- زاد إيران - المحرر
- 501 Views
أجرت صحيفة فرهيختكان الأصولية، الثلاثاء 15 يوليو/تموز 2025، حوارا مع الخبير في الشؤون الروسية شعيب بهمن حول أسباب تحفظ موسكو في دعم إيران خلال الحرب الأخيرة، والخلفيات السياسية لهذا الموقف، إلى جانب تقييم آفاق العلاقات المستقبلية بين طهران وموسكو.
وفي ما يلي نص الحوار:
هل طرأت تغييرات على المواقف الإعلامية والعملية لروسيا خلال الحرب وبعدها؟
كانت مواقف الروس منذ البداية وحتى ما بعد اندلاع النزاع واضحة، واستمرت على هذا النحو حتى النهاية. ومع أن موقفهم تضمن نقاط ضعف وقوة، فإنهم في بداية الحرب دعوا إلى إنهاء القتال، واعتبروا إسرائيل معتدية وأدانوا هجومها، إلا أن موقفهم لم يكن قويا بما فيه الكفاية، أو على الأقل لم يكن بالمستوى الذي كانت إيران تتوقعه، أي أن يتخذ الروس موقفا أكثر حدة وصلابة ويعلنوه بوضوح أكبر.
لكن تدريجيا، وخاصة بعد زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى موسكو ونقل رسالة واضحة من إيران، يبدو أن الروس بدأوا يُظهرون مواقف أكثر شفافية، سواء عبر تصريحات مسؤوليهم الرسميين أو في المؤسسات الدولية مثل اجتماعات الأمم المتحدة المختلفة، بما في ذلك جلسة مجلس الأمن التي عُقدت في هذا الصدد، حيث اتخذ الروس مواقف أدق وأكثر جدية.
لذلك، يمكن القول إن موقف روسيا من إيران كان واضحا وثابتا، لكنه كان ضعيفا في البداية ثم تطور وأصبح أكثر دقة، وأدانوا بوضوح عدوان إسرائيل وأمريكا. ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن الموقف الروسي مرّ بمسار تطوري. أما أن يكون هناك تناقض، بمعنى أن يكونوا قد اتخذوا موقفا معينا ثم غيّروه لاحقا، فلا يُلاحظ حدوث مثل هذا الأمر.

في ظل ظروف الحرب والملفات التي تواجهها إيران في المحافل الدولية، ما الدور الذي يمكن أن تؤديه روسيا؟
بناء على الإمكانات والخصائص التي تمتلكها، تستطيع روسيا القيام ببعض الأنشطة. فباعتبارها عضوا دائما في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، يمكنها بطبيعة الحال أن تطرح قضايا تصبّ في مصلحة إيران وتعمل على منع صدور قرارات ضدها. ومع ذلك، فإن هذا الدور هو سلبي أكثر منه إيجابي؛ بمعنى أن الروس، بدلا من أن يكونوا قادرين على المساعدة في إصدار قرار لصالح إيران، يمكنهم بالأحرى منع تشكيل قرار ضدها.
والسبب في ذلك هو أن روسيا، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، كانت تواجه نظرة عدائية من الدول الغربية، وهذه النظرة تعمّقت أكثر بعد حرب أوكرانيا، مما يعني أن الروس حاليا ليسوا في موقع أو مكانة تمكّنهم من إجراء مشاورات موسعة مع الدول الغربية، وخاصة الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، أو التأثير فيهم لإقناعهم بوجهة نظر معينة.
وعلى هذا الأساس، فإن نهج روسيا في مجلس الأمن هو أقرب إلى السلبية منه إلى الإيجابية؛ فهم غير قادرين على خلق حالة إجماع لإصدار قرار داعم لإيران، لكنهم يستطيعون منع صدور وتبنّي قرارات ضدها.
وفي المجال الدولي، تتمثل الحقيقة في أن روسيا، بعد حرب أوكرانيا، واجهت ضغوطا شديدة من جانب الدول الغربية بهدف عزلها. غير أن تلك السياسة الغربية، نظرا إلى المكانة والموقع الجيوسياسي الذي تتمتع به روسيا، لم تكن فعّالة على النحو المنشود. ومع ذلك، فإن روسيا، في الظروف الراهنة، لا تحظى بين الدول الغربية بمكانة تمكّنها من التأثير الفعلي أو لعب دور صانع للقرارات.
أما بين الدول غير الغربية، فلا تزال هناك فرصة متاحة أمام روسيا لاستثمار إمكانات وطاقات أخرى، كما حدث بالفعل في بعض الأطر والمؤسسات مثل منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة بريكس، حيث استُخدمت تلك المنصات لدعم إيران.
ولكن، في المجمل، تظل الحقيقة أن الرهان على قيام روسيا بأدوار فاعلة لصالح إيران على المستوى الدولي يجب ألا يُبنى على قدرتها على خلق إجماع دولي، إذ إن موسكو تفتقر في الوقت الراهن إلى هذه القدرة، ويقتصر دورها على مواقف فردية مباشرة، لا على بناء تكتلات أو تحالفات دولية واسعة.
بعد الحرب التي خاضتها إيران، كيف ستكون علاقتنا مع روسيا، خاصة في ظل تصريحات مسؤولي وزارة الخارجية خلال الأيام التي تلت الحرب، عن إعادة النظر في التعامل مع بعض الدول؟ وهل ستشمل هذه المراجعة روسيا أيضا؟
لا شك في أنه ستُجرى مراجعات في بعض الاعتبارات. كما أشرتُ، فإن الموقف الأولي لروسيا، رغم أنه لم يكن خاطئا، فإنه اعتُبر موقفا ضعيفا للغاية، ولهذا السبب قام عراقجي خلال زيارته لموسكو ولقائه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بنقل رسالة واضحة من الجهاز الدبلوماسي الإيراني إلى الجانب الروسي. وهذا بحد ذاته يدل على أن مواقف روسيا الأولية لم ترقَ إلى مستوى تطلعات إيران.
