيارات السياسية العملية للمجتمع، ويتميّز بـ العقلانية في التفريق الاستراتيجي بين هذين المستويين. فرغم نقده للأسس الفلسفية الحديثة للحرية، إلا أنّه يحترم الحرية كقيمة سياسية معاصرة.

Image

تربية جيل من المفكرين وتأثيره على المثقفين المعاصرين في إيران

يُعدّ أحد أهم وأدوم الإرث الفكري لداوري أردكاني هو تأثيره على الجيل التالي في مجالات الفلسفة والعلوم الإنسانية. فقد درّس على مدى ستة عقود، وشكّل حلقة من الطلاب الذين يعملون اليوم في المراكز العلمية الإيرانية على نشر وتطوير الفكر الهايدغري والتقليد القاري.

وقد ساهم هؤلاء الطلاب، إلى جانب الحفاظ على التقليد النقدي لداوري تجاه الحداثة، في تعميق الفهم لعلاقة إيران بالحداثة ومتابعة امتداد هذا الفكر حتى القضايا المعاصرة.

بيجن عبد الكريمّي

من بين هؤلاء المفكرين، يُعدّ بيجن عبد الكريمّي أبرز شخصية، ويعرف بأنه الطالب الرئيس والمروج الرئيس لأفكار داوري. فهو فيلسوف وأستاذ مشارك سابق في جامعة آزاد، وقد استلهم مباشرة من الإرث الوجودي لداوري في مؤلفاته ومحاضراته، مثل كتبه نقد ما بعد الحداثة ودراسة الحداثة، لنقله إلى الجيل الجديد. وغالبا ما يُوصف عبد الكريمّي كـ خليفة غير رسمي لفكر داوري، حيث يؤكد في اللقاءات الفكرية ضرورة فهم “الطريق المحتوم” للتنمية ونقد الذاتية الغربية.

وقد دافع داوري بنفسه عن عبد الكريمّي، خصوصًا بعد فصله المؤقت من الجامعة في عام 2021، مؤكداً استقلالية تفكير طلابه واعتبار ذلك علامة على نجاحه التعليمي. كما تم تقديم عبد الكريمّي في مجموع مؤلفات داوري المنشورة بوصفه الوصي والمسؤول عن المواد المنشورة.

إلى جانب عبد الكريمّي، هناك طلاب آخرون مثل جواد ميري (فيلسوف وباحث في الفلسفة القارية) الذين ينتمون إلى الحلقة القريبة من داوري. كما يمكن إدراج شخصيات أخرى مثل حسين كلباسي اشتري وشاهين أريامنش ضمن طلابه الذين يلعبون دورا رئيسيا في نشر أفكار داوري. ومع اختلاف وجهات نظرهم، فإن هؤلاء الطلاب يمثلون وحدة الإرث الفكري لداوري في التأكيد على التأمل العميق المبني على الفلسفة القارية والتحرر من الأيديولوجيات السطحية.

لقد أسس داوري الموجة الثالثة من الفكر المعاصر في إيران (نقد الحداثة استنادا إلى هايدغر وفرديد)، كما أتاح من خلال تربية جيل من الأساتذة فضاءً للحوار النقدي بين التقليد والحداثة. فدعوة داوري إلى فهم عميق لطبيعة الحداثة فتحت المجال لدراسة الفلسفة الغربية، وحثّت جزءاً من النخبة والشباب المفكرين على استكشاف أعمال هايدغر وفرديد والمفكرين القاريين، لفهم العقلانية الأداتية للتنمية وذاتها الحضارية الغربية، ومن ثم الوصول إلى عقلانية تنموية محلية مستقلة.

من معاداة الغرب إلى الحتمية الغربية

شهد مسار فكر داوري خلال العقود الأخيرة تحولات ملحوظة، اعتبرها بعضهم دليلاً على فشل افتراضاته الأولى في التعامل مع الحقائق العالمية.

ففي أحدث أعماله، ابتعد داوري عن موقف الرفض الراديكالي للغرب، وتناول بشكل جدي مسألة التنمية والتخلف التنموي. فهو لا يرى التنمية والحداثة كخيار اختياري يمكن رفضه أو قبوله، بل كـ نظام تاريخي عالمي وطريق محتوم يشمل جميع المجتمعات.

وهذه النقلة تمثل في الواقع اعترافًا بأن إقامة عالم مختلف تمامًا عن الغرب، كما كان يُرجو في العقود السابقة، ليس بالأمر السهل، وأنه أصبح لا بد من مواجهة قواعد التاريخ في العالم الجديد.

وفي مرحلته المتأخرة، يوجّه داوري نقده إلى من يعتبرون التنمية مجرد قضية اقتصادية أو سياسية، أو يظنون بطريقة سطحية أنه يمكن تحقيقها عبر شعارات التنمية أو خطط سطحية. ويرى أنّنا بدلاً من التفكير المشترك والتأمل في وضعنا التاريخي، وقعنا في لوم متبادل وإلقاء للاتهامات، وما زلنا لا ندرك بدقة ما هي الحداثة وما علاقتنا بها. ويؤكد داوري أن المجتمع الإيراني اليوم، سواء في الفضاء العام أو الأكاديمي، يواجه مشاكل عديدة، مع أنه لم يحدد بعد قضيته الجوهرية.

وقد واجه هذا التحوّل في مواقف داوري ردود فعل متباينة في المجتمع الفكري والسياسي الإيراني. فمثلاً، يرى محللون مثل محسن رناني أن موقفه المتأخر يمثل اعترافًا بفشل المشاريع الأيديولوجية في تحقيق حلم إقامة “عالم آخر”.

تقدّم هذه القراءة نوعاً من الواقعية العملية مقابل الأفكار الثورية والراديكالية، ويحاول هؤلاء أن يجعلوا مواقف داوري المتأخرة أداة لتأكيد رؤاهم حول ضرورة التنمية، ونقد الحكم الإيديولوجي، واحترام العقلانية الحديثة.

Image

شرح الصورة: رواية محسن رناني عن تحول نموذج التفكير لدى رضا داوري أردكاني

إن فكر داوري أردكاني، سواء في نقده الراديكالي للغرب في مراحل مبكرة أو في تأكيده على الطريق المحتوم للتنمية في مراحل لاحقة، كان دائمًا يسعى إلى تحقيق وعي تاريخي ذاتي. فموقفه النقدي ليس نتاج معارضة سياسية فحسب، بل هو ثمرة التزام فلسفي عميق بالتفكير. ويرى داوري أن الشعاراتية والتعامل الأيديولوجي تشكّل عائقًا أمام التفكير الأصيل، وتمنع المجتمع من فهم الواقع بشكل صحيح.

ومن هنا، فإن نقده للشعارات مثل “الموت لأمريكا” أو موقفه الحذر تجاه مشاريع “تأسيس العلوم الإنسانية على الإسلام”، لا ينبع من رفض للأهداف، بل من حرصه على تجنّب التبسيط السطحي للقضايا. فهو يرى أن العلم المحلي أو الإسلامي يجب أن ينبثق من تفكير أصيل وتحول ثقافي جذري، ولا يمكن الوصول إليه عبر وسوم أو هندسة من الأعلى. وبذلك، يؤكد داوري صحة المسار والمنهج للوصول إلى العلم الديني والمحلي، لا على رفضه.

ومن خلال تربية جيل من المفكرين وطرح أسئلة جوهرية حول وضع إيران التاريخي، ترك داوري إرثًا من المثقف الناقد والسائل، الذي لا يزال يؤكد أهمية التأمل العميق المبني على الفلسفة القارية للوصول إلى عقلانية التنمية المحلية المستقلة.