جدل في إيران بعد تصريحات لعضو بمجمع تشخيص مصلحة النظام حول الحجاب: انقسام أصولي أم تحوُّل في الخطاب الرسمي؟

محمدرضا+باهنر+

كتب: الترجمان

أشعل تصريح محمد رضا باهنر، عضو مجمع تشخيص مصلحة النظام الإيراني، جدلا واسعا في الأوساط السياسية والدينية، بعدما قال في حوار إعلامي إنّ “قانون الحجاب لم يعد واجب التطبيق في إيران”

تصريح بدا بسيطا في ظاهره، لكنه سرعان ما تحوّل إلى كرة نار سياسية ودينية، استدعت ردود فعل غاضبة من مؤسسات رسمية، وفتحت الباب أمام تساؤلات حول مستقبل السياسة الدينية في البلاد، وحدود المسموح في الخطاب العام داخل التيار الأصولي.

ردود رسمية غاضبة

جاء الردّ الأول سريعا من هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ حيث أكّد حجّة الإسلام والمسلمين، محمد حسين طاهري أكردي، القائم بأعمال الهيئة، في تصريح نقلته صحيفة  “همشهري أونلاين” أنّه “لا يجوز طرح الآراء الشخصية باعتبارها سياسات عامة للنظام”.
وأضاف أنّ “واجب المسؤولين هو صون هيبة مناصبهم، وحماية مصالح إيران ودماء الشهداء، والالتزام بتوجيهات الإمام الخميني والمرشد الأعلى علي خامنئي”.

وحذّر من أنّ “أيّ تصريح يُخالف الشريعة أو مبادئ الإسلام العامة باسم النظام يُعدّ إخلالاً بمصلحة البلاد”، مشيرًا إلى أن “النصيحة الشفوية” هي جوهر عمل الهيئة وليست أداة للمواجهة.

من جانبه، هاجم رئيس هيئة الإعلان الإسلامي باهنر، معتبرا أن “الآراء الخاطئة بشأن الحجاب واللباس الاجتماعي تُضعف التماسك الوطني وتفتح الباب أمام الانحلال القيمي”، وفقا لما ورد في وكالة الإذاعة والتلفزيون الإيراني.

وفي البرلمان، تساءل المتحدث باسم اللجنة الثقافية قائلا:

“أليست مثل هذه التصريحات تشجيعا على السفور؟ عن أي مصلحة نتحدث؟ مصلحة النظام الإسلامي أم النظام الغربي المنفلت؟”.
كما دعا المدّعي العام إلى “محاسبة كل من يروّج لظاهرة نزع الحجاب”، معتبرا أنّ هؤلاء “يستهدفون كيان النظام مثل من يخوّف الناس من الحرب”.

Image

باهنر: “الحجاب ليس إجبارياً.. لكن العريّ له حدود”

في المقابل، دافع محمد رضا باهنر عن تصريحاته، قائلا في حديث نشرته صحيفة خراسان: “منذ بداية الثورة، لم أكن أؤمن بالحجاب الإجباري، ولا أزال على هذا الموقف، لكن السؤال الأساسي هو: إذا لم يكن الحجاب إجباريا، فإلى أي مدى يكون العُري حرّا؟ كل دولة لديها أعراف في اللباس يجب احترامها، أما فرض نوع محدد من الحجاب فهو خطأ”.

وأضاف أنّ “بعض الأشخاص لا يزالون يطالبون بالحجاب الإجباري ويعتصمون أمام البرلمان، لكن الواقع أن القانون لم يعد واجب التنفيذ”.

تصريحات باهنر، وهو نائب سابق لرئيس البرلمان وأحد رموز التيار المحافظ التقليدي، أثارت مفاجأة لدى حلفائه قبل خصومه، خصوصا أن مواقفه الجديدة تمسّ أحد أكثر الملفات حساسية في النظام الإيراني.

صدمة في معسكر الأصوليين

صحيفة “خراسان” عنونت تحليلها حول القضية بعبارة لافتة: “هذا باهنر… ليس ذاك باهنر”، مشيرة إلى أن المواقف الأخيرة “تمثّل خروجا واضحا عن الخط الفكري والسياسي للتيار الذي ينتمي إليه”.

وأوضحت الصحيفة أن المشكلة لا تكمن في “حرية الرأي”؛ بل في “موقع صاحب التصريح”؛ لأنّ عضو مجمع تشخيص مصلحة النظام “ليس مجرد سياسي، بل جزء من المؤسسة التي توازن بين الشرع والمصلحة”.

من هذا المنطلق، ترى الصحيفة أن باهنر “أعاد إنتاج الصورة التي تروّجها وسائل الإعلام الغربية عن سياسة الحجاب في إيران”، وهي صورة تجعل النظام في موقع الفرض القسري بدل التنظيم الاجتماعي؛ مما يجعل حديثه مضرًّا فقهيًا وسياسيًا في آن واحد.

Image

ردود الفعل داخل التيار الأصولي

تواصلت المواقف الغاضبة داخل التيار الأصولي، فكتب محمد قمي، رئيس منظمة الإعلان الإسلامي، في منشور عبر شبكة ويراستي الإيرانية:

“ألا يدرك المسؤول الذي يفتقد إلى البصيرة أن مثل هذه التصريحات الخاطئة بشأن الحجاب واللباس الاجتماعي تُضعف التماسك الوطني؟”.