وصحيحٌ أن الروس حاولوا لاحقا تصحيح مواقفهم وتحسينها، ولكن الحقيقة أن بعض المراجعات ستُجرى بالتأكيد، وإنْ لم يكن ذلك بمعنى خفض مستوى العلاقات أو الدخول في مرحلة من التوتر بين البلدين.
فالعلاقات والتعاون بين إيران وروسيا سيستمران كما كانا في السابق،لكن من المؤكد أن الجانب الإيراني سيعيد النظر في بعض حساباته، وسيعمل على بناء شراكات جديدة في بعض مجالات التعاون التي كانت قائمة مع روسيا، ولن يقتصر فقط على التعاون مع الروس. كما سيحرص على تنويع شراكاته، وخاصة في المجال العسكري، من خلال التعاون مع دول أخرى أيضا، وعدم حصرها في التعاون الثنائي مع روسيا.
وعلى الرغم من أن إيران لا ترغب في توتير علاقاتها مع موسكو، وكذلك الروس لا يريدون أن تؤثر الحرب سلبا على علاقات البلدين، فإن هناك بالتأكيد مراجعات ستُجرى في الحسابات الإيرانية تجاه الطرف الروسي.
بالنظر إلى هذه المعطيات، ما النهج أو الاستراتيجية العقلانية في التعامل مع روسيا؟
ينبغي أن نستمر في الحفاظ على مستوى التعاون مع روسيا ضمن الإطار الطبيعي، بل ويمكننا حتى توسيع هذا التعاون في مجالات متعددة، إذ لا توجد قيود في هذا الشأن على صعيد العلاقات بين إيران وروسيا.
لكن في الوقت نفسه، في بعض المجالات الحساسة التي كنا نتعاون فيها مع الروس، سنتجه نحو تنويع شركائنا. وهذا هو النهج الأكثر عقلانية الذي يمكننا اتباعه في التعامل مع روسيا، وفي الواقع، ينبغي أن نواصل السير على هذا الأساس في الظروف الحالية.
ما الأسباب الرئيسية وراء الموقف غير القوي لروسيا في مواجهة حرب إسرائيل ضد إيران، وما الذي يفسّر لاحقا عتاب إيران لروسيا؟
إن النقطة الأساسية التي شكّلت محلّ عتاب من الجانب الإيراني تجاه روسيا خلال هذه الفترة تعود إلى أن إيران، عند اندلاع حرب أوكرانيا، لم تفسّرها على أنها مجرّد نزاع بين روسيا وأوكرانيا، بل قرأتها في إطار أوسع، واعتبرتها صراعا استراتيجيا بين روسيا وحلف الناتو. وقد كان هذا التحليل واضحا في مواقف كبار المسؤولين الإيرانيين.
لكن في المقابل، وقعت روسيا في خطأ تحليلي حين قلّلت من شأن العدوان الذي شنّته إسرائيل على إيران، ورأت فيه مجرّد مواجهة ثنائية بين إيران وإسرائيل. بينما الواقع يفرض قراءة أوسع، تماما كما قرأت إيران حرب أوكرانيا. فما جرى لم يكن مجرّد مواجهة إيرانية–إسرائيلية، بل كان صراعا كبيرا تقف خلفه كافة قدرات وإمكانات حلف الناتو، مسخرة لصالح إسرائيل. 
ولو قُدّر للطرف المعادي أن يحقق النصر، لكان لذلك تبعات خطيرة على دول مثل روسيا والصين.
وفي الفكر الاستراتيجي الغربي، لطالما طُرح أن إيران وروسيا والصين تُشكّل أضلاع مثلث، وإذا ما قررت هذه الدول الثلاث يوما ما تحدي الغرب، فستكون في طليعة المواجهة.
ومن هنا، وبعد تطورات المنطقة الأخيرة، تبنّى الغرب تحليلا مفاده أن إضعاف هذا التحالف الثلاثي يتطلب ضرب أحد أضلاعه، وأن إيران حاليا، بسبب الأحداث في المنطقة، هي الحلقة الأضعف. وبالتالي، فإن استهداف إيران هو المدخل الأنجع لضرب هذا المحور، على أن يتبعه التوجه نحو روسيا والصين.
لذا، إذا وقعت روسيا والصين في خطأ التحليل التقليلي واختزلت هذا النزاع على أنه مجرّد صراع إيراني–إسرائيلي، فإنهما ترتكبان خطأ استراتيجيا كبيرا قد ينعكس عليهما في المستقبل. أما إذا نظروا إلى ما جرى من زاوية تحليل استراتيجي أوسع، فستكون قراراتهم ومواقفهم مختلفة جذريا.
والتحليل السليم يقتضي فهم هذه الحرب في إطار المواجهة الكبرى مع الغرب — تلك المواجهة نفسها التي دفعت روسيا إلى دخول حرب أوكرانيا، وقد تدفع بالصين إلى خوض حرب محتملة في تايوان. وبالتالي، إذا نُظر إلى النزاع من هذا المنظور، فإن روسيا والصين، كلتاهما، ينبغي أن تعيدا النظر بجدية في مواقفهما وتعاونهما مع إيران

