- زاد إيران - المحرر
- 349 Views
في لحظة سياسية شديدة التعقيد تتجدد فيها معركة السرديات حول الاتفاق النووي الإيراني، عاد الرئيس الأسبق حسن روحاني إلى الواجهة مدافعا عن إنجازه الأبرز في الحكم، ورافضا اتهامات التقصير التي تطارده منذ بدء تفعيل آلية سناب باك من قبل الترويكا الأوروبية، إلا أن خطابه الصارم قوبل بانتقادات حادة، أظهرت عمق الخلاف في الداخل الإيراني، خلاف في الرؤى وآليات التنفيذ قد ينعكس على سير المفاوضات الحالية.
إذا كان الهدف العودة لما قبل الاتفاق، فقد بلغتم مرادكم، فلماذا الاعتراض؟
فقد صرح حسن روحاني، الرئيس الإيراني الأسبق، خلال لقاء مع مستشاريه الخميس 4 سبتمبر/أيلول 2025، وردا على منتقدي الاتفاق النووي، قائلا: “أحد الموضوعات التي تثار هذه الأيام هو آلية حل النزاعات الواردة في الاتفاق النووي وقرار مجلس الأمن رقم 2231 والمعروفة بسناب باك، والتي تعني إعادة القرارات الصادرة قبل الاتفاق ما بين عامي 2006 و2010، هذه القرارات الستة جميعها تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وقد وجهت الدول الأوروبية الثلاث رسالة لمجلس الأمن تطلب تفعيل هذه الآلية، وهي عملية تستغرق 30 يوما حسب نصوص الاتفاق وقرار 2231”.

ويتابع: “ويتساءل البعض هل يشكل السناب باك مشكلة حقيقية؟ في المجتمع هناك من يراه بلا أهمية ومن يراه بالغ الخطورة، اقتصاديا قد لا يضيف ضغطا كبيرا في ظل العقوبات الأميركية، لكن سياسيا وقانونيا، فإن عودتنا إلى مظلة الفصل السابع أمر شديد الخطورة، فمن الناحية القانونية، فالدول الأوروبية الثلاث لا تملك الحق، فالبند 37 من الاتفاق النووي وما بعد البند 10 من قرار 2231 يشترطان حدوث نقض جوهري من الطرف المعني، في حين أن الجمهورية الإيرانية التزمت بالكامل منذ البداية، والدليل أن ترامب عندما أراد الانسحاب عام 2018 حاول أولا عبر الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن يثبت إخلال إيران فلم يجد سبيلا، فانسحب أحاديا، إذن أول من نقض الاتفاق نقضا أساسيا هو ترامب نفسه”.
ويضيف: “لقد تصرفت إيران بحكمة ولم تغادر الاتفاق فورا رغم انسحاب أميركا، لتبقى مجموعة 1+4 إلى جانبها سياسيا وإعلاميا، ولقد منحنا الأوروبيين سنة كاملة لوعدهم بتعويض العقوبات ولم ينفذوا أحد تعهداتهم الإحدى عشرة، ثم بدأنا منذ مايو/أيار 2019 بخمس خطوات لخفض الالتزامات مع إبلاغ 1+4 في كل مرة ومنحهم مهلة شهرين للعودة، رغم ذلك حافظنا على التعاون الكامل مع الوكالة الذرية، وفي 2020 منيت أمريكا بثلاث هزائم متتالية في مجلس الأمن والجمعية العامة عندما حاولت تمديد حظر السلاح واستخدام السناب باك وتفعيل لجنة العقوبات”.