وأضاف: “عجزنا نحن المسؤولين جميعا عن أداء دورنا كما ينبغي، فحوّلنا مشاركة النساء والشباب إلى مسار خاطئ، وأتحنا الفرصة للمتربّصين بأمتنا”.

Image

وفي تصريح آخر، رأى الصحفي الأصولي سعيد آجرلو أن أقوال باهنر “تمثّل علامة على انقسام جديد داخل التيار الأصولي التقليدي”، معتبرا أن “باهنر وحزب مؤتلفة الإسلامي باتا في مسارين متباعدين”.

وأضاف آجرلو في تحليله أن “اليمين التقليدي يعيش اليوم تجربة جديدة من التصدّع الفكري والسياسي”.

Image

“كيهان” تدخل المعركة

الصحيفة الأكثر تشددا في إيران، كيهان، لسان حال المرشد الإيراني، علي خامنئي، دخلت على الخط بمقال افتتاحي لـ حسين شريعتمداري، الذي وصف استخدام مصطلح “الحجاب الإجباري” بأنه “من اختراع أعداء الإسلام والثورة”، مضيفا: “المجلس الأعلى للأمن القومي لم يصدر أي قرار بوقف تنفيذ قانون الحجاب، وما قاله باهنر خروج عن المسار الشرعي والقانوني وضربة للوحدة الوطنية”. 

وفي البرلمان، هاجم النائب محمد تقي نقد علي باهنر بشدة، قائلا: “من كان يوما نائبا لرئيس البرلمان، يقول اليوم إن الحجاب لم يعد له سند قانوني! ليخجل من دماء شقيقه الشهيد”.

وأضاف أن “التهاون في تطبيق الأحكام الشرعية، وعلى رأسها الحجاب، يهدد الأمن الاجتماعي ويزعزع النظام”.

انتقادات حادة من رجال الدين والنواب

بدوره، كتب روح الله حريزاوي، نائب رئيس منظمة الإعلان الإسلامي، تعليقا لاذعاً: “كن مصلحا، لكن كن خجِلا من عاقبتك”.

بينما قال علي نيكزاد، نائب رئيس البرلمان:
“قانون الحجاب الذي أقرّه البرلمان لا يتعارض مع الشريعة، وقد صادق عليه مجلس صيانة الدستور، لكنّ تأجيل تنفيذه لأسباب أمنية لا يعني أنه أُلغي”.

أما النائب محمد مهدي راستينه من جبهة بايداري فقد وصف تصريحات باهنر بأنها “تشجيع على السفور وإضعاف للنظام الإسلامي”، داعيا إلى اتخاذ “إجراءات حازمة ضدّ من يبرّرون نزع الحجاب”.

تحليلات متباينة

الكاتب والإعلامي الأصولي عبد الله كنجي نشر مقالة في حسابه على منصة إكس، قال فيها إنه درس نحو 30 حالة لرموز ثورية سابقة تحولت إلى منتقدة أو معارضة للنظام، مضيفا أنّ “95% من تلك التحولات بدأت لأسباب شخصية، كالإقصاء من المناصب أو الشعور بالتهميش.
وأضاف كنجي: “بعض من بدأوا مؤخرا التغيير بوتيرة بطيئة، مثل باهنر، لم أكتشف بعد أسباب تحولهم… سيستغرق الأمر بعض الوقت”.

أصوات معتدلة: الحجاب القسري فشل في تحقيق أهدافه

على الطرف الآخر، عبّرت شخصيات معتدلة وأوساط أكاديمية عن دعمها الضمني لتصريحات باهنر، معتبرة أن “النهج القسري في فرض الحجاب لم يُثمر سوى مزيد من النفور الاجتماعي”.

ويستدلّ هؤلاء بتصريح باهنر نفسه الذي قال فيه إنّ “10% من الشعب متدينون متشددون، و90% يريدون حياة طبيعية وتطلعات لمستقبل أفضل”، معتبرين أن هذا التقدير الواقعي للمجتمع الإيراني يستحق الاستماع بدل التخوين.

كما يشير محللون إلى أن غياب قرار رسمي من المجلس الأعلى للأمن القومي بتنفيذ القانوني يعني أن الحكومة ليست متحمسة حاليا للتصعيد في هذا الملف الحساس.
ويرى هؤلاء أن إصرار المتشددين على المواجهة في وقت تعاني فيه البلاد من أزمات اقتصادية واجتماعية عميقة، يزيد الاحتقان بدل معالجته.

تُظهر هذه الأزمة أنّ قضية الحجاب في إيران لم تعد مسألة دينية بحتة، بل تحوّلت إلى رمز سياسي لصراع أجنحة السلطة، فمن جهة، يصرّ التيار المتشدد على بقاء الحجاب “خطا أحمر”، ومن جهة أخرى، يطالب بعض رموز النظام بإعادة النظر في أساليب تطبيقه بما يتلاءم مع الواقع الاجتماعي المتغيّر.في النهاية، يبدو أن تصريحات باهنر، مهما كانت دوافعها، كشفت عن صدع داخلي في التيار الأصولي الإيراني، وعن تحوّل تدريجي في الوعي السياسي داخل إيران، حيث باتت الأسئلة القديمة حول “الإجبار” و”الحرية” تُطرح من داخل النظام نفسه لا من خارجه.