ويوضح: “لم تف أوروبا التي بتعهداتها، ولا يحق لها اليوم ادعاء أن إيران أخلت بالاتفاق، أضف إلى ذلك أن وزراء أوروبيين أعلنوا صراحة أنهم تجاوزوا الاتفاق النووي من الأساس ويريدون تصفير التخصيب، فكيف يحتجون ببند من اتفاق يعلنون تجاوزه؟ ثم إنهم دعموا لفظا وعملا الاعتداء الأمريكي الإسرائيلي على إيران ولم يدينوا قصف منشآتنا النووية، بل قال المستشار الألماني إن “إسرائيل قامت بما فشلنا في القيام به وإنها تقوم بالعمل بدلا منا في الشرق الأوسط، لذا لا أساس قانوني أو سياسي أو أخلاقي لطلبهم”.
وفي نقض صريح لحملة التشويه للاتفاق النووي، والذي يعتبره روحاني أحد أهم المنجزات السياسية والدبلوماسية في تاريخ إيران بعد الثورة، قال روحاني: “الغريب أن الرافضين للاتفاق النووي جملة يعتبرون آلية العقوبات المنصوص عليها دليلا على فشل الاتفاق، بينما هذا البند كان يجمد القرارات عشر سنوات لتنتهي نهائيا هذا الخريف.
إذا كان الاتفاق سيئا فلماذا تعتبرون عودة القرارات مأساة؟ أنتم الذين حرقتم نص الاتفاق وقلتم القرارات مجرد قصاصات ورق، فلتلزموا الصمت، إيران التزمت بتعهداتها ومنحت 1+4 فرصا متكررة، لو كنا خرجنا مع أميركا عام 2018 لعادت القرارات فورا، أوقفنا مفاعيلها عشر سنوات، فهل كان ذلك خطأ؟ بل العكس، ولو عدنا للاتفاق في 2021 كما كان مهيأ مع إدارة بايدن لما تكبدنا نحو 500 مليار دولار خسائر ولم نكن اليوم نواجه السناب باك ولا حتى ذريعة حرب 12 يوما الأخيرة”.
“أنت من عليك أن تعتذر أو تصمت”
هذا وقد أثارت نبرة روحاني خلال دفاعه عن الاتفاق النووي استياء البعض، ما دفع محمد مهدي تقوي، الناشط الحقوقي، للرد على ما جاء في خطابه في مقال لوكالة آنا الإخبارية، الجمعة 5 سبتمبر/أيلول 2025، حيث قال: “إن هجمات الرئيس الأسبق وإهاناته لمعارضي الاتفاق النووي، والتي بدأت منذ أيام مفاوضات رئاسته، لم يكن لها أي مبرر آنذاك، لكنها اليوم، ومع تفعيل العقوبات، فهي بلا أي وجه إطلاقا، بل كان الناس يتوقعون أن الدكتور روحاني، وقد نطق بعد صمت طويل، يعتزم الاعتذار من الشعب الإيراني”.

وأضاف تقوي موضحا مسؤولية روحاني وحكومته عن آلية العقوبات قائلا: “بغض النظر عن أثرها القليل أو الكبير على اقتصاد البلاد، فمن الذي قبل إدراج الآلية في الاتفاق؟ الجواب واضح، هم نفسهم من ادعوا فهم لغة العالم، فبحسب ما نقله الدكتور ظريف، وزير الخارجية الإيراني الأسبق، دخل شخص يدعى فرانشيسكو، إن كان موجودا أصلا، في اللحظات الأخيرة وطرح إضافة هذا البند، فوافق فريق المفتون بالغرب، عليه دون تدقيق. والنتيجة أن العقوبات الأممية الستة التي أُلغيَت بقرار 2231 ستعود قبيل غروب شمس أخر أكتوبر/تشرين الأول، بينما كان يفترض إلغاؤها نهائيا”.
ويتابع: “إن الخبراء والمنتقدين حذروا مرارا في أثناء المفاوضات من ضرورة التعامل مع الغرب، خاصة أمريكا، بعين الريبة، لكنهم وجهوا بعبارة لقد وقع جون كيري، وزير الخارجية الأمريكي، ضمانا، بعدها أبرم الاتفاق، ووزير الخارجية الأميركي لم يعط أي ضمان، بل أوصى المصرفيين في اجتماع بأن يتعاملوا مع إيران كأنها ما زالت خاضعة للعقوبات، هذا جرى في عهد أوباما أثناء بدء تنفيذ الاتفاق، لا في عهد ترامب، الذي كان منتقدون كثر يتوقعون خروجه من الاتفاق وطالبوا بإقراره في الكونجرس”.

ويوضح: “الحقيقة أن روحاني لم يقتنع يوما بسماع نصائح الساسة والمنتقدين وأهل الإعلام المحترمين، وكان يرد عليهم بالسباب، ومع موت الاتفاق النووي عمليا، وتضاعف سعر الدولار عشرات المرات، وانهيار قيمة العملة، وتضخم يفوق 50% في حكومته، كان المنتظر أن يقول لقد أخطأت وأعتذر، أو على الأقل أن يصمت، لا أن يواصل الدفاع عن أداء غير قابل للدفاع ويهاجم المنتقدين مجددا”.
ويختتم تقوي بقوله: “بدأت مفاوضات 2013 بعد شهرين من رئاسة روحاني بداية خاطئة تمثلت في التراجع وتقديم التنازلات لإظهار حسن نية للغرب، فحتى قبل أي إجراء مقابل، علّقت حكومته تخصيب اليورانيوم بنسبة 20% بلا مقابل، ما بعث برسالة ضعف، مفادها نحتاج فعلا إلى رفع العقوبات، وعندما تطلق مفاوضات مهمة بهذا الشكل، فإن مسارها يميل للأسوأ”.
من يجب أن يصمت؟
كذلك، فقد تناولت صحيفة وطن امروز في عددها لليوم السبت 6 سبتمبر/أيلول 2025، مسألة الاتفاق النووي ورد روحاني حيث تساءلت: “لماذا ارتكب روحاني وفريقه خطأ فادحا عند صياغة نص الاتفاق، بحيث يتيح للدول الأوروبية استغلال البند لإعادة فرض عقوبات مجلس الأمن؟ نصوص هذا البند صيغت بحيث لا تحتاج عملية تفعيل العقوبات إلى إثبات قانوني أو إجماع، بل يكفي ادعاء طرف واحد”.

وفي جوابها تقول: “يذهب بعض المحللين إلى أن موافقة فريق روحاني على هذا النص، وهو استثناء في تاريخ الاتفاقيات الدولية، نتجت عن سياسة حكومة روحاني القائمة على التوصل إلى أي اتفاق أفضل من عدم الاتفاق، أي السعي لاتفاق بأي ثمن، المنتقدون حينها حذروا مرارا من أن هذه العقلية تغلب المصالح الشخصية والفئوية على المصلحة الوطنية، وبالتالي لن تحقق الغاية الأساسية وهي رفع العقوبات، وقد طالبوا ظريف بأن يتصرف كوزير خارجية لإيران لا كممثل لتيار سياسي، غير أن الفريق المفاوض ظل يبعث برسائل تفيد بأن إنجاز الاتفاق يخدم التيار الغربي داخل إيران”.
وتتابع: “لقد طالب المنتقدون منذ البداية بضمانات تقيد الجانب الأميركي، وحذروا من احتمال انسحاب ترامب إذا وصل للرئاسة، لكن الفريق المفاوض اكتفى بتوقيع جون كيري بوصفه ضمانا، وبدأت نقض التعهدات الأميركية فورا في عهد أوباما، فقد صرح رئيس البنك المركزي آنذاك ولي الله سيف بعدم تنفيذ الالتزامات المصرفية، واصفا مكاسب إيران بأنها تقريبا لا شيء”.
ويذكر التقرير: “وعندما انسحبت أمريكا من الاتفاق، نصح المنتقدون بتقليص التزامات إيران فورا، لكن روحاني أصر على مواصلة الاتفاق مع أوروبا وطرح فكرة، إنستكس، الآلية الأوروبية لتعويض إيران بسبب العقوبات الأمريكية، والتي فشلت رسميا بعد عامين من التعطيل، آلية سناب باك مثال آخر، فقد أنكر ظريف أولا وجودها في الاتفاق، ثم ادعى استحالة تفعيلها، بينما حذر المنتقدون استنادا إلى البنود 36 و37 من قابلية الأوروبيين لاستغلالها، وهو ما حدث اليوم”.

ويضيف: “اليوم، ومع بدء ترويكا أوروبا تفعيل آلية سناب باك، أصبحت الانتقادات لنهج روحاني أكثر وجاهة، فالرأي العام أدرك أن ما قاله منتقدو الاتفاق كان مبنيا على فهم واقعي لطبيعة المواجهة مع الغرب، فالاتفاق النووي كشف تناقض رؤيتين داخل إيران، رؤية تيار غربي يثق بالنظام الدولي وبالتزام الغرب، ورؤية واقعية تشدد على ضرورة التفاوض بحذر وعدم الوثوق بتعهدات أميركا وأوروبا إلا بضمانات صلبة”.
ويختتم بقوله: “الخلاصة أن الاتفاق النووي فشل، وأن فكرة التعويل على أميركا ساقطة، وتكرار الثقة بهذا النهج يعني إعادة الخطأ والدوران في حلقة مكلفة. وفي وقت تبذل فيه الدولة جهودا دبلوماسية لمواجهة تفعيل الآلية، على من تسببوا في هذا الوضع أن يلتزموا الصمت، ويبقى النقاش مفتوحا، كيف يتعامل مع أشخاص أوقعوا البلاد في هذه الخسائر ثم يظهرون بمظهر صاحب الحق ويواصلون فرض أفكارهم الفاشلة؟”.

